← الثقات لابن حبان
الثقات لابن حبان
#26 مقبول 1 : 149 ☰ السنة العاشرة من الهجرة
A− A+

26 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ ° ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ° ، ثنا أَبُو عَامِرٍ ° ، ثنا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ° ، عن أَبِي حَمْزَةَ الضُّبَعِيِّ ° ، قال : قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ ° : إِنَّ لِي جَرَّةً يُنْبَذُ لِي فِيهَا ، فَإِذَا أَطَلْتُ الْجُلُوسَ مَعَ الْقَوْمِ خَشِيتُ أَنْ أُفْتَضَحَ مِنْ حَلاوَتِهِ ، قال : قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ على رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : " مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ غَيْرَ خَزَايَا وَلا نَدَامَى " ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ مُضَرَ ، وَإِنَّا لا نَصِلُ إِلَيْكِ إِلا فِي أَشْهُرِ الْحُرُمِ ، فَحَدِّثْنَا جُمَلا مِنَ الأَمْرِ إِذَا أَخَذْنَا بِهِ دَخَلْنَا الْجَنَّةَ ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا ، فَقَالَ : " آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ ، وَأَنْهَاكُمْ عن أَرْبَعٍ : الإِيمَانِ بِاللَّهِ ، وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ ؟ " فَقَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قال : " شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ، وَأَنَّ تُعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ ، وَأَنْهَاكُمْ عن : النَّبِيذِ فِي الدُّبَّاءِ ، وَالنَّقِيرِ ، وَالْحَنْتَمِ ، وَالْمُزَفَّتِ "

قال : في أول هذه السنة قدم وفد عَبْد القيس على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فلما دنو من المدينة تركوا رواحلهم ، وبادروا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ونزل عَبْد اللَّه بْن الأشبح العبدي فعقل راحلته ، ونزع ثيابه فلبسها ، ثم أتى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إن فيك لخصلتين يحبهما اللَّه ورسوله : الحلم ، والأناة " ، سألوه عما ذكرنا . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خالد بْن الوليد إلى بني عَبْد المدان في شهر ربيع الأول ، وهم بنو الحارث بْن كعب ، وأسلموا ، وأخذ الصدقة من ، أغنيائهم وردها على فقرائهم ، ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمرو بْن حزم عاملا على نجران ، فخرج وأقام عندهم يعلمهم السنة ومعالم الإسلام إلى أن توفي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو على نجران ، وقدم عدي بْن حاتم الطائي ومعه صليب من ذهب ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللَّه " ، وقدم بعده وفد طيء فيهم زيد الخيل وهو رأسهم ، ثم قدم جرير بْن عَبْد الملك البجلي فبعثه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى هدم ذي الخلصة فهدمها . ثم قدم وفد الأزد رأسهم صُرّد بْن عَبْد اللَّه في بضعة عشر رجلا ، وبعثه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى جرش فافتتحها ، وكان عاملا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وولد مُحَمَّد بْن عمرو بْن حزم بنجران ، فكتب عمرو إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك وأخبره أنه سماه مُحَمَّد ، وكناه أبا سليمان . وقدم وفد سلامان ، وهم سبعة نفر رأسهم حبيب السلاماني . وقدم وفد بني حنيفة فيهم مسيلمة ، فقال : يا مُحَمَّد ! إن جعلت لي الأمر بعدك آمنت بك وصدقتك ، وفي يد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جريدة ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لو سألتني هذه الجريدة ما أعطيتكها ، ولن تعدو أمر اللَّه فيك ، ولئن أدبرت ليعقرنك اللَّه إني لأراك الذي أريت " ، وذلك أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب ، فأهمني شأنهما ، فأوحى إلي في المنام أن انفخهما ، فنفختهما فطارا ، فأولتهما الكذابين ، أحدهما العنسي ، والآخر مسيلمة صاحب اليمامة " . وقدم وفد غسان ، ووفد عبس ، ووفد كندة ، ووفد محارب ، ووفد خولان ، وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قدم عليه الوفود لبس أحسن ثيابه ، وأمر أحبابه بذلك . وقدم وفد مراد ، رأسهم فروة بْن مسيك المرادي ، واستعمله رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على مراد ومذحج . وبعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خالد بْن الوليد على الصدقات إليهم ، وكتب لهم كتابا بذلك . ودخل أبو ذر على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو جالس وحده ، فقال : " يا أبا ذر ! إن للمسجد تحية ، قال : وما تحيته يا رسول اللَّه ؟ قال : ركعتان " ، فقام فركعهما ، ثم قال : إنك أمرتني بالصلاة فما الصلاة ؟ قال : " خير موضوع فمن شاء أقل ومن شاء أكثر " ، فقال : يا رسول اللَّه ! أي الأعمال أحب إلى اللَّه ؟ قال : " إيمان بالله ، وجهاد في سبيله " ، قال : فأي المؤمنين أكملهم ايمانا ؟ قال : " أحسنهم خلقا " ، قال : فأي المسلمون أفضل ؟ قال : " من سلم المسلمون من لسانه ويده " ، قال فأي الهجرة أفضل ؟ قال : " من هجر السوء " ، قال : فأي الليل أفضل ؟ قال : " جوف الليل الغابر " ، قال : فأي الصلاة أفضل ؟ قال : " طول القنوت " ، قال : فأي الرقاب أفضل ؟ قال : " أغلاها ثمنا ، وأنفسها عند أهلها " ، قال : فأي الجهاد أفضل ؟ قال : " من عقر جواده وأهريق دمه " ، قال : فأي الصدقة أفضل ؟ قال : " جهد من مقل إلى فقير في سر " ، قال : فأي الصوم أفضل ؟ قال : " فرض مجزى وعند الله أضعاف كثيرة " ، قال : فأي آية مما أنزله اللَّه عليك أفضل ؟ قال : " آية الكرسي " ، قال : يا رسول اللَّه ! كم النبيون ؟ قال : " مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي " ، قال كم المرسلون منهم قال : " ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا " ، قال : من كان أول الأنبياء ؟ قال : " آدم " ، قال : وكان من الأنبياء مرسلا ؟ قال : " نعم خلق اللَّه آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه ، ثم سواه وكلمه قبلا " ، ثم قال " يا أبا ذر ! أربعة من الأنبياء سريانيون : آدم ، وشيث ، وخنوخ ، وهو إدريس وهو أول من خط بالقلم ، ونوح ، وأربعة من العرب : هود ، وصالح ، وشعيب ، ونبيك مُحَمَّد ، وأول الأنبياء آدم ، وآخرهم مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأول نبي من أنبياء بني إسرائيل : موسى ، وآخرهم عيسى ، وبينهما ألف نبي " ، قال : يا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! كم أنزل اللَّه من كتاب ؟ قال : " مائة كتاب وأربعة كتب ، أنزل على شيث خمسين صحيفة ، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة ، وأنزل على إبراهيم عشر صحائف ، وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف ، وأنزل التوراة ، والإنجيل ، والزبور ، والفرقان " ، قال : يا رسول اللَّه ! فما كانت صحف إبراهيم ؟ قال : " كانت أمثالا كلها : أيها الملك المسلط المبتلى المغرور ! إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أراها ولو كانت من كافر ، وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له ساعات : ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يتفكر فيها في صنع اللَّه عز وجل ، وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال فإن هذه الساعة عون لتلك الساعات ، واستجمام للقلوب ، وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه ، حافظا للسانه ، فإنه من حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه ، وعلى العاقل أن يكون طالبا لثلاث : مرمة لمعاش ، وتزود لمعاد ، وتلذذ في غير محرم " ، وقال : يا رسول اللَّه ! فما كانت صحف موسى ؟ قال : " كانت عبرا كلها : عجبت لمن أيقن بالموت ثم يفرح ، وعجبت لمن أيقن بالقدر ثم ينصب ، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل " ، قال : هل أنزل اللَّه عليك شيئا مما كان في صحف إبراهيم وموسى ؟ قال : " يا أبا ذر ! تقرأ : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى { 14 } وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى { 15 } سورة الأعلى آية 14-15 " ، قال : يا رسول اللَّه ! أوصني ! قال : " أوصيك بتقوى اللَّه فإنه زين لأمرك " ، قال : زدني ! قال : " عليك بطول الصمت فإنه مطردة للشيطان عنك ، وعون لك على أمر دينك ، وإياك والضحك ! فإنه يميت القلوب ، ويذهب نور الوجه " ، قال : زدني ! قال : " أحب المساكين ومجالستهم " ، قال : زدني ! قال : " قل الحق ولو كان مرا " ، قال : زدني ! قال : " لا تخف في اللَّه لومة لائم " ، قال : زدني ! قال : " ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك ، ولا تجد عليهم فيما تأتي " ، ثم قال : " يا أبا ذر ! كفي للمرء غيا أن يكون فيه خصال : يعرف من الناس ما يجهل من نفسه ، ويتجسس لهم ما هو فيه ، ويؤذى جليسه فيما لا يعنيه ، يا أبا ذر ! لا عقل كالتدبير ، ولا ورع كالكف ، ولا حسب كحسن الخلق " . ثم بعث علي بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه سرية إلى اليمن في شهر رمضان ، قال : يا رسول اللَّه ! كيف أصنع ؟ قال : " إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك ، فإن قاتلوك فلا تقاتلهم حتى يقتلوا منكم قتيلا ، فلا تقاتلوهم حتى تروهم أناة ، فإذا أتيتهم فقل لهم : هل لكم إلى أن تخرجوا من أموالكم صدقة فتردونها على فقرائكم ؟ فإن قالوا : نعم ، فلا تبغ منهم غير ذلك ، ولأن يهدي اللَّه على يديك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس " ، ونزلت على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون " فجاء عَبْد اللَّه بْن أم مكتوم ، فقال : يا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! إني أحب الجهاد في سبيل اللَّه ، ولكن بي ما ترى قد ذهب بصرى ، قال زيد بْن ثابت : فثقلت فخذه على فخذي حتى خشيت أن ترضها ، ثم قال : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ سورة النساء آية 95 . وقدم العاقب والسيد من نجران ، فكتب لهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتابا صالحهم عليه فهو في أيديهم إلى اليوم ، وقالا : يا رسول اللَّه ! ابعث علينا رجلا أمينا نعطه ما سألتنا ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لأبعثن لكم رجلا أمينا ، حق أمين فاستشرف له الناس ، فبعث أبا عبيدة عامر بْن الجراح . ومات أبو عامر الراهب عند هرقل ، فاختلف كنانة بْن عَبْد ياليل ، وعلقمة بْن علانة في ميراثه ، فقضى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لكنانة بْن عَبْد ياليل . وقدم الأشعث بْن قيس وافدا إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قومه فبعث معه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زياد بْن لبيد البياضي إلى البحرين ليأخذ منهم الصدقات . وبينما رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاعدا مع أصحابه ، إذ طلع عليهم رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه منهم أحد ، حتى جلس إلى نبي اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوضع ركبته إلى ركبته ، ووضع كفه على فخذه ، ثم قال : يا مُحَمَّد ! أخبرني عن الإسلام ؟ قال : " أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه ، وتقيم الصلاة ، وتؤتى الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا " ، قال : صدقت ، فعجب المسلمون منه ، يسأله ويصدقه ، ثم قال : أخبرني عن الإيمان ؟ قال : " أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر كله خيره وشره " ، قال : صدقت ، قال : أخبرني عن الإحسان ؟ قال : " أن تعبد اللَّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك " ، قال : فأخبرني عن الساعة ؟ قال : " ما المسئول عنها بأعلم بها من السائل " ، قال : فأخبرني عن أمارتها ؟ قال : " أن تلد الأمة ربتها ، وأن ترى الحفاة العراة يتطاولون في البنيان " ، قال : ثم انطلق ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " . ثم إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أراد أن يحج حجة الوداع ، فأذن في الناس أنه خارج ، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى أتى ذا الحليفة ، فولدت أسماء بنت عميس مُحَمَّد بْن أبي بكر ، فأرسلت إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كيف أصنع ؟ قال : " اغتسلي واستثفري بثوب أخرى " ، ثم صلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسجد ، وأمر ببدنة أن تشعر وسلت عنها الدم ، ثم ركب القصواء ، فلما استوت به ناقته على البيداء أهل ، وإن بين يديه وخلفه وعن يمينه ويساره من الناس ما بين راكب وماش ورَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين أظهرهم ، فأهل : " لبيك اللهم لبيك ! لا شريك لك لبيك ! إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك " ، وأهل الناس معه فمنهم من أهل مفردة ، ومنهم من أهل قارنا ، حتى قدم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة من الثنية . فلما دخل مكة توضأ إلى الصلاة ، ثم دخل من باب بني شيبة ، فلما أتى الحجر استلمه ورمل ثلاثا ومشى أربعا ، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى سورة البقرة آية 125 ، وجعل المقام بينه وبين البيت وصلى ركعتين قرأ فيهما : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، وَ قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، ثم رجع إلى الركن فاستلمه ، ثم خرج من الباب الصفا ، فلما رقى على الصفا قرأ : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ سورة البقرة آية 158 ، وقال : " أبدأ بما بدأ اللَّه " ، فلما رقى عليها ورأى البيت استقبل القبلة وقال : " لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ، قدير ، لا إله إلا اللَّه وحده ، أنجز وعده ، وهزم الأحزاب وحده " قال ذلك ثلاث مرات . فلما نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه في بطن الوادي خب ، حتى إذا صعد مشي ، فلما أتى المروة صعد عليها ، وفعل عليها كما فعل على الصفا ؛ حتى إذا كان آخر طواف على المروة ، فقال : " لو استقبلت ما استدبرت لم أسق الهدي ، ولجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة " ، فقال سراقة بْن مالك بْن جعشم : يا رسول اللَّه ! لعامنا هذا أو للأبد ، فشبك رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين أصابعه وقال : " دخلت العمرة في الحج ، مرتين ، لا بل للأبد " . وقدم عليُّ من اليمن فوجد فاطمة قد لبست ثياب صبع واكتحلت ؛ فأنكر ذلك عليها ، فقالت : أبي أمرني بهذا ! ثم قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعلي : " بم فرضت الحج ؟ " قال : قلت : اللهم إني أهل بما أهل به رسولك ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فإن معي الهدي فلا تحل " ، فكان الهدي الذي قدم به علي بْن أبي طالب من اليمن والذي أتى به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مائة ، فحل الناس وقصروا إلا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن كان معه هدي . واعتل سعد بْن أبي وقاص فدخل عليه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبكى سعد ، فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ما يبكيك ؟ " فقال : خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بْن سنة خولة ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللهم اشف سعدًا ، ثلاثا " ، فقال : يا رسول اللَّه ! إن لي مالا كثيرا وأنعما ، ومورثتي بنت لي واحدة ، أفأوصي بمالي كله ؟ قال : " لا " قال : فالنصف ؟ قال : " لا " ، قال : الثلث ؟ قال : " الثلث والثلث كثير ، إنك إن صدقت مالك صدقة ، وإن نفقتك على عيالك صدقة ، وما تأكل امرأتك من طعامك صدقة ، وأن تدع أهلك بخير خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ، ولا تردهم على أعقابهم " ، لكن البائس سعد بْن خولة يرثي له رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن مات بمكة . فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى وأهل الناس بالحج ، فصلى بهم الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، والصبح بمنى ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة له فضربت له بنمرة ، ثم سار رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية ، فجاز رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى جاء عرفة ، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة ، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له ، فلما أتى بطن الوادي خطب الناس وقال في خطبته : " إن دماءكم وأموالكم لكم حرام كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ؛ ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة ؛ فاتقوا اللَّه في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان اللَّه ، واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه ، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به ، كتاب اللَّه ، وأنتم تسألون عني فماذا أنتم قائلون ؟ " قالوا : نشهد أنك قد بلغت ، وأديت ، ونصحت ، فقال ، بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء : " اللهم اشهد " ، ثم أذن وأقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا ، ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن القصواء إلى الصخرة ، وجعل جبل الشاة بين يديه ، واستقبل القبلة فلم يزل واقفا والمسلمون معه حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا ، ثم أردف أسامة بْن زيد خلفه ، ودفع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد شفق للقصواء الزمام ويقول بيده اليمنى : " أيها الناس ! السكينة " ، كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد ؛ فلما أتى المزدلفة صلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ، ولم يسبح بينهما شيئا . ثم اضطجع حتى طلع الفجر وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام ، فاستقبل القبلة ودعا وكبر وهلل ، ثم لم يزل واقفا حتى أسفر جدا ، ثم دفع قبل أن تطلع الشمس ، وأردف الفضل بْن عباس حتى أتى محسر فسلك الطريق الوسطى التي تخرج إلى الجمرة الكبرى ، فلما أتى الجمرة رماها بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة رماها من بطن الوادي بمثل حصى الخذف ، ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده ، ثم أعطى فنحر ما غبر منها وأشركه في هديه ، وأمر من كل بدنة ببضعة ، فجعلت في قدر فطبخت ، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها ؛ ثم ركب رسول اللَّه صلى اللَّه عله وسلم القصواء فأتى البيت فطاف طواف الزيارة ، ثم قال : " يا بني عَبْد المطلب ! انزعوا ، فلولا أن يغلبكم الناس لنزعت منكم " ، فناولوه دلوا من زمزم فشرب منه ، ثم رجع صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى منى وصلى الظهر بها ، ثم أقام بها أيام منى ، ثم ودع البيت وخرج إلى المدينة حتى دخلها والمسلمون معه ، فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم وبعض صفر .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده متصل ، رجاله ثقات
شجرة الإسناد