9 فَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ ° ، بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ° ، ثنا الْوَلِيدُ ° ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ ° ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ° ، قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ° ، أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ أَوَّلُ ؟ قَالَ : يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، فَقُلْتُ : أَوَ اقْرَأْ ، قَالَ : إِنِّي أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " جَاوَرْتُ بِحِرَاءَ شَهْرًا فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي نَزَلْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ الْوَادِيَ ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ أَمَامِي ، وَخَلْفِي ، وَعَنْ يَمِينِي ، وَعَنْ شِمَالِي ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا ثُمَّ نُودِيتُ فَنَظَرْتُ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا هُوَ فَوْقِي عَلَى الْعَرْشِ فِي السَّمَاءِ ، فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَأَمَرْتُهُمْ فَدَثَّرُونِي ، ثُمَّ صَبُّوا عَلَيَّ الْمَاءَ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيَّ يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ إِلَى قَوْلِهِ فَطَهِّرْ سورة المدثر آية 1-4 "
قَالَ أبو حاتم : هذان خبران أوهما من لم يكن الحديث صناعته أنهما متضادان ، وليس كذلك إن اللَّه عز وجل بعث رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الإثنين وهو ابن أربعين سنة ، ونزل عليه جبريل وهو في الغار بحراء اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ فلما رجع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى بيت خديجة ودثروه أنزل اللَّه عليه في بيت خديجة يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ، من غير أن يكون بين الخبرين تضاد ولا تهاتر ، فكان أول من آمن برَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زوجته خديجة بنت خويلد ، ثم آمن علي بْن أبي طالب وصدقه بما جاء به وهو ابن عشر سنين ، ثم أسلم أبو بكر الصديق فكان علي بْن أبي طالب يخفي إسلامه من أبي طالب ، وأبو بكر لما أسلم أظهر إسلامه ، فلذلك اشتبه على الناس أول من أسلم منهما ، ثم أرسلوا زيد بْن حارثة مولى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان أبو بكر أعلم قريش بأنسابها وبما كان فيها من خير وشر ، وكان رجلًا سهلًا بليغًا اظهر الإسلام ودعا إلى اللَّه وإلى رسوله ، فأجابه عثمان بْن عفان ، والزبير بْن العوام ، وعبد الرحمن بْن عوف ، وسعد بْن أبي وقاص ، وطلحة بْن عبيد اللَّه ، فجاء بهم أبو بكر إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين استجابوا له ، فأسلموا وصلوا ، ثم أسلم أبو عبيدة بْن الجراح ، وأبو سلمة بْن عَبْد الأسد المخزومي ، والأرقم بْن أبي الأرقم المخزومي ، وعثمان بْن مظعون الجمحي ، وعبيدة بْن الحارث بْن المطلب بْن عَبْد مناف ، وسعيد بْن زيد بْن عمرو بْن نفيل ، وامرأته فاطمة بنت الخطاب ، وأسماء بنت أبي بكر ، وعبد اللَّه ، وقدامة ، ابنا مظعون الجمحيان ، وخباب بْن الأرت ، ومسعود بْن الربيع القارئ ، وعبد اللَّه بْن مسعود ، وعمير بْن أبي وقاص ، وسليط بْن عمرو ، وعياش بْن أبي ربيعة المخزومي ، وامرأته أسماء بنت سلامة التميمية ، وعامر بْن ربيعة أبو عَبْد اللَّه ، وعبد اللَّه بْن جحش ، وأبو أَحْمَد بْن جحش الأسدي ، وجعفر بْن أبي طالب ، وامرأته أسماء بنت عميس الخثعمية ، وحاطب بْن الحارث ، وامرأته فاطمة المجلل ، وحطاب بْن الحارث ، وامرأته فكيهة ، وصهيب بْن سنان ، ومعمر بْن الحارث ، وسعيد بْن الحارث السهمي ، والمطلب بْن أزهر بْن عَبْد عوف ، وامرأته رملة بنت أبي عوف ، والنحام واسمه نعيم بْن عَبْد اللَّه بْن أسيد ، وبلال بْن رباح مولى أبي بكر ، وعامر بْن فهيرة مولى أبي بكر ، وخالد بْن سعيد بْن العاص ، وامرأته أميمة بنت خلف بْن أسعد ، وحاطب بْن عمرو بْن عَبْد شمس ، وأبو حذيفة بْن عتبة بْن ربيعة ، وواقد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد مناف بْن عرين بْن ثعلبة التميمي ، وخالد بْن البكير ، وإياس بْن البكير ، وعامر بْن البكير ، وعبد ياليل بْن ناشب بْن غيرة بْن سعد بْن ليث بْن بكر بْن عَبْد مناة بْن كنانة ، وعمار بْن ياسر حليف بني مخزوم وفشا ذكر الإسلام بمكة ودخل الناس في الإسلام الرجال والنساء إرسالًا ، وأنزل اللَّه عز وجل : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ سورة الشعراء آية 214 فخرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى أتى الصفا ثم صعد عليه ، ثم نادى : " يا صباحاه " ، فاجتمع إليه الناس ، فمن رجل يجيء ، ومن رجل يبعث رسوله ، فقال : " يا بني عَبْد المطلب ، يا بني عَبْد مناف " ، يا بني ، يا بني ، أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم ، أصدقتموني ؟ " ، قالوا : نعم ، قال : " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " ، ثم قال : " يا معشر قريش اشتروا ، أنفسكم من النار ، يا بني عَبْد مناف ، لا أغني عنكم من اللَّه من شيء ، يا عباس بْن عَبْد المطلب ، يا صفية عمة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يا بني كعب بْن لؤي ، يا بني هاشم ، يا بني عَبْد المطلب ، اشتروا أنفسكم من النار " ، فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ، أما دعوتنا إلا لهذا ، ثم قام فنزلت : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ، ثم نزل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجعل يدعو الناس في الشعاب ، والأودية ، والأسواق إلى اللَّه ، وأبو لهب خلفه والحجارة تنكبه يقول : يا قوم ، لا تقبلوا منه فإنه كذاب . ثم تزوج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد خديجة سودة بنت زمعة بْن قيس بْن عَبْد شمس بْن مالك بْن حسل بْن عامر بْن لؤي ، وأمها : الشموس بنت قيس بْن زيد بْن عمرو بْن لبيد بْن خراش بْن عامر بْن غنم بْن عدي بْن النجار ، خطبها رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى وقدان بْن حلبس عمها ، وكانت قبل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تحت السكران بْن عمرو أخي سهيل بْن عمرو من بني عامر بْن لؤي ، وكانت سودة امرأة ثقيلة ثبطة وهي التي وهبت يومها لعائشة ، وقالت : لا أريد ما تريد النساء ، وقد قيل : إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يتزوج على خديجة حتى ماتت وزوج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابنته رقية من عتبة بْن أبي لهب ، وأم كلثوم ابنته الأخرى من عتيبة بْن أبي لهب ، فلما نزلت : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ ، أمرهما أبوهما أن يفارقاهما ففارقاهما ، ثم زوج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عثمان بْن عفان ابنته رقية بعد عتبة بْن أبي لهب ، ثم مرض أبو طالب فدخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل ، فقالوا : إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ، ويفعل ويفعل ، ويقول ويقول ، ولو بعثت إليه فنهيته ، فبعث إليه فجاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ودخل البيت وبين أبي جهل ، وبين أبي طالب مجلس رجل فخشى أبو جهل أنه إذا جلس إلى جنب أبي طالب يكون أرق عليه ، فوثب فجلس في ذلك المجلس ، ولم يجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مجلسًا قرب عمه ، فجلس عند الباب ، قال أبو طالب : أي ابن أخي ، ما بال قومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول ؟ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أي عم ، إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم العرب وتؤدى إليهم بها العجم الجزية " ، فقال أبو طالب : وأي كلمة هي يابن أخي قال : " لا إله إلا اللَّه " ، فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم ، ويقولون : أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ سورة ص آية 5 ، ثم توفي أبو طالب عَبْد مناف بْن عَبْد المطلب ، فلقي المسلمون أذى من المشركين بعد موت أبي طالب ، فقال لهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين ابتلوا وشطت بهم عشائرهم بمكة : " تفرقوا " ، وأشار قبل أرض الحبشة ، وكانت أرضًا دفئة ترحل إليها رحلة الشتاء ، فكانت أول هجرة في الإسلام ، فأول من خرج من المسلمين إلى الحبشة عثمان بْن عفان ، ومعه امرأته رقية بنت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأبو حذيفة بْن عتبة بْن ربيعة بْن عَبْد شمس ، ومعه امرأته سهلة بنت سهيل بْن عمرو ، والزبير بْن العوام ، ومصعب بْن عمير ، وعبد الرحمن بْن عوف ، وأبو سلمة بْن عَبْد الأسد معه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية بْن المغيرة ، وعثمان بْن مظعون ، وعامر بْن ربيعة معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة بْن غانم ، وأبو سبرة بْن أبي رهم بْن عَبْد العزى ، وأبو حاطب بْن عمرو بْن عَبْد شمس بْن عَبْد ود ، وسهيل بْن وهب بْن ربيعة ، وهو سهيل بْن بيضاء ، بيضاء أمه . ثم خرج بعدهم جعفر بْن أبي طالب معه امرأته أسماء بنت عميس ، وعمرو بْن سعيد بْن العاص ومعه امرأته فاطمة بنت صفوان بْن أمية ، وأخوه خالد بْن سعيد بْن العاص ، ومعه امرأته أمينة بنت خلف بْن أسعد ، وعبد اللَّه بْن جحش بْن رياب ، وأخوه عَبْد بْن جحش ، معه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان بْن حرب ، وقيس بْن عَبْد اللَّه من بني أسد بْن خزيمة ، معه امرأته بركة بنت يسار ، ومعيقيب بْن أبي فاطمة الدوسي ، وعتبة بْن غزوان ، وأسد بْن نوفل بْن خويلد ، ويزيد بْن زمعة بْن الأسود بْن المطلب ، وعمرو بْن أمية بْن الحارث بْن أسد ، وطليب بْن عمير بْن وهب ، وسوبط بْن سعد بْن حريملة ، وجهم بْن قيس بْن عَبْد شرحبيل ، وابناه عمرو بْن جهم ، وخزيمة بْن جهم ، وعامر بْن أبي وقاص ، والمطلب بْن أزهر معه امرأته رملة بنت أبي عوف بْن صبيرة ، وعبد اللَّه بْن مسعود ، وأخوه عتبة بْن مسعود ، والمقداد بْن عمرو ، والحارث بْن خالد بْن صخر معه امرأته ريطة بنت الحارث بْن جبلة ، وعمرو بْن عثمان بْن عمرو بْن عثمان بْن عمرو بْن كعب ، وشماس عثمان بْن عَبْد بْن الشريد بْن سويد ، وهشام بْن أبي حذيفة بْن المغيرة بْن عَبْد اللَّه بْن عمر بْن مخزوم ، وسلمة بْن هشام بْن المغيرة ، وعياش بْن أبي ربيعة بْن المغيرة ، ومعتب بْن عوف بْن عامر بْن الفضل ، والسائب بْن عثمان بْن مظعون ، وعماه قدامة ، وعبد اللَّه ابنا مظعون ، وحاطب بْن الحارث بْن معمر معه امرأته فاطمة بنت المجلل ، وابناه مُحَمَّد بْن حاطب ، والحارث بْن حاطب ، وأخوه حطاب بْن الحارث معه امرأته فكيهة بنت يسار ، وسفيان بْن معمر بْن حبيب معه ابناه جابر بْن سفيان ، وجنادة بْن سفيان ، ومعه امرأته حسنة وهي أمهما ، وعثمان بْن ربيعة بْن أهبان ، وخنيس بْن حذاقة بْن قيس ، وعبد اللَّه بْن الحارث بْن قيس ، وهشام بْن العاص بْن ، وائل ، وقيس بْن حذافة بْن قيس ، والحجاج بْن الحارث بْن قيس ، ومعمر بْن الحارث بْن قيس ، وبشر بْن الحارث بْن قيس ، وسعيد بْن الحارث بْن قيس ، والسائب بْن الحارث بْن قيس ، وعمير بْن رئاب بْن حذيفة ، ومحمية بْن جزء حليف لهم ، ومعمر بْن عَبْد اللَّه بْن نضلة ، وعدي بْن نضلة بْن عَبْد العزى معه ابنه النعمان ، وأبو عبيدة بْن الجراح بعدهم ، وعامر بْن ربيعة ، معه امرأته ليلى ، والسكران بْن عمرو بْن عَبْد شمس ، معه امرأته سودة بنت زمعة ، ومالك بْن ربيعة بْن قيس بْن عَبْد شمس ، وعبد اللَّه بْن مخرمة بْن عَبْد العزى بْن أبي قيس ، وعبد اللَّه بْن سهيل بْن عمرو ، وعمرو بْن الحارث بْن زهير ، وعياض بْن زهير بْن أبي شداد ، وربيعة بْن هلال بْن مالك ، وعثمان بْن عَبْد غنم بْن زهير ، ويعد بْن عَبْد قيس بْن لقيط ، وعبد اللَّه بْن شهاب بْن عَبْد اللَّه بْن الحارث بْن زهرة جد الزهري . فخرجوا حتى قدموا أرض الحبشة وأقاموا بها على الطمأنينة ، ثم إن قريشًا اجتمعت في أن يبعث النجاشي حتى يرد مَنْ ثَمَّ مِنَ المسلمين عليها ، فبعثوا عمرو بْن العاص ، وعمارة بْن الوليد بْن ربيعة ، وبعثوا معهما بهدايا كثيرة إليه وإلى بطارقته ، فلما قدما عليه ما بقي بطريق من بطارقته إلا قدما إليه بهديته ، وسألاه أن يكلم الملك حتى يسلمهم إليهما قبل أن يكملهم ويسمع منهم ؛ فلما فرغا من بطارقته قدما إلى النجاشي هداياه فقبلها منهما ، ثم قالا له : أيها الملك ، إن قومنا بعثوا إليك في فتيان منهم خرجوا إلى بلادك ، فارقوا أديان قومهم ولم يدخلوا في دينك ولا دينهم ، وقومهم أعلاهم عينًا ، قالت بطارقته : صدقًا أيها الملك ، فغضب النجاشي وقالا : لأيم اللَّه إذا لا أدفعهم إليهما ، قوم جاءوني لجئوا إلى بلادي حتى أنظر فيما يقول هؤلاء ، فإن كانوا كما قال هؤلاء أسلمناهم إليهما ، وإن كانوا على غير ذلك لم ندفعهم إليهما ومنعتهم منهما ، فقال عمارة بْن الوليد : لم نصنع شيئًا ، لو كان دفعهم من وراء كان ذلك أحب إلينا قبل أن يكلمهم . ثم إن أصحاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجتمعوا ، فقال بعضهم لبعض : ما الذي نكلم به الرجل ؟ ثم قالوا : نكلمه والله بالذي نحن عليه وعليه نبينا كائنًا ما كان فيه ، فدخلوا عليه فقالوا لهم : اسجدوا للملك ، فقال جعفر بْن أبي طالب : لا نسجد إلا لله ، فقال لهم : ما يقول هذان ؟ يزعمان أنكم فارقتم دين قومكم ، ولن تدخلوا في ديني ، وأنكم جئتم بدين مقتضب لا يعرف ، فقال جعفر بْن أبي طالب : كنا مع قومنا في أمر جاهلية نعبد الأوثان ، فبعث اللَّه إلينا رسولًا منا رجلًا نعرف نسبه وصدقه ووفاءه ، فدعا إلى أن نعبد اللَّه وحده لا نشرك به ، وأمرنا بالصلاة ، والزكاة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، ونهانا عن الفواحش والخبائث ، فقال : هل معك شيء مما جاء به ؟ قال : نعم . فدعا النجاشي أساقفته فنشروا المصاحف حوله ، فقرأ عليهم جعفر بْن أبي طالب كهيعص ، فبكى النجاشي حتى أخضل لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم ، ثم قال : إن هذا والذي جاء به عيسى يخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا ، فلعمر اللَّه لا أرسلهم معكما ، وَلَا أُكَادُ وَلَا هُمْ ، وكان أتقى الرجلين عمارة بْن الوليد ، فقال عمرو بْن العاص : والله ، لأجيبنه بما أبيد به خضراءهم ، لأخبرنه أنهم يزعمون أن إلهك الذي تعبد عَبْد ، فقال له عمارة بْن الوليد : لا تفعل فإن لهم رحمًا وإن كانوا قد خالفونا ، قال : أحلف بالله لأفعلن ، فرجع إليه الغد فقال : أيها الملك ، إنهم يقولون في عيسى قولًا عظيمًا فابعث إليهم فاسألهم عنه . فأرسل إليهم فقال : ماذا تقولون في عيسى ؟ قالوا : نقول فيه : ما قال اللَّه عز وجل وعلا وما قال لنا نبينا ، فقال له جعفر : هو عَبْد اللَّه وروحه وكلمته ألقاها اللَّه إلى العذارء البتول ، فأدلى النجاشي يده فأخذ من الأرض عودًا وقال : ما عدا عيسى ابن مريم ما قلتم هذا العود ، فنخرت بطارقته فقال : وإن نخرتم والله ، ثم قال : اذهبوا فأنتم شيوم في أرضي - يقول : آمنون - من شتمكم غرم ، ما أحب أن لي دبرًا ذهبًا - ودبر : هو جبل بالحبشة - وإني آذيت رجلًا منكم ، وقال : ردوا عليهما هدايا التي جاءا بها ، لا حاجة لنا بها ، وأخرجوهما من أرضي ، فأُخرِجا وأقام المسلمون عند النجاشي بخير دار وخير جار ، لا يصل إليهم شيء يكرهونه . فولد بالحبشة عَبْد اللَّه بْن جعفر بْن أبي طالب ، ومحمد بْن أبي حذيفة ، وسعيد بْن خالد بْن سعيد ، وأخته أمة بنت خالد ، وعبد اللَّه بْن المطلب بْن أزهر ، وموسى بْن الحارث بْن خالد ، وأخواته : عائشة ، وزينب ، وفاطمة بنات الحارث ، فلم يزل المسلمون بأرض الحبشة إلى أن ذكر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخروج إلى المدينة ، فمنهم من رجع إلى مكة فهاجر مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة ، ومنهم من بقي بأرض الحبشة حتى لحق رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد قدومه المدينة . وخرج أبو بكر الصديق من مكة مهاجرًا إلى أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة ، وهو سيد القارة ، فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي ، فقال ابن الدغنة : فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ، أنت تكسب المعدوم ، وتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، فأنا لك خافر فارجع واعبد ربك ببلدك ، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة ، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم : إن أبا بكر لا يخرج مثله ، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ، ويصل الرحم ، ويحمل الكلَّ ، ويقري الضيف ، ويعين على نوائب الحق ؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة ، وقالوا لابن الدغنة : مُر أبا بكر فليعبد ربه في داره وليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ، ولا يستعلن فإنا نخشى أن يفتن أبناءنا ونساءنا ، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر ، فلبث أبو بكر بعد ذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره . ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره ، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن ، فيقف عليه نساء المشركين وأبناءهم يعجبون منه وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رجلًا بكاء لا يملك عينيه عليهم ؛ فقالوا : إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد في داره ، فقد جاوز ذلك وابتنى مسجدًا بفناء داره ، وأعلن بالصلاة والقراءة فيه ، وإنا خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا فانهه ، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل ، فإن أبي إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك ؛ فإنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر بالاستعلان ، فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال : فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في عقد رجل عقدت له ، قال أبو بكر : فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار اللَّه ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . عَنْ طارق بْن عَبْد اللَّه المحاربي ، قال : رأيت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سوق ذي المجاز ، وعليه حلة حمراء ينادي بأعلى صوته : " أيها الناس ، قولوا : لا إله إلا اللَّه " ، ورجل يتبعه بالحجارة ، قد أدمى كعيبه وعرقوبيه ، ويقول : يا أيها الناس ، لا تطيعوه ، إنه كذاب ، قال : قلت : من هذا ؟ قالوا : هذا غلام بني عَبْد المطلب ، قال : فقلت : من هذا الذي يتعبه يدميه ؟ قالوا : عمه عَبْد العزى أبو لهب . قَالَ أبو حاتم : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو الخلق إلى اللَّه وحده لا شريك له ، وكان أبو جهل يقول للناس : إنه كذاب يحرم الخمر ويحرم الزنى ، وما كانت العرب تعرف الزنى ، فبينما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي في ظل الكعبة إذ قام أبو جهل في ناس من قريش ، ونحر لهم جزورًا في ناحية مكة ، فأرسلوا فجاءوا بسلاها وطرحوه عليه ، فجاءت فاطمة وألقته عنه ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللهم عليك بقريش ، اللهم عليك بقريش ، اللهم عليك بقريش ، بأبي جهل بْن هشام ، وعتبة بْن ربيعة ، وشيبة بْن ربيعة ، والوليد بْن عتبة ، وأمية بْن خلف ، وعقبة بن أبي معيط " . ثم اجتمعوا يومًا ورَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي عند المقام ، وهم جلوس في ظل الكعبة ؛ فقام إليه عقبة بْن أبي معيط فجعل رداءه في عنقه ثم جره حتى وجب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لركبته ساقطًا ، وتصايح الناس وظنوا أنه مقتول . وأقبل أبو بكر يشتد حتى أخذ بضبعي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ورائه وهو يقول : أتقتلون رجلا أن يقول ربي اللَّه ؟ ثم انصرفوا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقام رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي ، فلما قضي صلاته مر بهم ، وهو جلوس في ظل الكعبة ، فقال : " يا معشر قريش ، والذي نفس مُحَمَّد بيده ما أرسلت إليكم إلا بالذبح " ، وأشار بيده إلى حلقه ، فقال له أبو جهل : يا مُحَمَّد ، ما كنت جهولا ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أنت منهم " ، فقال أبو جهل : ألم أنهك يا مُحَمَّد ؟ فانتهره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال أبو جهل : لم تنهرني ، والله لقد علمت ما بها رجل أكثر ناديًا مني ، فقال جبريل : " فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سورة العلق آية 17 " ، ولو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب ، قالت قريش : انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وعاب ديننا ، فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه ، فقالوا : ما نعلم أحدًا غير عتبة بْن ربيعة ، فقالوا : أنت يا أبا الوليد ، فأتى عتبة ، فقال : يا مُحَمَّد ، أنت خير أم عَبْد اللَّه ؟ فسكت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : أنت خير أم عَبْد المطلب ؟ فسكت رسول اللَّه ، قال : فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك ، فقد عبدوا الآلهة التي عِبت ، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك ، أما والله ، ما رأينا سخلة قط أشأم على قومه منك ، فرقت جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وعبت ديننا ، وفضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش كاهنًا ، والله ، ما تنتظر إلا أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى ، أيها الرجل ! إن كان إنما بك الباه فاختر أي نساء قريش شئت حتى أزوجك عشرًا ، وإن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش مالا ، فقال له رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أفرغت ؟ قال : نعم ؟ فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بسم اللَّه الرحمن الرحيم حم { 1 } تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ { 2 } حتى بلغ : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ سورة فصلت آية 1-13 " ، فقال له عتبة : حسبك حسبك ، ما عندك غير هذا ، ثم رجع إلى قريش فقالوا : ما وراءك ؟ قال : ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه به إلا تكلمت به ، قالوا : فهل أجابك ؟ قال : نعم ، ولا والذي نصبها ، يعني الكعبة ، ما فهمت شيئا مما قال غير أنه قال : أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ سورة فصلت آية 13 ، قالوا : ويلك ، يكلم رجل بالعربية ما تدري ما قال ، قال : فواللَّه ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة . فكانوا يؤذونه بأنواع الأذى ورَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يبلغهم رسالات ربه صابرًا محتسبًا . ثم إن اللَّه جلا وعلا أراد هدى عمر بْن الخطاب ، وكان عمر من أشد قريش على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شغبًا ، وأكثرهم للمسلمين أذى . وكان السبب في إسلامه أن أخته فاطمة بنت الخطاب كانت تحت سعيد بْن زيد بْن عمرو بْن نفيل ، وكانت قد أسلمت وأسلم زوجها سعيد بْن زيد ، وهم يستخفون بإسلامهم من عمر ، وكان نعيم بْن عَبْد اللَّه بْن النحام قد أسلم وكان يخفي إسلامه ، وكان خباب بْن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن ، فخرج عمر يومًا متوشحًا بسيفه يريد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وذكر له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين بين رجال ونساء ، ومع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حمزة ، وعلي ، وأبو بكر في رجال من المسلمين ممن أقام مع فقال : أين تريد ؟ فقال : أريد محمدًا هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش ، وسفه أحلامها ، وعاب دينها ، وسب آلهتها فأقتله ، فقال له نعيم : والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر ، أترى أن عَبْد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدًا ، أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم ، قال : وأي أهل بيتي ؟ فقال : ختنك ، وابن عمك سعيد بْن زيد ، وأختك ، فقد أسلما وبايعا محمدًا على دينه ، فعليك بهما . فرجع عمر عامدًا لختنه وأخته وعندهما خباب بْن الأرت ومعه صحيفة فيها : طه ، يقرئها إياهما ، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم ، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها ، وقد سمع حين دنا من البيت قراءتها عليه ، فلما دخل قال : ما هذه الهينمة التي سمعت ؟ قالا له : ما سمعت شيئا ، قال : بلى والله ! لقد أخبرت أنكما بايعتما محمدا على دينه ، وبطش بختنه سعيد بن زيد ؛ فقامت إليه أخته فاطمة لتكفه عن زوجها ؛ فضربها فشجها ، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه : نعم ، قد أسلمنا وأمنا بالله ورسوله ، فاصنع ما بدا لك ، فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع وارعوى ، وقال لأخته : أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرءون أنفًا انظر ما هذا الذي جاء به مُحَمَّد ، وكان عمر كاتبًا . فلما قال ذلك قالت له أخته : إنا لنخشاك عليها ، قال : لا تخافي ، وحلف لها بآلهته ليردها ، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت له : يا أخي ، إنك نجس على شركك وإنه لا يمسها إلا المطهرون ، فقام عمر بْن الخطاب فاغتسل ، ثم أعطته الصحيفة وفيه طه ، فلما قرأ سطرًا منها قال : ما أحسن هذا الكلام ، فلما سمع خباب ذلك خرج إليه فقال له : يا عمر ، والله لأرجو أن يكون خصك اللَّه بدعوة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فإني سمعته يقول : " اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بْن هشام ، أو بعمر بْن الخطاب " ، فقال له عمر : دلني عليه يا خباب حتى آتيه فأسلم ، فقال له خباب : هو في بيت عند الصفا ، معه فيه نفر من أصحابه . فأخذ عمر سيفه فتوحشه ثم عمد إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فلما بلغ ضرب عليه الباب ، فلما سمع المسلمون صوته قام رجل فنظر من خلال الباب فرآه متوشحًا بالسيف ، فقال حمزة بْن عَبْد المطلب : ائذن له ، فإن كان يريد خيرًا به لناله ، وإن كان يريد شرًا قتلناه بسيفه ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ائذن له " ، فأذن له الرجل ونهض إليه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى لقيه في الحجرة فأخذ بحجزته ثم جبذه جبذة عظيمة ، وقال : " ما جاء بك يابن الخطاب ؟ والله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل اللَّه بك قارعة " ، فقال له عمر : يا رسول اللَّه ، جئتك لأؤمن بالله ورسوله وبما جئت به من عند اللَّه ، قال : فكبر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول اللَّه أن عمر أسلم ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يا عمر ، استره " ، فقال عمر : والذي بعثك بالحق لأعلنته كما أعلنت الشرك ، فتفرق أصحاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند ذلك وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر وحمزة ، وعرفوا أنهما سيمنعان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولذلك كان يقول ابن مسعود : ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر . ثم توفيت خديجة ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رأيت لخديجة بيتا في الجنة لا صخب فيه ولا نصب " . ثم تزوج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند وفاة خديجة عائشة بنت أبي بكر قبل الهجرة بثلاث سنين في شهر شوال ، وهي بنت ست لم يتزوج بكرًا غيرها ، وكانت أم عائشة : أم رومان بنت عامر بْن عويمر بْن عَبْد شمس . ثم خرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الطائف يلتمس من ثقيف المنعة ، وأشراف ثقيف يومئذ عَبْد ياليل ، وحبيب ، ومسعود بْن عمرو ، فلما أتاهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعاهم إلى اللَّه ، فقال أحدهم : أما وجد اللَّه أحدًا يرسله غيرك ؟ وقال الآخرة وهو يمرط ثياب الكعبة : إن كان اللَّه أرسلك ، وقال الآخر : إن كان كما تقول ، ما ينبغي لي أن أكلمك إجلالا لك ، وإن كنت تكذب على اللَّه ما ينبغي لي أن أكلمك ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد سمع ما يكره ، فالتجأ إلى حائط لبني ربيعة ؛ وإذا عتبة وشيبة فيه فلما رأياه تحركت له رحمهما ، فدعوا غلامًا لهما يقال له : عداس ، نصرانيًا ، فقال له : خذ هذا العنب واجعله في هذا الإناء ، واذهب به إلى ذلك الرجل ، فلما أتاه به عداس وضع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يده في العنب وسمَّى اللَّه ، فنظره عداس في وجه وقال : إن هذا لشيء ما يقوله الناس اليوم ، قال : " ومن أنت ؟ " ، قال : أنا رجل نصراني من أهل نينوى ، قال : " من قرية يونس بْن متى ؟ " ، قال : وما يدرك ما يونس بْن متى ؟ قال : " ذلك أخي ، كان نبيًا من الأنبياء " ، فجعل عداس يقبل يديه رجليه ويقول : قدوس ، وقال ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه : أما غلامك فقد أفسده عليك ، فلما رجع إليهما فسألاه عما قال له ، فقال : لقد أخبرني عن شيء ما يعلمه إلا نبي ، قالا : يا عداس ، ويحك ، لا تُخدع عن دينك . ثم خرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما أيس من الطائف فمر بنخلة فقام يصلي من جوف الليل ، فمر به النفر من الجن أصحاب نصيبين ، فاستمعوا له عامة ليلته ، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين ، وهم سبعة أنفس . ثم قدم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة يدعوهم إلى اللَّه ويستنصرهم ليمنعوا ظهره حتى ينفذ عن اللَّه ما بعثه به ، ثم افتقده أصحبه ليلة فباتوا بشر ليلة ، فجعلوا يقولون : استطير أو اغتيل ، وتفرقوا في الشعاب والأودية يطلبونه ، فلقيه ابن مسعود مقبلًا من نحو حراء فقال : يا نبي اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بأبي أنت وأمي ، بتنا بشر ليلة ، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أتاني داعي الجن فأتيتهم أقرئهم القرآن ، وسألوني الزاد " ، فقلت : " كل عظم ذكر اسم اللَّه عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحمًا ، والبعر علفًا لدوابكم " ، فلذلك نهي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الاستنجاء بالروث والعظم ، لأنه زاد إخواننا من الجن ، وكان ابن مسعود يقول : أراني رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة الجن آثارهم ونيرانهم ، ثم أمر اللَّه عز وجل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يعرض نفسه على قبائل العرب .