10 أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْقَطَّانُ ° ، بِالرَّقَّةِ ، ثنا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ التَّمِيمِيُّ ° ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْيَمَانِيُّ ° ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ ° ، عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ ° ، عَنْ عِكْرِمَةَ ° ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ° ، قَالَ : لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ خَرَجَ وَأَنَا مَعَهُ ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، حَتَّى دَفَعْنَا إِلَى مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْعَرَبِ فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَسَلَّمَ ، وَقَالَ : مِمَّنِ الْقَوْمُ ؟ قَالُوا : مِنْ رَبِيعَةَ ، قَالَ : وَأَيُّ رَبِيعَةَ أَنْتُمْ ؟ أَمِنْ هَامَتِهَا أَمْ مِنْ لَهَازِمِهَا ؟ فَقَالُوا : لا ، بَلْ هَامَتُهَا الْعُظْمَى ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَأَيُّ هَامَتِهَا الْعُظْمَى أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : مِنْ ذُهْلٍ الأَكْبَرِ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَمِنْكُمْ عَوْفٌ الَّذِي يُقَالُ لَهُ : لا حُرَّ بِوَادِي عَوْفٍ ؟ قَالُوا : لا ، قَالَ : فَمِنْكُمْ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ صَاحِبُ اللِّوَاءِ وَمُنْتَهَى الأَحْيَاءِ ؟ قَالُوا : لا ، قَالَ : فَمِنْكُمْ جَسَّاسُ بْنُ مُرَّةَ حَامِي الذِّمَارِ وَمَانِعُ الْجَارِ ؟ قَالُوا : لا ، قَالَ : فَمِنْكُمْ الْحَوْفَزَانُ قَاتِلُ الْمُلُوكِ سَالِبُهَا أَنْفُسَهَا ؟ قَالُوا : لا ، قَالَ : فَمِنْكُمْ أَصْهَارُ الْمُلُوكِ مِنْ لَخْمٍ ؟ قَالُوا : لا ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَلَسْتُمْ إِذًا ذُهْلا الأَكْبَرَ ، أَنْتُمْ ذُهْلُ الأَصْغَرُ . فَقَامَ إِلَيْهِ غُلامٌ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ ، يُقَالُ لَهُ : دَغْفَلٌ حِينَ بَقَّ وَجْهُهُ ، فَقَالَ : عَلَى سَائِلِنَا أَنْ نَسْأَلَهُ ، يَا هَذَا ، إِنَّكَ سَأَلْتَنَا فَأَخْبَرْنَاكَ وَلَمْ نَكْتُمْكَ ، فَمِمَّنِ الرَّجُلُ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَا مِنْ قُرَيْشٍ ، فَقَالَ الْفَتَى : بَخٍ بَخٍ ، أَهْلُ الشَّرَفِ وَالرِّئَاسَةِ ، فَمِنْ أَيِّ الْقُرَشِيِّينَ أَنْتَ ؟ قَالَ : مِنْ وَلَدِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ ، قَالَ : أَمْكَنْتَ وَاللَّهِ الرَّامِيَ مِنْ صَفَاءِ الثَّغْرَةِ ، فَمِنْكُمْ قُصَيٌّ الَّذِي جَمَعَ الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْرٍ فَكَانَ يُدْعَى فِي قُرَيْشٍ مُجَمِّعًا ؟ قَالَ : لا ، قَالَ : فَمِنْكُمْ هَاشِمٌ الَّذِي هَشَّمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ، وَرِجَالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافٌ ؟ قَالَ : لا ، قَالَ : فَمِنْ أَهْلِ الْحِجَابَةِ أَنْتَ ؟ قَالَ : لا ، قَالَ : فَمِنْ أَهْلِ النَّدْوَةِ أَنْتَ ؟ قَالَ : لا ، قَالَ : فَمِنْكُمْ شَيْبَةُ الْحَمْدِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مُطْعِمُ طَيْرِ السَّمَاءِ الَّذِي كَأَنَّ وَجْهَهُ الْقَمَرُ يُضِيءُ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ الدَّاجِيَةِ ؟ قَالَ : لا ، فَمِنْ أَهْلِ السِّقَايَةِ ؟ قَالَ : لا ، وَاجْتَذَبَ أَبُو بَكْرٍ زِمَامَ النَّاقَةِ ، فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ الْغُلامُ : صَادَفَ دَرْءُ السَّيْلِ دَرْءًا يَدْفَعُهُ يَهِيضُهُ حِينًا وَحِينًا يَصْدَعُهُ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ ثَبَتَ ، قَالَ : فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : فَقُلْتُ : يَا أَبَا بَكْرٍ ! لَقَدْ وَقَعْتَ مِنَ الأَعْرَابِيِّ عَلَى بَاقِعَةٍ ! فَقَالَ لِي : أَجَلْ يَا أَبَا الْحَسَنِ ! مَا مِنْ طَامَّةٍ إِلا وَفَوْقَهَا طَامَّةٌ ، وَالْبَلاءُ مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ ، قَالَ عَلِيٌّ : ثُمَّ دَفَعْنَا إِلَى مَجْلِسٍ آخَرَ عَلَيْهُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ ، فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ مُقَدَّمًا فِي كُلِّ خَيْرٍ فَسَلَّمَ ، وَقَالَ : مِمَّنِ الْقَوْمُ ؟ فَقَالُوا : مِنْ شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ ، فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا وَرَاءَ هَذَا الْقَوْمِ غِرٌّ ، هَؤُلاءِ غُرَرٌ قَوْمُهُمْ ، وَفِيهِمْ مَفْرُوقُ بْنُ عَمْرٍو ، وَهَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ ، وَالْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ شَرِيكٍ ، وَكَانَ مَفْرُوقُ بْنُ عَمْرٍو قَدْ غَلَبَهُمْ جَمَالا وَلِسَانًا ، وَكَانَ لَهُ غَدِيرَتَانِ تَسْقُطَانِ عَلَى تَرِيبَتِهِ ، وَكَانَ أَدْنَى الْقَوْمِ مَجْلِسًا مِنْ أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : كَيْفَ الْعَدَدُ فِيكُمْ ؟ فَقَالَ مَفْرُوقٌ : إِنَّا لَنَزِيدُ عَلَى أَلْفٍ ، وَلَنْ يُغْلَبَ أَلْفٌ مِنْ قِلَّةٍ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَكَيْفَ الْمَنَعَةُ فِيكُمْ ؟ قَالَ مَفْرُوقٌ عَلَيْنَا الْجَهْدُ ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ جِدٌّ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : كَيْفَ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّكُمْ ؟ قَالَ مَفْرُوقٌ : إِنَّا لأَشَدُّ مَا نَكُونُ غَضَبًا حِينَ نَلْقَى ، وَإِنَّا لأَشَدُّ مَا نَكُونُ لِقَاءً حِينَ نَغْضَبُ ، وَإِنَّا لَنُؤْثِرُ الْجِيَادَ عَلَى الأَوْلادِ ، وَالسِّلاحَ عَلَى اللِّقَاحِ ، وَالنَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، يُدِيلُنَا مَرَّةً وَيُدِيلُ عَلَيْنَا أُخْرَى ، لَعَلَّكَ أَخُو قُرَيْشٍ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَقَدْ بَلَغَكُمْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَا هُوَ ذَا ، قَالَ مَفْرُوقٌ : قَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ يَذْكُرُ ذَلِكَ ، قَالَ : فَإِلامَ تَدْعُو يَا أَخَا قُرَيْشٍ ، قَالَ : " أَدْعُوكُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَنْ تُئْوُنِي وَتَنْصُرُونِي ، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ تَظَاهَرَتْ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ فَكَذَّبَتْ رُسُلَهُ ، وَاسْتَغْنَتْ بِالْبَاطِلِ عَنِ الْحَقِّ ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ " . فَقَالَ مَفْرُوقُ بْنُ عَمْرٍو : إِلامَ تَدْعُونَا يَا أَخَا قُرَيْشٍ ؟ فَتَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ سورة الأنعام آية 151 الآيَةَ ، قَالَ مَفْرُوقٌ : وَإِلامَ تَدْعُو يَا أَخَا قُرَيْشٍ ؟ فَتَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ سورة النحل آية 90 الآيَةَ ، فَقَالَ مَفْرُوقٌ : دَعَوْتَ وَاللَّهِ يَا أَخَا قُرَيْشٍ إِلَى مَكَارِمِ الأَخْلاقِ وَمَحَاسِنِ الأَعْمَالِ ، وَكَأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يُشْرِكَهُ فِي الْكَلامِ هَانِئَ بْنَ قَبِيصَةَ ، فَقَالَ : وَهَذَا هَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ شَيْخُنَا وَصَاحِبُ دِينِنَا ، فَقَالَ : قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ يَا أَخَا قُرَيْشٍ ، وَإِنِّي أَرَى إِنْ تَرَكْنَا دِينَنَا وَاتَّبَعْنَاكَ عَلَى دِينِكَ لِمَجْلِسٍ جَلَسْتَهُ إِلَيْنَا زَلَّةً فِي الرَّأْيِ ، وَقِلَّةَ فِكْرٍ فِي الْعَوَاقِبِ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الزَّلَّةُ مَعَ الْعَجَلَةِ ، وَمِنْ وَرَائِنَا قَوْمٌ نَكْرَهُ أَنْ نَعْقِدَ عَلَيْهِمْ عَقْدًا ، وَلَكِنْ تَرْجِعُ وَنَرْجِعُ وَتَنْظُرُ وَنَنْظُرُ ، وَكَأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يُشْرِكَهُ فِي الْكَلامِ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ ، فَقَالَ : وَهَذَا الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ شَيْخُنَا وَصَاحِبُ حَرْبِنَا . فَقَالَ الْمُثَنَّى : قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ يَا أَخَا قُرَيْشٍ ، وَالْجَوَابُ هُوَ جَوَابُ هَانِئِ بْنِ قَبِيصَةَ فِي تَرْكِنَا دِينَنَا ، وَاتِّبَاعِنَا إِيَّاكَ عَلَى دِينِكَ ، وَإِنَّمَا نَزَلْنَا بَيْنَ ضُرَّتَيْنِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا هَاتَانِ الضُّرَّتَانِ ؟ " ، قَالَ : أَنْهَارُ كِسْرَى وَمِيَاهُ الْعَرَبِ ، وَإِنَّمَا نَزَلْنَا عَلَى عَهْدٍ أَخَذَهُ عَلَيْنَا كِسْرَى لا نُحْدِثُ حَدَثًا وَلا نُئْوِي مُحْدِثًا ، وَإِنِّي أَرَى هَذَا الأَمْرَ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ مِمَّا تَكْرَهُهُ الْمُلُوكُ ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ نُئْوِيَكَ وَنَنْصُرَكَ مِمَّا يَلِي مِيَاهَ الْعَرَبِ فَعَلْنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا أَسَأْتُمْ فِي الرَّدِّ إِذْ أَفْصَحْتُمْ بِالصِّدْقِ ، وَإِنَّ دِينَ اللَّهِ لَنْ يَنْصُرَهُ إِلا مَنْ أَحَاطَهُ اللَّهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ ، أَرَأَيْتُمْ إِنْ لَمْ تَلْبَثُوا إِلا قَلِيلًا حَتَّى يُوَرِّثَكُمُ اللَّهُ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَيُفْرِشَكُمْ نِسَاءَهُمْ ، أَتُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَتُقَدِّسُونَهُ ؟ " ، فَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ شَرِيكٍ : اللَّهُمَّ نَعَمْ ، قَالَ : فَتَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا { 45 } وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا { 46 } سورة الأحزاب آية 45-46 ، ثُمَّ نَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَابِضًا عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ ، وَهُوَ يَقُولُ : " يَا أَبَا بَكْرٍ ، أَيَّةُ أَخْلاقٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا أَشْرَفَهَا ، بِهَا يَدْفَعُ اللَّهُ بَأْسَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ "
قَالَ أبو حاتم : إن اللَّه جل وعلا أمر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يعرض نفسه على قبائل العرب يدعوهم إلى اللَّه وحده ، لا يشركوا به شيئًا ، وينصروه ويصدقوه ، فكان يمر على مجالس العرب ، ومنازلهم ، فإذا رأى قومًا وقف عليهم وقال : " إني رسول اللَّه إليكم ، يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا ، وتصدقوني " ، وخلفه عَبْد العزى أبو لهب بْن عَبْد المطلب عمه يقول : يا قوم لا تقبلوا منه فإنه كذاب ، حتى أتى كندة في منازلهم فعرض عليهم نفسه ودعاهم إلى اللَّه ، فأبوا أن يستجيبوا له ، ثم أتى كلبًا في منازلهم فكلم بطنًا منهم يقال له : بنو عَبْد اللَّه ، فجعل يدعوهم حتى أنه ليقول لهم : " يا بني عَبْد اللَّه ، إن اللَّه قد أحسن اسم أبيكم ، إني رسوله فاتبعوني حتى أنفذ أمره " ، فلم يقبلوا منه ، ثم أتى بني حنيفة في منازلهم فردوا عليه ما كلمهم به ، ولم يكن من قبائل العرب أعنف ردًا عليه منهم ، ثم أتى بني عامر بْن صعصعة في منازلهم فدعاهم إلى اللَّه ، فقال قائل منهم : إن اتبعناك وصدقناك فنصرك اللَّه ثم أظهرك اللَّه على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الأمر إلى اللَّه يضعه حيث يشاء " ، فقالوا : أنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا ظهرت كان الأمر في غيرنا ، لا حاجة لنا في هذا من أمرك . وكان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحضر الموسم فيعرض نفسه على من حضر من العرب ، فبلغ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العقبة وإذا رهط منهم رموا الجمرة ، فاعترضهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال : " ممن أنتم ؟ " ، قالوا : من الخزرج ، قال : " أمن موالي يهود ؟ " ، قالوا : نعم ، فكلمهم بالذي بعثه اللَّه به ، فقال بعضهم لبعض : يا قوم ، إن هذا الذي كانت اليهود يدعوننا به أن يخرج في آخر الزمان ، وكان اليهود إذا كان بينهم شيء قالوا : إنما ننتظر نبيًا يبعث الآن يقتلكم قتل عاد وثمود فنتبعه ونظهر عليكم معه ، ثم قالوا لرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نرجع إلى قومنا ونخبرهم بالذي كلمتنا به ، فما أرغبنا فيك ، إنا قد تركنا قومنا على خلاف فيما بينهم ، لا نعلم حيًا من العرب بينهم من العداوة ما بينهم ، وسنرجع إليهم بالذي سمعنا منك ، لعل اللَّه يقبل بقلوبهم ، ويصلح بك ذات بينهم ، ويؤلف بين قلوبهم ، وأن يجتمعوا على أمرك ؛ فإن يجتمعوا على أمر واحد فلا رجل أعز منك ، ثم قدموا إلى المدينة فأفشوا ذلك فيهم ، ولما رجع حاج العرب كان لبني عامر شيخ قد كبر ، لا يستطيع أن يوافي معهم الموسم وكان من أمرهم بمكان ، فكانوا إذا رجعوا سألهم عما كان في موسمهم ذلك ، فلما كان ذلك العام سألهم ، فاخبروه عما قال لهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودعاهم إليه ، فوضع الشيخ يده على رأسه وقال : يا بني عامر ، هل لها من تلاف ؟ هل لذناباها من مطلب ؟ فوالله ما تقولها إسماعيلي وإنها لحق ، ويحكم أين غاب عنكم رأيكم ؟! وسمعت قريش بمكة بالليل صوتًا لا يرون شخصه يقول : فإن يسلم السعدان يصبح مُحَمَّد من الأمر يخشى خلاف المخالف فقالت قريش : لو علمنا من السعدان لفعلنا وفعلنا ، فسمعوا من القائل وهو يقول : فيا سعد سعد الأوس كن أنت مانعًا ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا على اللَّه في الفردوس زلفة عارف فإن ثواب اللَّه للطالب الهدى جنان من الفردوس ذات رفارف السعدان : يريد به سعد الأوس ، سعد بْن معاذ ، وسعد الخزرج : سعد بْن عبادة .