← الثقات لابن حبان
الثقات لابن حبان
#25 مقبول 1 : 138 ☰ السنة التاسعة من الهجرة
A− A+

25 قَالَ الزُّهْرِيُّ ° : فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ ° ، عَنْ عَائِشَةَ ° ، قَالَتْ : فَلَمَّا مَضَى تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً ، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا ، وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَعُدُّهُنَّ ، فَقَالَ : " إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ " ، ثُمَّ قَالَ : " يَا عَائِشَةُ ! إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلا أَرَاكِ أَنْ تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ ، قَالَتْ : ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ الآيَةَ : يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا سورة الأحزاب آية 28 إِلَى قَوْلِهِ عَظِيمًا سورة الأحزاب آية 29 ، قَالَتْ عَائِشَةُ : قَدْ عَلِمَ وَاللَّهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ ، فَقُلْتُ : أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ ، فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ

قال : في أول هذه السنة هجر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نساءه شهرا ، وكان السبب في ذلك أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذبح ذبحا فأمر عائشة أن تقسم بين أزواجه ، فأرسلت إلى زينب بنت جحش نصيبها فردته ، قال : " زيديها " ، فزادتها ثلاثا كل ذلك ترده ، فقالت عائشة : قد أقمأت وجهك ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أنتن أهون على اللَّه من أن تغضبن ، لا أدخل عليكن شهرا " ، فدخل عليهن بعد مضي تسع وعشرون يوما . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علقمة بْن مجزّز في صفر إلى الحبشة ، فانصرف ولم يلق كيدا ، وفي هذه السرية أمر علقمة أصحابه أن يوقدوا نارا عظيما ، ثم أمرهم أن يقتحموا فيها فتحرزوا وأبو ذلك ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من أمركم بمعصية اللَّه فلا تطيعوه " . ثم قدم على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفد بلي في ربيع الأول ، ونزل على رويفع بْن ثابت البلوى . وقدم وفد بني ثعلبة بْن منقذ ، وفيها وفد سعد هذيم . وقدم الداريون من لخم عشرة أنفس : هانئ بْن حبيب ، والفاكه بْن النعمان ، وجبلة بْن مالك ، وأبو هند بْن بر ، وأخوه الطيب بْن بر ، وتميم بْن أوس ، ونعيم بْن أوس ، ويزيد بْن قيس ، وعروة بْن مالك ، وأخوه مرة بْن مالك . وأهدوا إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ راوية خمر ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إن اللَّه قد حرم الخمر " ، فأمروا بيعها ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إن الذي حرم شربها حرم بيعها " . وقدم وفد بني أسد ، فقالوا : يا رسول اللَّه ! قدمنا عليك قبل أن ترسل إلينا رسولا ، فنزلت هذه الآية : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا سورة الحجرات آية 17 . وقدم عروة بْن مسعود بْن معتب الثقفي على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأسلم ، ثم استأذن أن يرجع إلى قومه فيدعوهم إلى الإسلام ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هم قاتلوك ! " قال : أنا أحب إليهم من أبكار أولادهم ، فأذن له رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخرج إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام ، وأذن بالصبح على غرفة فرماه رجل من بني ثقيف بسهم فقتله . وبعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الضحاك بْن سفيان الكلابي إلى القرطاء سرية ، فأصابهم بغدير الزج ، وقد كتب إليهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتابا فأبوا ، ورقعوا كتابهم بأسفل دلوهم . وبعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي بْن أبي طالب سرية إلى الفلس من بلاد طيء في ربيع الآخر ، فأغار عليهم وسبى منهم نساء فيهن أخت عدي بْن حاتم . ثم نعى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النجاشي للناس في رجب وقال : " صلوا على صاحبكم " ، فقام فصلى هو وأصحابه وصفوا خلفه ، وكبر عليه أربعا . ثم أمر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتهيؤ لغزوة الروم في شدة الحر وجدب من البلاد حين طاب الثمار وأحبت الظلال ، وكان رسول اله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلما يخرج في غزوة إلا ورى بغيرها غير غزوة تبوك هذه ، فإنه أمر التأهب لها لبعد الشقة وشدة الزمان ، وحض رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل اللَّه ، ورغبهم في ذلك ، وحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا ، وأنفق عثمان بْن عفان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد أعظم من نفقته ، ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهم البكاءون وهم سبعة نفر ، فاستحملوا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكانوا أهل حاجة ، فقال : " لا أجد ما أحملكم عليه ، وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون " ، وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم فاعتذروا إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعذرهم وهم بنو غفار ، وقد كان نفر من المسلمين أبطأ بهم النية عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى تخلفوا عنه من غير شك ولا ارتياب ، منهم كعب بْن مالك أخو بني سلمة ، ومرارة بْن الربيع أخو بني عمرو بْن عوف ، وهلال بْن أمية أخو بني واقف ، وأبو خيثمة أخو بني سالم . وكانوا نفر صدق ولا يتهمون في إسلامهم ؛ فخرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المدينة وضرب معسكره على ثنية الوداع ، ضرب عَبْد اللَّه بْن أبي بْن سلول معسكره أسفل منه ، وخلف رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي بْن أبي طالب على أهله وأمره بالأقامة فيهم ، واستخلف على المدينة سباع بْن عرفطة ، أخا بني غفار ، فقال المنافقون : والله ما خلفه علينا إلا استثقالا له ، فلما سمع ذلك علي أخذ سلاحه ثم خرج حتى لحق رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو نازل بالجرف ، وقال : يا نبي اللَّه ! زعم المنافقون أنك إنما خلفتني استثقالا ؟ فقال : " كذبوا ، ولكني خلفتك لما تركت ورائي ، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك ، ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " ، فرجع علي إلى المدينة ومضى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتخلف عنه عَبْد اللَّه بْن أبي فيمن تخلف من المنافقين . فلما نزل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحجر استقى الناس من بئرها ، فلما راحوا منها قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا تشربوا من مائها شيئا ولا تتوضئوا منه للصلاة ، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الأبل ولا تأكلوا منه شيئا " ؛ ثم دعا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأرسل اللَّه السحاب فأمطر حتى ارتوى الناس وتوضئوا . ثم إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نزل في بعض المنازل فضلت ناقته ، فخرج أصحابه في طلبها ، فقال بعض المنافقين : أليس مُحَمَّد يزعم أنه نبي ويخبركم بخبر السماء ، وهو لا يدري أين ناقته ؟ ! فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " والله ما أعلم إلا ما علمني اللَّه ! وقد علمني أنها في الوادي بين شعب كذا وكذا قد حبستها شجرة بزمامها " ، قال : " فانطلقوا حتى تأتوا بها " ، فذهبوا فجاءوا بها . ثم سار رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون : والله يا رسول اللَّه تخلف فلان ! فيقول : " دعوه فإن يكن فيه خير فسيلحقه اللَّه بكم " ، حتى قيل له : يا رسول اللَّه تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره ! فقال : " دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه اللَّه بكم " ، فلما أبطأ على أبي ذر بعيره أخذ متاعه على ظهره ، وترك بعيره ، ثم خرج يتبع أثر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ماشيا . ونزل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بعض منازله ، فنظر ناظر من المسلمين فقال : يا رسول اللَّه ! رجل على الطريق يمشى وحده ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كن أبا ذر " ، فلما تأمله القوم قالوا : يا رسول اللَّه هذا والله أبا ذر ! فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رحم اللَّه أبا ذر يعيش وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده " ؛ فانتهى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى تبوك ، فلما أتاها أتاه يحنة بْن رؤبة صاحب أيلة ، وصالح على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأعطاه الجزية ، وأتاه جرباء وأذرح فأعطوا الجزية ، وكتب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتابا وهو عندهم ، فكتب ليحنة بْن رؤية " بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، هذه أمنة من اللَّه من مُحَمَّد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليحنة بن رؤية وأهل بلده وسيارته في البر والبحر ، فهم في ذمة اللَّه وذمة مُحَمَّد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر ، فمن أحدث منهم حدثًا فإنه لا يحول ماله دون نفسه ، وإنه طيب للناس ممن أخذه ، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ، ولا طريقًا يريدونه من بر وبحر " ، وكتب جهيم بْن الصلت بأمر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وكتب لأهل جرباء وأذرح : " بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من مُحَمَّد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأهل أذرح آمنون بأمان اللَّه وأمان مُحَمَّد ، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة ، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان ، ومن لجأ إليهم من المسلمين " . وقد كان أبو خيثمة أحد بني سلام رجع بعد أن خرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المدينة إلى أهله في يوم حار ، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائط قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له فيه ماء وهيأت له فيه طعاما ، فلما دخل أبو خيثمة قام على باب العريشين ونظر إلى امرأتيه وما صنعتا له ، فقال : رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الريح والحر ، وأبو خيثمة في ظلال باردة وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم ، ما هذا بالنصف ؟ ثم قال : والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فهيأتا له زادا ، ثم قدم ناضحه فارتحله ، ثم خرج في طلب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فبينا أبو خيثمة يسير إذ لحقه عمير بْن وهب الجمحي في الطريق يطلب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك ، قال أبو خيثمة لعمير بْن وهب : إن لي ذنبا فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ففعل عمير ، ثم سار أبو خيثمة حتى إذا دنا من رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو نازل بتبوك ، قال الناس : هذا راكب على الطريق مقبل ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كن أبا خيثمة ! " ، فقالوا : يا رسول اللَّه ! هو والله أبو خيثمة ! فلما أناخ أقبل وسلم على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم أخبره الخبر فقال له رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خيرا " ، ودعا له بخير ، ثم إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعا خالد بْن الوليد ، وبعثه إلى أكيدر دومة ، وهو أكيدر بْن عَبْد الملك رجل من كندة ، وكان ملكا عليهم ، وكان نصرانيا ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لخالد : " إنك ستجده يصيد بقر الوحش " ، فخرج خالد بْن الوليد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة صائفة ، وهو على سطح له ومعه امرأته فباتت البقر تحك قرونها بباب القصر ، فقالت له امرأة : هل رأيت مثل هذا قط ؟ قال : لا والله ! قالت : فمن يترك هذا ؟ قال : لا أحد ؛ فنزل أكيدر دومة ، وأمر بفرسه فأسرج ، وركب في نفر من أهل بيته ومعه أخوه حسان ، فلما خرجوا بمطاردهم تلقتهم خيل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معهم خالد بْن الوليد فقتلوا أخاه حسانا ، وقد كان عليه قباء من ديباج مخوّص بالذهب فاستلبه خالد وبعث به إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فلما قدم به على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، جعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويعجبون منه ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أتعجبون من هذا ؟ والذي نفس مُحَمَّد بيده ! لمناديل سعد بْن معاذ في الجنة أحسن من هذا " ؛ ثم إن خالدا قدم بأكيدر على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحقن له دمه وصالحه على الجزية ، ثم خلى سبيله ، ورجع إلى قريته . وافتقد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كعب بْن مالك ، فقال : ما فعل كعب بْن مالك ؟ فقال رجل من بني سلمة : يا رسول اللَّه ! حبسه برداه والنظر في عطفيه ، فقال له معاذ بْن جبل : بئس والله ما قلت ! والله يا رسول اللَّه ما علمنا منه إلا خيرا ! فسكت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأقام رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتبوك بضع عشرة ليلة يقصر الصلاة ولم يجاوزها ، ثم انصرف قافلا إلى المدينة ، وكان في الطريق ماء يخرج من وشل ما يروي الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له المشقق ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئا حتى أتيه " ، فلما أتاه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وضع يده فيها ينصب في يده ما شاء اللَّه أن ينصب ثم مجه فيه ودعا اللَّه بما شاء اللَّه أن يدعو فانخرق من الماء ، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لئن بقيتم ، أو بقي منكم ، لتسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه " ، وذاك الماء فوارة تبوك اليوم . ثم إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نزل بعض المنازل ، ومات عَبْد اللَّه ذو البجادين ، فحفروا له ونزل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه إليه ، وهو يقول : " أدليا لي أخاكما " ، فأدلوه إليه ، فلما هيأه لشقه قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللهم إني قد أمسيت عنه راضيا فارض عنه " ، فقال : عَبْد اللَّه بْن مسعود يا ليتني كنت صاحب الحفرة . وكان المسلمون يقولون : لا جهاد بعد اليوم ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا ينقطع الجهاد حتى ينزل عيسى ابْن مريم عليه السلام " ؛ وجعل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من تبوك إلى المدينة مساجد في منازله معروفة إلى اليوم ، فأولها مسجد بثنية مدران ، ومسجد بذات الزراب ، ومسجد بالأخضر ، ومسجد بذات الخطمى ، ومسجد بذات البتراء ، ومسجد بالشق ، ومسجد بذي الجيفة ، ومسجد بالصدر ، ومسجد وادي القرى ، ومسجد الرقعة ، ومسجد بذي مروة ، ومسجد بالفيفاء ، ومسجد بذي خشب . ثم قدم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة ، وكان إذا قدم من سفر بدأ في المسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس ، فلما فعل ذلك جاء المخلفون فيهم كعب بْن مالك ، ومرارة بْن الربيع ، وهلال بْن أمية ، وغيرهم فجعلوا يعتذرون إليه ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا فكان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقبل منهم على نيتهم ويكل سرائرهم إلى اللَّه ، حتى جاء كعب بْن مالك فسلم عليه ، فتبسم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تبسم المغضب ، ثم قال له : " تعال " ، فجاء كعب بْن مالك يمشي حتى جلس بين يديه ، فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ما خلفك ؟ ألم تكن ابتعت ظهرك ؟ ! " ، قال : بلي يا رسول اللَّه ! والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت جدلا ، وإن لي لسانا ، ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثا كاذبا لترضين به عني وليوشكن اللَّه أن يسخطك علي ، ولئن حدثتك حديثا صادقا تجد علي فيه ، وإني لأرجو عقبى اللَّه فيه ، لا والله ما كان لي عذر ! ووالله ما كنت قط أقوى وأيسر مني حين تخلفت عنك ! . فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أما هذا فقد صدقت ، قم حتى يقضي اللَّه فيك " ، فقام وثار معه رجال من بني سلمة واتبعوه ، وقالوا : ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ! ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما أعتذر إليه المخلفون ، وقد كان كافيك ذنبك استغفار رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لك ، وجعلوا ينوبونه حتى أراد أن يرجع إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويكذب نفسه ، ثم قال لهم : هل لقي هذا أحد غيرى ؟ قالوا : نعم ، رجلان قالا مثل ما قلت ، وقال لهما مثل ما قال لك ، قال : ومن هما ؟ قالوا : مرارة بْن الربيع ، وهلال بْن أمية الواقفي ؛ ثم نهى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن كلام هؤلاء الثلاثة ؛ فأما مرارة وهلال فقعدا في بيوتهما ، وأما كعب بْن مالك فكان أشب القوم وأجلدهم ، وكان يخرج ويشهد الصلاة مع المسلمين ويطوف في الأسواق ، ولا يكلمه أحد ، ويأتي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ، ويقول في نفسه : هل حرك شفتيه يرد السلام على أم لا ؟ ثم يصلي قريبا منه ويسارقه النظر ، فإذا أقبل كعب على صلاته نظر إليه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإذا التفت نحوه أعرض عنه ، حتى طال ذلك عليه من جفوة المسلمين ، ثم مر كعب تسور جدار أبي قتادة ، وهو ابن عمه وأحب الناس إليه ، فسلم عليه فلم يرد عليه السلام ، فقال له : يا أبا قتادة ! أنشدك اللَّه هل تعلم أني أحب اللَّه ورسوله ؟ فسكت فعاد ينشده فسكت ، فعاد ينشده ، فقال : اللَّه ورسوله أعلم ، ففاضت عينا كعب ووثب فتسور الجدار ، ثم غدا إلى السوق ، فبينا هو يمشى وإذا نبطي من نبط الشام يسأل عنه ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة وهو يقول : من يدل على كعب بْن مالك ؟ فجعل الناس يشيرون إليه حتى جاء كعب فدفع إليه كتابا من مالك غسان في سرقة حرير فيه : أما بعد فإنه بلغنا أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك اللَّه بدار هوان ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك . فلما قرأ كعب الكتاب ، قال : وهذا من البلاء أيضا ، قد بلغ بي ما وقعت فيه أن طمع في رجل من أهل الشرك ، ثم عمد بالكتاب إلى تنور فسجره به ، ثم أقام عليه ذلك حتى إذا مضى أربعون ليلة أتاه رسول رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمرك أن تعتزل امرأتك ، فقال كعب : أطلقها ، أم ماذا ؟ قال : بل أعتزلها ، ولا تقربها ، وأرسل إلى مرارة ، وهلال بمثل ذلك ، فقال كعب لامرأته : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي اللَّه في هذا الأمر ما هو قاض . وجاءت امرأة هلال بْن أمية فقالت : يا رسول اللَّه ! إن هلال بْن أمية شيخ كبير ضائع لا خادم له ، أفتكره أن أخدمه ؟ قال : " لا ، ولكن لا يقربنك " ، قالت : والله يا رسول اللَّه ما به من حركة ! والله ما زال يبكى منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا ، والله لقد تخوفت على بصره ؛ فلبثوا بعد ذلك عشر ليال حتى كمل خمسون ليلة من حين نهى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسلمين عن كلامهم ، فصلى كعب بْن مالك الصبح على ظهر بيت من بيوته على الحال التي ذكر اللَّه منه ، ضاقت عليه الأرض برحبها ، وضاقت عليه نفسه ، إذ سمع صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته : يا كعب بْن مالك ! أبشر ! فخر كعب لله ساجدا ، وعرف أنه قد جاء الفرج ، وأخبر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الناس بتوبة اللَّه عليهم حين صلى الصبح ، ثم جاء كعبا الصارخ بالبشرى ، فنزع ثوبيه فكساهما إياه ببشارته ، واستعار ثوبين فلبسهما ، ثم انطلق يؤم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وتلقاه الناس يهنئونه بالتوبة ، ويقولون : ليهنك توبة اللَّه عليك ! حتى دخل المسجد ورَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جالس حوله الناس ، فقام إليه طلحة بْن عبيد اللَّه فحياه وهنأه ، فلما سلم كعب على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووجهه يبرق بالسرور : " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك " ، فقال كعب : أمن عندك يا رسول اللَّه ، أم من عند اللَّه ؟ قال : " بل من عند اللَّه " ، ثم جلس بين يديه ، فقال : يا رسول اللَّه ! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى اللَّه ورسوله ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أمسك عليك مالك فهو خبر لك " ، فقال إني ممسك سهمي الذي بخيبر ، ثم قال : يا رسول اللَّه ! إن اللَّه قد نجاني بالصدق ، فإن توبتي إلى اللَّه أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت ، فتلا عليهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ تَابَ اللَّهُ على النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ سورة التوبة آية 117 ، إلى قوله : إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ سورة التوبة آية 118 . ثم لاعن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين عويمر بْن الحارث بْن عجلان ، وهو الذي يقال له عاصم ، وبين امرأته بعد العصر في المسجد في شعبان ، وذلك أنه أتى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : يا رسول اللَّه ! لو أن أحدنا رأى امرأته على فاحشة كيف يصنع ؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم ! وإن سكت سكت على مثل ذلك ، فلم يجبه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فلما كان بعد ذلك أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : يا رسول ! إن الذي قد سألتك عنه قد ابتليت به ، فأنزل اللَّه هذه الآيات : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ سورة النور آية 6 ، حتى ختم الآيات ، فدعا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عاصما فتلا عليه ووعظه وذكره ، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، فقال عاصم : لا والذي بعثك ما كذبت عليها ، ثم دعا بامرأته فوعظها وذكرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، قالت : لا والذي بعثك بالحق ، فبدأ بعاصم فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين ، وأمر اللَّه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوضع يده على فيه عند الخامسة وقال : " احذر فإنها موجبة ! " ، ثم ثنى بامرأته فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ، والخامسة أن غضب اللَّه عليها إن كانت من الصادقين ، ثم فرق بينهما ، وألحق الولد بالأم . وماتت أم كلثوم بنت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شعبان ، وغسلتها صفية بنت عَبْد المطلب ، ونزل في حفرتها علي والفضل وأسامة . وورد على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتاب ملوك حمير في رمضان مقرين بالإسلام ، فكتب إليهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتاب جوابهم ، وبعثه مع عمرو بْن حزم : " بسم اللَّه الرحمن الرحيم من مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى شرحبيل بْن عَبْد كلال ، والحارث بْن عَبْد كلال قيل ذي رعين ومعافر وهمدان ، أما بعد ، فقد رفع رسولكم ، وأعطيتم من المغانم خمس اللَّه ، وما كتب اللَّه على المؤمنين من العشر في العقار ، وما سقت السماء إذا كان سيحا أو بعلا ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق ، وما سقى بالرشاء والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق . وفي كل خمس من الإبل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعا وعشرين ، فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها ابنة مخاض ، فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر إلى أن تبلغ خمسا وثلاثين ، فإن زادت واحدة على خمس وثلاثين ، ففيها ابنة لبون إلى أن تبلغ خمسا وأربعين ، فإن زادت واحدة على خمس وأربعين ففيها حقه طروقة الجمل إلى أن تبلغ ستين ، فإن زادت على الستين واحدة ففيها جذعة إلى أن تبلغ خمسا وسبعين ، فإن زادت واحدة على خمس وسبعين ففيها ابنتا لبون إلى أن تبلغ تسعين ، فإن زادت واحدة على التسعين ففيها حقتان طروقتا الجمل إلى أن تبلغ عشرين ومائة ، فما زاد على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة طروقة الجمل ، وفي كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو جذعة ، وفي كل أربعين باقورة بقرة ، وفي كل أربعين شاة سائمة شاة إلى أن تبلغ عشرين ومائة ، فإذا زادت على عشرين ومائة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مائتين ، فإن زادت واحدة فثلاث إلى أن تبلغ ثلاثمائة ، فإن زادت ففي كل مائة شاة شاة . ولا تؤخذ في الصدقة بهرمة ، ولا عجفاء ، ولا ذات عوار ، ولا تيس الغنم . ولا يجمع بين متفرق ، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ، وما أخذ من الخليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية . وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم . وما زادففي كل أربعين درهما درهم ، وليس فيما دون خمس أواق شيء وفي كل أربعين دينارا دينار . وإن الصدقة لا تحل لمحمد ، ولا لأهل بيته ، إنما هي الزكاة يزكي بها أنفعهم في فقراء المؤمنين وفي سبيل اللَّه ، وليس في رقيق ولا مزرعة ولا عمالها شيء إذا كانت تؤدى صدقتها من العشر ، وليس في عَبْد المسلم ولا فرسه شيء . وإن أكبر الكبائر عند اللَّه يوم القيامة الإشراك بالله ، وقتل النفس المؤمنة بغير حق ، والفرار في سبيل اللَّه يوم الزحف ، وحقوق الوالدين ، ورمي المحصنة ، وتعلم السحر ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم . وإن العمرة هي الحج الأصغر . ولا يمس القرآن إلا طاهر . ولا طلاق قبل إملاق ، ولا عتاق يبتاع ، ولا يصلين أحد منكم في ثوب واحد ليس على منكبيه شيء ، ولا يحتبين في ثوب واحد ليس بين فرجه وبين السماء شيء ، ولا يصلين أحدكم في ثوب واحد وشقه باد ، ولا يصلين أحد منكم عاقصا شعره . وإن من أعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فهو قود إلا أن يرضى أولياء المقتول ، وإن في النفس الدية مائة من الإبل ، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية ، وفي اللسان الدية . وفي الشفتين الدية ، وفي البيضتين الدية ، وفي الذكر الدية ، وفي المأمومة ثلث الدية ، وفي الجائفة ثلث الدية ، وفي الرجل الواحدة نصف الدية ، وفي الصلب الدية ، وفي العينين الدية ، وفي المنقلة خمسة عشر من الإبل ، وفي السن خمس من الإبل ، وفي الموضحة خمس من الإبل . وإن الرجل يقتل بالمرأة . وعلى أهل الذهب ألف دينار " . فقرئ الكتاب على أهل اليمن . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معاذ بْن جبل إلى اليمن ، وذكر أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى الغداة ، ثم أقبل على الناس بوجهه فقال : " يا معشر المهاجرين والأنصار ! أيكم ينتدب إلى اليمن ؟ " فقام عمر بْن الخطاب فقال : أنا يا رسول اللَّه ! فسكت عنه ، ثم قال : " يا معشر المهاجرين والأنصار ! أيكم ينتدب إلى اليمن ؟ " : فقام معاذ بْن جبل فقال : أنا يا رسول اللَّه ! فقال : " يا معاذ ، أنت لها ، يا بلال ، ائتني بعمامتي " ، فأتاه بعمامته فعمم بها رأسه ، ثم خرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمهاجرين والأنصار يشيعون معاذا وهو راكب ورَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمشى إلى جانب راحلته ، ثم قال : " يا معاذ ، أوصيك بتقوى اللَّه ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وترك الخيانة ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وخفض الجناح ، وحفظ الجار ، ولين الكلام ، ورد السلام ، والتفقه في القرآن ، والجزع من الحساب ، وحب الآخرة على الدنيا ، يا معاذ ، لا تفسد أرضا ، ولا تشتم مسلما ، ولا تصدق كاذبا ، ولا تكذب صادقا ، ولا تعص إماما ، وإنك تقدم على قوم من أهل الكتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة اللَّه ، فإذا عرفوا اللَّه فأخبرهم أن اللَّه قد فرض عليهم خمس صلوت في يومهم وليلتهم ، فإذا فعلوا ذلك فأخبرهم أن اللَّه تعالى فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم ، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس ، يا معاذ ! إني أحب لك ما أحب لنفسي ، وأكره لك ما أكره لها ، يا معاذ ! إذا أحدثت ذنبا فأحدث له توبة السر بالسر ، والعلانية بالعلانية ، يا معاذ ! يسر ولا تعسر ، واذكر اللَّه عند كل حجر ومدر يشهد لك يوم القيامة ، يا معاذ ! عد المريض ، وأسرع في حوائج الأرامل والضعفاء ، وجالس المساكين والفقراء ، وأنصف الناس من نفسك ، وقل الحق حيث كان ، ولا يأخذك في اللَّه لومة لائم ، والقني على الحال التي فارقتني عليها " ، فقال معاذ : بأبي وأمي أنت يا رسول اللَّه ! لقد حملتني أمرا عظيما ، فادع اللَّه لي على ما قلدتني عليه ، فدعا له رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم ودعه ؛ وانصرف رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة وأصحابه ، ثم أردفه بأبي موسى الأشعري ، فلما قدم صنعاء صعد منبرها فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثم قرأ عليهم عهده ، ثم نزل فأتاه صناديد صنعاء ، فقالوا : يا معاذ ! هذا نزل قد هيأناه لك ، وهذا منزل قد فرغناه لك ، قال : بهذا أوصاني حبيبي ، أوصاني رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن لا تأخذني بالله لومة لائم ، وخلع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معاذ بْن جبل من ماله لغرمائه حيث اشتدوا عليه وبعثه إلى اليمن ، وقال لعل اللَّه يجبرك . وقدم وفد كلاب على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثة عشر نفر فيهم لبيد بْن ربيعة . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سرية مع جماعة من العرب ليس فيهم من المهاجرين أحد ولا من الأنصار إلى بني تميم ، فأغار عليهم وسبى منهم النساء والولدان ، وأخذ منهم عشرين رجلا فقدم بهم المدينة ، فوضع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحسان منبرا ، فقام عليه ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إن اللَّه يؤيد حسانا بروح القدس " ، فقال القوم : شاعرهم أشعر من شاعرنا ، وخطيبهم أخطب من خطيبنا . وقدم وفد الطائف ، ونزلوا دار المغيرة بْن شعبة ، وطلبوا الصلح فأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خالد بْن سعيد بْن العاص أن يكتب لهم كتاب الصلح . ومرض عَبْد اللَّه بْن أبي سلول في ليال بقين من شوال ، ومات في ذي القعدة ، وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعوده ، فلما مات جاء ابنه إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : يا رسول اللَّه ! أعطني قميصك أكفنه فيه ، فأعطاه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قميصه ، وأتى قبره فصلى عليه فنزلت الآية : وَلا تُصَلِّ على أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ على قَبْرِهِ سورة التوبة آية 84 . وقدم وفد بني فزارة ، وهم بضعة عشر رجلا فيهم خارجة بْن حصن . وقدم وفد بني عذرة ثلاثة عشر رجلا ، ونزلوا على المقداد بْن عمرو . وفرض اللَّه تعالى الحج على من استطاع إليه سبيلا ، فبعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا بكر يحج بالناس من المدينة في ثلاثمائة نفس ، وبعث معه عشرين بدنة مفتولة قلائدها ففتلتها عائشة بيدها ، وقلدها وأشعرها ، وساق أبو بكر لنفسه خمس بدنات ، وحج معه عَبْد الرحمن بْن عوف ، فلما بلغ العرج وثوب بالصبح سمع أبو بكر خلفه رغوة وأراد أن يكبر الصلاة فوقف عن التكبير ، وقال : هذه رغوة ناقة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الجدعاء ، لقد بدا لرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحج فلعله أن يكون رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنصلي معه ، فإذا علي عليها ! فقال أبو بكر : أمير أم رسول ؟ فقال : لا ، بل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرسلني ببرأة أقرأها على الناس في مواقف الحج ، فقدموا مكة فقرأ على الناس سورة براءة حتى ختمها ، فلما كان يوم عرفة قام أبو بكر فخطب الناس ، وعرفهم مناسكهم حتى إذا فرغ قام علي فقرأها على الناس حتى ختمها ، فلما كان يوم النحر خطب أبو بكر الناس ، وحدثهم عن إفاضتهم ونحرهم ومناسكهم ، فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها ، لينبذ إلى كل حق حقه ، وذي عهد عهده وأن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ؛ فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر وخطب الناس وحدثهم كيف ينفرون ، وكيف يرمون ، فعلمهم مناسكهم ، فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها ، ثم رجعوا إلى المدينة .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده حسن رجاله ثقات عدا محمد بن المتوكل القرشي وهو صدوق حسن الحديث
شجرة الإسناد