← الثقات لابن حبان
الثقات لابن حبان
#20 مقبول 1 : 93 ☰ السنة الخامسة من الهجرة
A− A+

20 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَوْنٍ الدماتي° ، ثنا عَمَّارُ بْنُ الْحَسَنِ الْهَمْدَانِيُّ ° ، ثنا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ° ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ° ، حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ° ، عن مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ° ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ ° ، مِنْ فِيهِ قال : كُنْتُ رَجُلا مَجُوسِيًّا مِنْ أَهْلِ جي مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ ، وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ قَرْيَتِهِ ، وَكُنْتُ أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَيْهِ ، فَمَا زَالَ بِهِ حُبُّهُ إِيَّايَ حَتَّى حَبَسَنِي فِي الْبَيْتِ كَمَا تُحْبَسُ الْجَارِيَةُ ، وَكُنْتُ قَدِ اجْتَهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ حَتَّى كُنْتُ قُطْنَ النَّارِ الَّذِي يُوقِدُهَا لا يَتْرُكُهَا تَخْبُو سَاعَةً ، وَكَانَتْ لأَبِي ضَيْعَةٌ فِيهَا بَعْضُ الْعَمَلِ ، بَنَى أَبِي بُنْيَانًا لَهُ فِي دَارِهِ فَدَعَانِي ، فَقَالَ : أَيْ بُنَيَّ ، إِنِّي قَدْ شُغِلْتُ فِي بُنْيَانِي هَذَا الْيَوْمَ عن ضَيْعَتِي فَاذْهَبْ إِلَيْهَا فَاطْلَعْهَا ، وَأَمَرَنِي فِيهَا بِبَعْضِ مَا يُرِيدُ ، ثُمَّ قال لِي : وَلا تَحْتَبِسْ عَنِّي فَإِنَّكَ إِنِ احْتَبَسْتَ عَنِّي كُنْتَ أَهَمَّ عِنْدِي مِمَّا أَنَا فِيهِ ، فَخَرَجْتُ فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةِ النَّصَارَى وَهُمْ يُصَلُّونَ فِيهَا ، فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ ، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِمْ أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُونَ ، فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ قَاعِدًا عِنْدَهُمْ ، وَأَعْجَبَنِي دِينُهُمْ وَمَا رَأَيْتُ مِنْ صَلاتِهِمْ ، وَأَخَذَ بِقَلْبِي فَأَحْبَبْتُهُمْ حُبًّا لَمْ أُحِبَّهُ شَيْئًا قَطُّ ، وَكُنْتُ لا أَخْرُجُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَلا أَدْرِي مَا أَمْرُ النَّاسِ ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنْ دِينِنَا ، فَوَاللَّهِ مَا بَرِحْتُ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، وَتَرَكْتُ حَاجَةَ أَبِي الَّتِي أَرْسَلَنِي إِلَيْهَا ، وَمَا رَجَعْتُ إِلَيْهِ ، ثُمَّ بَعَثَ فِي الطَّلَبِ يَلْتَمِسُ لِي ، فَلَمْ يَجِدْ حَيْثُ أَرْسَلَنِي ، فَبَعَثَ رُسُلَهُ فَبَغَوْنِي بِكُلِّ مَكَانٍ حَتَّى جِئْتُهُ عَشِيًّا ، وَقَدْ قُلْتُ لِلنَّصَارَى حِينَ رَأَيْتُ مَا أَعْجَبَنِي مِنْ هَيْئَتِهِمْ : أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينِ ؟ قَالُوا : بِالشَّامِ ، فَلَمَّا أَتَيْتُ أَبِي ، فَقَالَ : أَيْ بُنَيَّ ، أَيْنَ كُنْتَ ؟ أَلَمْ أَكُنْ عَهِدْتُ إِلَيْكِ أَنْ لا تَحْتَبِسَ عَلَيَّ ؟ فَقُلْتُ : بَلَى ، وَإِنِّي مَرَرْتُ على كَنِيسَةِ النَّصَارَى فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ أَمْرِهِمْ ، وَحُسْنِ صَلاتِهِمْ ، وَرَأَيْتُ دِينَهُمْ خَيْرًا ، قال : كَلا يَا بُنَيَّ ، إِنَّ ذَلِكَ الدِّينَ لا خَيْرَ فِيهِ ، دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْهُ ، فَقُلْتُ : كَلا وَاللَّهِ ، إِنَّهُ لَخَيْرٌ مِنْ دِينِنَا ، قال : فَخَافَنِي أَنْ أَذْهَبَ مِنْ عِنْدِهِ ، فَكَبَّلَنِي ، ثُمَّ حَبَسَنِي ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّصَارَى ، وَأَخْبَرْتُهُمْ أَنِّي قَدْ رَضِيتُ أَمْرَهُمْ ، وَقُلْتُ : إِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَكْبٌ مِنَ الشَّامِ فَأَخْبِرُونِي بِهِمْ أَذْهَبُ مَعَهُمْ . فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الشَّامِ فَأَخْبَرُونِي بِهِمْ ، فَأَرْسَلُوا إِلَيَّ ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِمْ إِذَا أَرَادُوا الرَّجْعَةَ فَأَخْبِرُونِي ، فَلَمَّا أَرَادُوا الْخُرُوجَ جِئْتُهُمْ ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ فَلَمَّا قَدِمْتُ الشَّامَ سَأَلْتُ عن عَالِمِهِمْ ، فَقَالُوا : صَاحِبُ الْكَنِيسَةِ أَسْقُفُّهُمْ ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي ، وَقُلْتُ لَهُ : إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِي كَنِيسَتِكَ أَخْدِمُكَ ، وَأُصَلِّي مَعَكَ ، وَأَتَعَلَّمُ مِنْكَ ، فَإِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي دِينِكَ ، قال : أَقِمْ فَمَكَثْتُ مَعَهُ فِي الْكَنِيسَةِ أَتَفَقَّهُ فِي النَّصْرَانِيَّةِ ، وَكَانَ رَجُلَ سَوْءٍ ، فَاجِرًا فِي دِينِهِ ، يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا ، فَإِذَا جَمَعُوا إِلَيْهِ الأَمْوَالَ اكْتَنَزَهَا لِنَفْسِهِ ، وَكُنْتُ أَبْغَضُهُ لِمَا أَرَى مِنْ فُجُورِهِ ، وَقَدْ جَمَعَ سَبْعَ قِلالِ دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ . ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ فَاجْتَمَعَتِ النَّصَارَى لِيَدْفِنُوهُ ، فَقُلْتُ لَهُمْ : تَعْلَمُونَ أَنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا رَجُلُ سَوْءٍ ، كَانَ يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ فَإِذَا جِئْتُمُوهُ بِهَا اكْتَنَزَهَا لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ مِنْهَا شَيْئًا ، قَالُوا : وَمَا عَلامَةُ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ : أَدُلُّكُمْ على كَنْزِه ، قَالُوا : أَنْتَ وَذَاكَ ، فدللتهم عليه فأخرجوا قلالا مملوءة ذهبا وورقا ، قال : فَلَمَّا رَأَوْهَا ، قَالُوا : وَاللَّهِ لا نُغَيِّبُهُ أَبَدًا ، فَصَلَبُوهُ على خَشَبَةٍ ، وَرَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ ، وَجَاءُوا بِرَجُلٍ فَجَعَلُوهُ مَكَانَهُ ، قال : فَيَقُولُ سَلْمَانُ : يَا ابْنَ أَخِي ، مَا رَأَيْتُ رَجُلا لا يُصَلِّي الْخَمْسَ أَرَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ زَهَادَةً فِي الدُّنْيَا ، وَلا أَرْغَبُ فِي الآخِرَةِ ، وَلا أَدْأَبُ لَيْلا وَلا نَهَارًا مِنْهُ اجْتِهَادًا فِي الْعِبَادَةِ ، قال سَلْمَانُ : فَأَقَمْتُ مَعَهُ وَأَحْبَبْتُهُ حُبًّا مَا عَلِمْتُ أَنِّي أَحْبَبْتُ شَيْئًا كَانَ قَبْلَهُ ، فَكُنْتُ مَعَهُ أَخْدِمُهُ وَأُصَلِّي مَعَهُ فِي الْكَنِيسَةِ ، حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ، قُلْتُ : يَا فُلانُ ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ مَعَكَ ، وَمَا أَحْبَبْتُ حُبَّكَ شَيْئًا قَطُّ ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي ، وَمَنْ ذَا الَّذِي تَأْمُرُنِي مُتَّبِعٌ أَمْرَكَ ، وَمُصَدِّقٌ حَدِيثَكَ ؟ قال : أَيْ بُنَيَّ ، مَا أَعْلَمُ أَحَدًا على مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ إِلا رَجُلا بِالْمَوْصِلِ ، يُقَالَ لَهُ : فُلانٌ ، فَإِنِّي وَإِنَّهُ كُنَّا على أَمْرٍ وَاحِدٍ فِي الرَّأْيِ وَالدِّينِ ، وَهُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ وَسَتَجِدُ عِنْدَهُ بَعْضَ مَا كُنْتَ تَرَى مِنِّي ، فَأَمَّا النَّاسُ قَدْ بَدَّلُوا وَهَلَكُوا ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ الْمَوْصِلِ ، فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي ، فَقَالَ : أَقِمْ ، فَكُنْتُ مَعَهُ فِي كَنِيسَتِهِ ، فَوَجَدْتُهُ كَمَا قال صَاحِبِي رَجُلا صَالِحًا ، فَكُنْتُ مَعَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ : يَا فُلانُ ، إِنَّ فُلانًا أَوْصَانِي إِلَيْكَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ، وَقَدْ حَضَرَكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا تَرَى ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي ، وَإِلَى مَنْ تَأْمُرُنِي ؟ قال : أَيْ بُنَيَّ ، مَا أَعْلَمُ أَحَدًا على أَمْرِنَا إِلا رَجُلا بَنَصِيبِينِ ، يُقَالُ لَهُ : فُلانٌ ، فَالْحَقْ بِهِ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ نَصِيبِينَ ، وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي ، وَأَقَمْتُ عِنْدَهُ ، فَوَجَدْتُهُ على مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ صَاحِبَاهُ ، فَمَكَثْتُ مَعَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ، فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّ فُلانًا أَوْصَانِي إِلَى فُلانٍ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ ، ثُمَّ أَوْصَانِي صَاحِبُ الْمَوْصِلِ إِلَيْكِ ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي بَعْدَكَ ؟ قال : أَيْ بُنَيَّ ، مَا أَعْلَمُ أَحَدًا على مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ إِلا رَجُلا بِعَمُورِيَّةَ فِي أَرْضِ الرُّومِ ، فَإِنَّكَ وَاجِدٌ عِنْدَهُ بَعْضَ مَا تُرِيدُ ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِهِ فَالْحَقْ بِهِ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ عَمُورِيَّةَ ، وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي ، فَقَالَ : أَقِمْ ، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ على مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ ، وَأَثَابَ لِي شَيْئًا حَتَّى اتَّخَذْتُ بَقَرَاتٍ وَغُنَيْمَةً ، ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ، فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّ فُلانًا أَوْصَانِي إِلَى فُلانٍ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ ، ثُمَّ أَوْصَانِي صَاحِبُ الْمَوْصِلِ إِلَى فُلانٍ صَاحِبِ نَصِيبِينَ ، ثُمَّ أَوْصَانِي صَاحِبُ نَصِيبِينَ إِلَيْكَ ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي ؟ قال : يَا بُنَيَّ ، مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ فِي هَذِهِ الأَرْضِ أَحَدٌ على مَا كُنَّا عَلَيْهِ ، لَكِنَّكَ قَدْ أَظَلَّكَ خُرُوجُ نَبِيٍّ بِأَرْضِ الْعَرَبِ ، يُبْعَثُ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنَفِيَّةِ ، يَكُونُ مِنْهَا مُهَاجَرُهُ ، وَقَرَارُهُ إِلَى أَرْضٍ يَكُونُ بِهَا النَّخْلُ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ نَعَتَهَا بِكَذَا وَكَذَا ، بِظَهْرِهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ إِذَا رَأَيْتَهُ عَرَفْتَهُ ؛ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ ، ثُمَّ مَاتَ . فَمَرَّ بِي رَكْبٌ مِنْ كَلْبٍ فَسَأَلْتُهُمْ : مَنْ هُمْ ؟ فَقَالُوا : مِنَ الْعَرَبِ ، فَسَأَلْتُهُمْ : مَا بِلادُهُمْ ؟ فَأَخْبَرُونِي عَنْهَا ، فَقُلْتُ لَهُمْ : أُعْطِيكُمْ بَقَرِي وَغَنَمِي هَذَا على أَنْ تَحْمِلُونِي حَتَّى تَقْدُمُوا أَرْضَكُمْ ، قَالُوا : نَعَمْ ، فَأَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ، وَحَمَلُونِي مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا جَاءُوا بِي وَادِيَ الْقُرَى ظَلَمُونِي فَبَاعُونِي بِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ ، فَأَقَمْتُ وَرَأَيْتُ بِهَا النَّخْلَ ، وَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ الْبَلَدَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي ، حَتَّى قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَابْتَاعَنِي مِنْ ذَلِكَ الْيَهُودِيِّ ، ثُمَّ خَرَجَ بِي حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ ، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ رَأَيْتُهَا فَعَرَفْتُهَا بِصِفَةِ صَاحِبِي ، وَأَيْقَنْتُ أَنَّهُ الْبَلَدُ ، فَمَكَثْتُ بِهَا أَعْمَلُ لَهُ فِي مَالِهِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ، حَتَّى بُعِثَ مُحَمَّدٌ ، وَخَفِيَ عَلَيَّ أَمْرُهُ وَأَنَا فِي رِقِّي مَشْغُولٌ ، حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا ، فَنَزَلَ فِي قُبَاءَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي رَأْسِ نَخْلَةٍ أَعْمَلُ لِصَاحِبِي فِيهَا ، وَصَاحِبِي تَحْتِي جَالِسٌ ، إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ : يَا فُلانُ ، قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي قَيْلَةَ إِنَّهُمْ آنِفًا لَمُجْتَمِعُونَ يُقْبِلُونَ على رَجُلٍ بِقُبَاءَ قَدِمَ مِنْ مَكَّةَ ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ ، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ قَالَهَا لَهُ أَخَذَتْنِي رَعْدَةٌ مِنَ النَّخْلَةِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنِّي سَقَطْتُ على صَاحِبِي . فَنَزَلْتُ سَرِيعًا ، فَقُلْتُ : أَيْ سَيِّدِي ، مَا الَّذِي تَقُولُ ؟ فَغَضِبَ مِمَّا رَأَى فِيَّ وَرَفَعَ يَدَهُ فَضَرَبَنِي بِهَا ضَرْبَةً شَدِيدَةً ، ثُمَّ قال : مَا لَكَ وَلِهَذَا أَقْبِلْ على عَمَلِكَ ، قُلْتُ : لا شَيْءَ سَمِعْتُ مِنْكَ شَيْئًا فَأَرَدْتُ أَنْ أَعْلَمَهُ ، فَسَكَتُّ عَنْهُ ثُمَّ أَقْبَلْتُ على عَمَلِي ؛ فَلَمَّا أَمْسَيْتُ جَمَعْتُ مَا كَانَ عِنْدِي ، حَتَّى أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِقُبَاءَ ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَقُلْتُ : بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ وَأَنَّ مَعَكَ أَصْحَابًا لَكَ أَهْلَ حَاجَةٍ وَغُرْبَةٍ ، وَقَدْ كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ وَضَعْتُهُ لِلصَّدَقَةِ مِنْ طَعَامٍ يَسِيرٍ ، فَجِئْتُكُمْ بِهِ وَهُوَ ذَا ، فَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَصْحَابِهِ : " كُلُوا " . وَأَمْسَكَ يَدَهُ وَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : هَذِهِ وَاحِدَةٌ مِنْ صِفَةِ فُلانٍ ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَتَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَجَمَعْتُ شَيْئًا ثُمَّ جِئْتُهُ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ : هَذَا شَيْءٌ كَانَ لِي وَأَحْبَبْتُ أَنْ أُكْرِمَكَ وَهُوَ هَدِيَّةٌ أُهْدِيهَا لَكَ كَرَامَةً لَيْسَتْ بِصَدَقَةٍ ، فَإِنِّي رَأَيْتُكَ لا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ ، فَأَكَلُوا وَأَكَلَ مَعَهُمْ . فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : هَاتَانِ اثْنَتَانِ ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَمَكَثْتُ شَيْئًا ثُمَّ جِئْتُهُ ، وَهُوَ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ مَشَى مَعَ جِنَازَةٍ وَحَوْلَهُ أَصْحَابُهُ ، وَعَلَيْهِ شَمْلَتَانِ مُرْتَدِيًا بِوَاحِدَةٍ وَمُتَّزِرًا بِالأُخْرَى ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ تَحَوَّلْتُ حَتَّى قُمْتُ وَرَاءَهُ لأَنْظُرَ فِي ظَهْرِهِ ، فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي إِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ أَنْظُرَ ، وَأَثْبَتَهُ فَقَامَ بِرِدَائِهِ فَأَلْقَاهُ عن ظَهْرِهِ ، فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ كَمَا وَصَفَهُ لِي صَاحِبِي ، فَأَكْبَبْتُ على رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُقَبِّلُ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ ، مِنْ ظَهْرِهِ وَأَبْكِي ، فَقَالَ : " تَحَوَّلْ عَنِّي " . فَتَحَوَّلْتُ عَنْهُ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّتِي وَشَأْنِي وَحَدِيثِي ، فَأُعْجِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحَبَّ أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ ، ثُمَّ أَسْلَمْتُ وَمَكَثْتُ مَمْلُوكًا حَتَّى مَضَى شَأْنُ بَدْرٍ ، وَشَأْنُ أُحُدٍ ، وَشَغَلَنِي الرِّقُّ فَلَمْ أَشْهَدْ مَجَامِعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قال لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَاتِبْ نَفْسَكَ " ، فَسَأَلْتُ صَاحِبِي الْكِتَابَةَ ، فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى كَاتَبَنِي على أَنْ أَفِيَ لَهُ ثَلاثَ مِائَةِ نَخْلَةٍ وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةَ وَرِقٍ وَتِلْكَ أَرْبَعَةُ آلافٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَصْحَابِهِ : " أَعِينُوا أَخَاكُمْ بِالنَّخْلِ " . فَأَعَانَنِي الرَّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ ، مِنْهُمْ مَنْ يُعْطِينِي الْعِشْرِينَ ، وَالثَّلاثِينَ ، وَالْعَشَرَةَ ، وَالْخَمْسَ ، وَالسِّتَّ ، وَالسَّبْعَ ، وَالثَّمَانِ ، وَالأَرْبَعَ ، وَالثَّلاثَ حَتَّى جَمَعْتُهَا ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اذْهَبْ فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَضَعَهَا فَأْتِنِي حَتَّى أَكُونَ أَنَا أَضَعُهَا لَكَ بِيَدِي فَقُمْتُ فِي تَفْقِيرِهَا وَأَعَانَنِي أَصْحَابُهُ حَتَّى فَرَغْنَا مِنْ شُرْبِهَا ، وَجَاءَ أَصْحَابِي كُلُّ رَجُلٍ بِمَا أَعَانَنِي مِنَ النَّخْلِ ، فَوَضَعْتُهُ ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ فَخَرَجَ ، فَجَعَلْنَا نَحْمِلُ إِلَيْهِ النَّخْلَ فَيَضَعُهَا بِيَدِهِ ، فَمَا مَاتَتْ مِنْهَا وَدِيَّةٌ ، وَبَقِيَتِ الدَّرَاهِمُ ، ثُمَّ قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا سَلْمَانُ ، إِذَا سمعت بِشَيْءٍ قَدْ جَاءَنِي فَأْتِنِي أُغْنِيكَ بِمِثْلِ مَا بَقِيَ مِنْ مُكَاتَبَتِكَ " . فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي أَصْحَابِهِ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِمِثْلِ الْبَيْضَةِ مِنْ ذَهَبٍ ، أَصَابَهَا فِي بَعْضِ الْمَغَازِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خُذْ هَذِهِ فَأَدِّهَا مِمَّا عَلَيْكَ يَا سَلْمَانُ " . قال : قُلْتُ : وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ مِمَّا عَلَيَّ مِنَ الْمَالِ ؟ قال : " إِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّيهَا عَنْكَ ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ وَزَنْتُ لَهُمْ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً حَقَّهُمْ جَمِيعًا " . وَعُتِقَ سَلْمَانُ ، وَغَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَنْدَقَ ، وَمَا كَانَ بَعْدَهُ مِنَ الْمَغَازِي . قال : في أول هذه السنة كان فك سلمان من الرق وأداؤه بما كوتب عليه

ثم كانت غزوة ذات الرقاع في المحرم . خرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان يريد بني محارب ، وبني ثعلبة من غطفان ، حتى نزل نخلا فلقي بها جمعا من غطفان ، فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب إلا أن الناس قد خاف بعضهم من بعض حتى صلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة الخوف ، وإنما سميت هذه الغزاة غزاة ذات الرقاع لأن الخيل كان فيها سواد وبياض ؛ فسميت الغزوة بتلك الخيل . ثم انصرف رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمون ، فبينا جابر إذ أبطأ عليه جمله فقال ، لحقه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : " يا جابر " . قال : نعم ، قال : " ما شأنك ؟ " ، قال : أبطأ علي جملي فحجنه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمحجنه ، وقال : " اركب " ، فقال جابر : ولقد رأيتني أكفه عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : " يا جابر تزوجت ؟ قلت : نعم ، قال : بكرا أم ثيبا ؟ قلت : بل ثيبا ، قال : " أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك " ، قلت : إن لي أخوات فأحببت أن أتزوج بمن يجمعهن ، ويمشطهن ، وتقوم عليهن ، قال : " أما إنك قادم فإذا قدمت فالكيس الكيس " ، ثم قال : " أتبيع جملك " ، فقلت : نعم . فاشتراه منه بأوقية ثم قدم المدينة صلى الله عليه وسلم ، قال جابر : فوجدته عند باب المسجد ، فقال : " الآن قدمت " ، قلت : نعم ، قال : " فدع جملك وادخل المسجد فصل ركعتين " ، فدخلت فصليت ركعتين ثم أمر بلالا أن يزن لي أوقية ، فوزن لي فأرجح في الميزان ، فانطلقت حتى إذا وليت ، فقال : " ادعوا لي جابرا ، قلت : الآن يرد على الجمل ، وليس شيء أبغض إلي منه ، قال : " خذ جملك ولك ثمنه " . ثم كانت غزوة دومة الجندل . وذلك أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلغه أن جمعا تجمعوا بها فغزاهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى بلغ دومة الجندل ، فلم ير كيدا ، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري ، ثم رجع إلى المدينة . وتوفيت أم سعد بن عبادة ، وسعد مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدومة الجندل ، فلما رجع جاء رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبرها وصلى عليها ، فقال سعد : يا رسول الله إن أمي أفتلتت نفسها ولم توص ، أفأقضي عنها ؟ قال : " نعم " . وكسف القمر في جمادى الآخرة فجعلت اليهود يرمونه بالشهب ويضربون بالطاس ، ويقولون : سحر القمر ، فصلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة الكسوف . وبلغ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن قريشا أصابتهم شدة حتى أكلوا الرمة ، فبعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشيء من الذهب إليهم مع عمرو بن أمية ، وسلمة بن أسلم بن حريش . ثم قدم على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفد من مزينة ، وهو أول وفد قدم عليه في رجب وفيهم بلال بن الحارث المزني في رجال من مزينة ؛ فقال لهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أنتم مهاجرون أينما كنتم " ، فرجعوا إلى بلادهم . ثم قدم بعدهم ضمام بن ثعلبة ، بعثه بنو سعد بن بكر ، فقال : يا محمد ! أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك ، قال : " صدق " ، قال : فمن خلق السماء ؟ قال : " الله " ، قال : فمن خلق الأرض ؟ قال : " الله " , قال : فمن نصب هذه الجبال ؟ قال : " الله " , قال : فمن جعل فيها هذه المنافع ؟ قال : " الله " ، آلله تعالى أرسلك ؟ قال : " نعم " ، قال : فبالذي خلق السماوات والأرض ونصب الجبال وجعل فيها هذه المنافع هو الله الذي أرسلك ؟ قال : " نعم " ، قال : وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا ، قال : " صدق " ، قال : فبالذي أرسلك ، آلله أمرك بهذا ؟ قال : " نعم " ، قال : وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا ، قال : " صدق " ، قال : فبالذي أرسلك ، آلله أمرك بهذا ؟ قال : " نعم " ، قال : فوالله الذي بعثك بالحق لا أزيدن عليهن ولا أنقص منهن شيئا ؛ فلما قفا قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لئن صدق ليدخلن الجنة " . فأسلم ضمام ورجع إلى قومه بالإسلام . ثم غزا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غزوة المريسيع في شعبان ، قصد بني المصطلق من خزاعة على ماء لهم قريب من الفرع فقتل منهم رجالهم وسباهم ، وكان فيمن سبى جويرة بنت الحارث بن أبي ضرار تزوجها رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وجعل صداقها أربعين أسيرا من قومها . في هذه الغزوة سقط عقد عائشة ، فأقام رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالناس على التماسه ، وليسوا على ماء وليس معهم ماء ، فنزلت آية التيمم ، فقال أسيد بن حضير : ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر ، فبعثوا العير التي كانت عليه فوجدوا العقد تحته . وبعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا نملة الطائي بشيرا إلى المدينة بفتح المريسيع . ثم غزا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غزوة الخندق . وكان من شأنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أجلى بني النضير خرج نفر من اليهود فيهم حيي بن أخطب النضري ، وهوذة بن قيس الوائلي ، وكنانة بن الربيع النضري في نفر من بني النضير ، وبني وائل ، وحزبوا الأحزاب حتى قدموا على قريش مكة ودعوهم إلى حرب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله ومن معه ، فقالت لهم قريش : يا معشر اليهود ! إنكم أهل الكتاب والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد ، أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم ، وأنتم أولى بالحق منه ، فلما قالوا ذلك لقريش نشطوا لما دعوهم إليه من حرب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأجمعوا لذلك واتعدوا له , ثم خرجوا حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى حرب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأخبروهم أن قريشا قد تابعوهم على ذلك وأجمعوا معهم على ذلك . وخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب ، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري ، وكان قائد أشجع مسعود بن رخيلة . فلما سمع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأمرهم استشار المسلمين فأشار عليه سلمان بضرب الخندق على المدينة ، وهي أول غزاة غزاها سلمان مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخندق على المدينة فيما بين المذاد إلى ناحية راتج . وأقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة في عشرة آلاف رجل من أحابيشهم ، ومن تابعهم من أهل كنانة ، وأهل تهامة . وأقبلت غطفان حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد . وخرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، وذلك في شهر شوال حتى جعل سلعا وراء ظهره ، والخندق بينه وبين القوم ، وهو في ثلاثة آلاف من المسلمين ، وخرج حيي بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد صاحب بني قريظة ، فلم يزل يفتله حتى بايعه على ذلك . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ، وعبد الله بن رواحة ، وخوات بن جبير يستخبرون خبر كعب بن أسد ، أهم على وفاء أم لا ؟ فمضوا إليه فسألوه ، فقال : لا عهد بيننا وبين محمد . ثم رجعوا إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبروه . فأقام رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحذاء المشركين بضعا وعشرين ليلة ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من يأتيني بخبر القوم " ؟ فقال الزبير : أنا ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن لكل نبي حواريا وإن حواري الزبير " . ولم يكن بينهم حرب إلا الرمي ، غير أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود بن أبي قيس أخو بني عامر ، وعكرمة بن أبي جهل المخزومي ، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي ، وضرار بن الخطاب بن مرداس المحاربي قد تهيئوا للقتال وتلبسوا وخرجوا على خيلهم ، ومروا بمنازل كنانة ، ثم أقبلوا بخيلهم حتى وقفوا على الخندق فلما رأوه ، قالوا : والله إن هذه المكيدة ما كانت العرب تكيدها ، ثم أتوا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيلهم فاقتحمت منه ، وجالت في السبخة بين الخندق وسلع . فلما رآهم المسلمون خرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذ عليهم الموضع الذي منه اقتحموا وأقبلت الفوارس بعطش نحوهم ، وكان عمرو بن عبد ود فارس قريش ، وقد كان قاتل يوم بدر ولم يشهد أحدا ، فخرج عام الخندق معلما ليرى مشهده ، فلما وقف هو وخيله ، قال علي بن أبي طالب : يا عمرو إني أدعوك إلى البراز ، قال : ولم يا ابن أخي ، فوالله ما أحب أن أقتلك ؟ قال علي : لكني والله أحب أن أقتلك ، فحمى عمرو عند ذلك واقتحم عن فرسه وعقره ثم أقبل إلى علي ، فتنازلا وتجاولا إلى أن قتله علي ، وخرجت خيله منهزمة من الخندق . وحبس رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الظهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء وذلك بعد أن كفوا كما قال الله تعالى : وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ سورة الأحزاب آية 25 ، ولم يقتل من المسلمين غير ستة نفر : كعب بن زيد الدنباني ، ورمي سعد بن معاذ بسهم فقطع أكحله ، وعبد الله بن سهل ، وأنس بن أوس بن عتيك ، والطفيل بن النعمان بن خنساء ، وثعلبة بن غنمة . وقتل من المشركين جماعة . ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعي أتى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقال : يا رسول الله ! إني أسلمت ، وإن قومي لا يعلمون بإسلامي فمرني بما شئت ، فقال له رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا ، فإن الحرب خدعة " ، فخرج نعيم حتى أتى بني قريظة ، وكان لهم نديما في الجاهلية ، فقال : يا معشر قريظة ! إنكم قد عرفتم ودي لكم وخاصة ما بيني وبينكم ، قالوا : صدقت ، قال : فإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد ، وإنهم ليسوا كهيئتكم البلد بلدكم لا تقدرون على أن تتحولوا عنه ، وإن قريشا وغطفان إن وجدوا فرصة أشهروها ، وإن كان غير ذلك هربوا وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم على أن يقاتلوا مع القوم حتى تناجزوه ، فقالوا : قد أشرت برأي ونصح ، ثم خرج نعيم حتى أتى قريشا وأبا سفيان ، فقال : يا معشر قريش ! إنكم قد عرفتم ودي لكم ، قد رأيت أن حقا علي أن أبلغكموه وأنصح لكم فاكتموه علي ، قالوا : نفعل ، قال : إن معشر اليهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد ، وقد أرسلوا إليه : أنا قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك منا أن ينفذ من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم ، فأرسل إليهم أن نعم ، فإن بعث إليكم اليهود يلتمسون رهنا فلا تدفعوا إليهم . ثم خرج حتى أتى غطفان ، فقال : يا معشر غطفان ! إنكم أصلي وعشيرتي ، وأحب الناس إلي ، ولا أراكم تتهموني ، قالوا : صدقت ، قال : فاكتموا علي ، قالوا : نفعل ، فقال لهم مثل ما قال لقريش في شأن بني قريظة وحذرهم مثل الذي حذرهم . فلما كانت ليلة السبت أرسل أبو سفيان عكرمة بن أبي جهل في نفر معه من رءوس غطفان إلى بني قريظة ، فقالوا : لسنا بدار مقام قد هلك الكراع والحافر ، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه ، فأرسلوا أن غدا السبت وهو يوم لا نعمل فيه ولسنا مع ذلك بالذي نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من أشرافكم يكونون عندنا حتى نناجز محمدا ، فإنا نخشى الحرب إن اشتدت أن تتشمروا إلى بلادكم وتتركونا . فلما رجع عكرمة إلى قريش وغطفان بما قالت بنو قريظة ، قالوا : والله إن الذي جاءكم به نعيم بن مسعود لحق ، فأرسلوا إلى بني قريظة أنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا ، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا وقاتلوا ، فقالت بنو قريظة : إن الذي ذكر لنا نعيم لحق ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا فإن رأوا فرصة انتهزوها ، وإن غير ذلك انشمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ؛ فأرسلوا إلى قريش وغطفان : أنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا . وبعث الله على المشركين ريحا تطرح آنيتهم وتكفأ قدورهم في يوم شديد البرد ، فلما انتهى إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما اختلف من أمرهم دعا حذيفة بن اليمان ، قال : اذهب فادخل بين القوم وانظر ما يقولون ، ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني ، وذلك ليلا ، فدخل حذيفة في الناس وقام أبو سفيان بن حرب ، وقال : يا معشر قريش ! لينظر كل امرئ من جليسه ؟ قال حذيفة : وأخذت رجلا إلى جنبي ! وقلت له : من أنت ؟ قال : أنا فلان بن فلان ، ثم قال أبو سفيان : يا معشر قريش ! إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف ، وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره ، ولقينا من هذه الريح ما ترون ، والله ! ما يستمسك لنا بناء ولا تطمئن لنا قدور فارتحلوا فإني مرتحل . ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه ، فوثب به على ثلاث ، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم . ثم قال حذيفة : ولولا عهد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلي ألا تحدث شيئا حتى تأتيني لقتلته بسهمي . فرجع حذيفة إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره الخبر . فسمعت غطفان بما صنعت قريش ، فانشمروا راجعين إلى بلادهم . ورجع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة هو والمسلمون ووضعوا السلاح . غزوة بني قريظة . فلما كانت الظهر أتى جبريل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقال : قد وضعتم السلاح وأن الملائكة لم تضع سلاحها بعد ، إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة . فأذن مؤذن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ؛ وخرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحمل لواءه علي بن أبي طالب فلما بلغ الصورين قال : هل مر بكم أحد ؟ قالوا : نعم ، مر بنا دحية الكلبي على بغلة بيضاء ، فقال رسول صلى الله عليه وسلم : " ذاك جبريل " ، فسار رسول الله صلى عليه وسلم حتى نزل على بئر لبني قريظة في ناحية أموالهم ، وتلاحق به الناس ، وأتى رجال بعد عشاء الآخرة ولم يصلوا العصر لقول رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة " . فحاصرهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب ، وقد كان حيي بن أخطب قد دخل مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد ؛ فلما تيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم بعثوا إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أن أبعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف لنستشيره ، فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسم إليهم ، فقالوا : يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ قال : نعم ، وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح ، فقالوا : ننزل على حكم سعد بن معاذ ، فقال رسول الله صلى عليه وسلم : " انزلوا على حكمه " . ثم إن ثعلبة بن سعية ، وأسد بن سعية ، وأسد بن عبيد أسلموا فمنعوا ديارهم وأموالهم ، فلما أصبحوا نزلوا على حكم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال الأوس : يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ألا ترضون أن يحكم رجل منكم " , قالوا : بلى يا رسول الله ، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فذاك إلى سعد بن معاذ " . وكان قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقومه حين أصابه السهم : " أجعلوه في خيمة قريب مني حتى أعوده " ، فلما حكمه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بني قريظة ، أتاه قومه فاحتملوه على حمار ، ثم أقبلوا به إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم يقولون : يا أبا عمرو إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما ولاك مواليك لتحسن فيهم ، فلما أكثروا عليه ، قال : قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم . فلما جاء سعد ، قال لهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قوموا إلى سيدكم " . فقاموا إليه ، فقالوا : يا أبا عمرو إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد ولاك الحكم ، قال سعد : عليكم عهد الله وميثاقه إن ما حكمت ، قالوا : نعم ، قال : وعلى من كان ههنا في هذه الناحية التي فيها رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو معرض عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إجلالا له ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نعم " . فقال سعد : فإني أحكم فيهم بأن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء ، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لسعد : " لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة " . فحبسهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في دار ، ثم قدم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة . فلما قدمها خرج إلى سوق المدينة فحفر حفرا ، ثم بعث إليهم وأمر بضرب أعناقهم ، وهم ما بين ستمائة إلى تسعمائة ، فلم يزل ذلك دأبهم حتى فرغ منهم فيهم حيي بن أخطب ، وكعب بن أسعد . ثم إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قسم أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين ، فكان مع المسلمين ستة وثلاثون فرسا ، فأعطى الفارس ثلاثة أسهم : للفرس سهمان ، ولصاحبه سهم ، وللراجل الذي ليس له فرس سهم ، وأخرج منها صلى الله عليه وسلم الخمس ، وقد قيل : إنه اصطفى لنفسه ريحانة بنت عمرو بن خنافة إحدى نساء بني عمرو بن قريظة . ثم مات سعد بن معاذ فأمر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغسله فغسله أسيد بن حضير ، وسلمة بن سلامة بن وقش ، ثم وضع في أكفانه على سريره ، فقال رسول الله عليه وسلم : " اهتز العرش لموت سعد بن معاذ " . وكان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمام جنازة سعد حتى صلى عليه ، ونزل في حفرته أربعة نفر : الحارث بن أوس ، وأسيد بن حضير ، وسلمة بن سلامة بن وقش ، وأبو نائلة مالك بن سلامة . ثم بنى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بزينب ابنة جحش ، فلما أصبح دعا القوم فأصابوا من الطعام ، ثم خرجوا ونفر منهم عند النبي صلى الله عليه وسلم فأطالوا القعود ، وقام رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخرج حتى جاء عتبة حجرة عائشة ثم رجع ، ونزلت آية الحجاب : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ سورة الأحزاب آية 53 . ثم كانت سرية عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان بن خالد بن ملهم الهذلي ثم اللحياني بعرنة ، فصادفه ببطن عرنة ومعه أحابيش ، فقتله وحمل رأسه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ثم ركب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذي الحجة إلى الغابة ، فسقط عن فرسه فجحش شقه الأيمن ، فخرج فصلى بهم جالسا فقال : " إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فركعوا وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين " . وفي ذي الحجة دفت دافة من عامر بن صعصعة ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا يبقى عندكم من ضحاياكم بعد ثلاثة شيء " . أراد به صلى الله عليه وسلم أن يوسع ذو السعة عمن لا سعة عنده . ثم قال لهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كلوا وادخروا بعد ثلاث " .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده حسن رجاله ثقات عدا ابن إسحاق القرشي وهو صدوق مدلس ، وسلمة بن الفضل الأنصاري وهو صدوق كثير الخطأ
شجرة الإسناد