← الأم للشافعي
الأم للشافعي
#1249 مقبول 5 : 140 ☰ اللعان
A− A+

1231 وَقَدْ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ° ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ° ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ " . وَأَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ° ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ° ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِثْلَ مَعْنَاهُ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ إِلَى قَوْلِهِ : بِهَا كَافِرِينَ سورة المائدة آية 101 - 102

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : كَانَتِ الْمَسَائِلُ فِيهَا فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ إِذَا كَانَ الْوَحْيُ يَنْزِلُ بِمَكْرُوهٍ لِمَا ذَكَرْتُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، ثُمَّ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ فِيمَا فِي مَعْنَاهُ ، وَفِي مَعْنَاهُ كَرَاهِيَةُ لَكُمْ أَنْ تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يُحَرَّمْ ، فَإِنْ حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرُمَ أَبَدًا إِلَّا أَنْ يَنْسَخَ اللَّهُ تَحْرِيمَهُ فِي كِتَابِهِ أَوْ يَنْسَخَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَّةً لِسُنَّةٍ . وَفِيهِ دَلَائِلُ عَلَى أَنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَامٌ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِمَا وَصَفْتُ وَغَيْرَهُ مِنِ افْتِرَاضِ اللَّهِ تَعَالَى طَاعَتَهُ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ ، وَمَا جَاءَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا قَدْ وَصَفْتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ , وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ وَرَدَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ، وَكَانَتْ حُكْمًا وَقَفَ عَنْ جَوَابِهَا حَتَّى أَتَاهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْحُكْمُ فِيهَا ، فَقَالَ لِعُوَيْمِرٍ : " قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ " ، فَلَاعَنَ بَيْنَهُمَا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي اللِّعَانِ ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ ، وَنَفَاهُ عَنِ الْأَبِ ، وَقَالَ لَهُ : " لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا " ، وَلَمْ يَرْدُدِ الصَّدَاقَ عَلَى الزَّوْجِ ، فَكَانَتْ هَذِهِ أَحْكَامًا وَجَبَتْ بِاللِّعَانِ لَيْسَتْ بِاللِّعَانِ بِعَيْنِهِ ، فَالْقَوْلُ فِيهَا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنِّي سَمِعْتُ مِمَّنْ أَرْضَى دِينَهُ وَعَقْلَهُ وَعِلْمَهُ ، يَقُولُ : إِنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا وَلَا غَيْرِهَا ، إِلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، قَالَ : فَأَمْرُ اللَّهِ إِيَّاهُ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : وَحْيٌ يُنْزِلُهُ فَيُتْلَى عَلَى النَّاسِ ، وَالثَّانِي : رِسَالَةٌ تَأْتِيهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنِ افْعَلْ كَذَا فَيَفْعَلَهُ ، وَلَعَلَّ مِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ ، أَنْ يَقُولَ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكتاب وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ سورة النساء آية 113 ، فَيَذْهَبَ إِلَى أَنَّ الْكتاب هُوَ مَا يُتْلَى عَنِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْحِكْمَةَ هِيَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّسَالَةُ عَنِ اللَّهِ مِمَّا بَيَّنَتْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأَزْوَاجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ سورة الأحزاب آية 34 ، وَلَعَلَّ مِنْ حُجَّتِهِ أَنْ يَقُولَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي الزَّانِي بِامْرَأَةِ الرَّجُلِ الَّذِي صَالَحَهُ عَلَى الْغَنَمِ ، وَالْخَادِمِ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكتاب اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ ، أَمَا إِنَّ الْغَنَمَ وَالْخَادِمَ رَدَّ عَلَيْكَ ، وَإِنَّ امْرَأَتَهُ تُرْجَمُ إِذَا اعْتَرَفَتْ " ، وَجَلَدَ ابْنَ الرَّجُلِ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا , وَلَعَلَّهُ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا انْتَظَرَ الْوَحْيَ فِي قَضِيَّةٍ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِيهَا انْتَظَرَهُ كَذَلِكَ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ ، وَإِذَا كَانَتْ قَضِيَّةٌ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَمَا أُنْزِلَ فِي حَدِّ الزَّانِي وَقَضَاهَا عَلَى مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ، وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ جُمْلَةً فِي تَبْيِينٍ عَنِ اللَّهِ يَمْضِي مَعْنَى مَا أَرَادَ بِمَعْرِفَةِ الْوَحْيِ الْمَتْلُوِّ ، وَالرِّسَالَةِ إِلَيْهِ الَّتِي تَكُونُ بِهَا سُنَّتُهُ لِمَا يَحْدُثُ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : مَا تُبَيِّنُ مِمَّا فِي كتاب اللَّهِ الْمُبِينِ عَنْ مَعْنَى مَا أَرَادَ اللَّهُ بِحَمْلِهِ خَاصًّا وَعَامًّا , وَالْآخَرُ مَا أَلْهَمَهُ اللَّهُ مِنَ الْحِكْمَةِ ، وَإِلْهَامُ الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ، وَلَعَلَّ مِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلُ ، أَنْ يَقُولَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا يُحْكَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ : إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سورة الصافات آية 102 ، فَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ : رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ لِقَوْلِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي أُمِرَ بِذَبْحِهِ : يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سورة الصافات آية 102 ، وَمَعْرِفَتُهُ أَنَّ رُؤْيَاهُ أَمْرٌ أُمِرَ بِهِ ، وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ إِلَى قَوْلِهِ : فِي الْقُرْءَانِ سورة الإسراء آية 60 . وَقَالَ غَيْرُهُمْ : سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْيٌ وَبَيَانٌ عَنْ وَحْيٍ ، وَأَمْرٌ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ بِمَا أَلْهَمَهُ مِنْ حِكْمَتِهِ ، وَخَصَّهُ بِهِ مِنْ نُبُوَّتِهِ ، وَفَرَضَ عَلَى الْعِبَادِ اتِّبَاعَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كِتَابِهِ ، قَالَ : وَلَيْسَ تَعْدُو السُّنَنُ كُلُّهَا وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي وَصَفْتُ بِاخْتِلَافِ مَنْ حَكَيْتُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَيَّهَا كَانَ فَقَدْ أَلْزَمَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَهُ ، وَفَرَضَ عَلَيْهِمُ اتِّبَاعَ رَسُولِهِ فِيهِ , وَفِي انْتِظَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيَ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ حَتَّى جَاءَهُ فَلَاعَنَ ، ثُمَّ سَنَّ الْفُرْقَةَ وَسَنَّ نَفْيَ الْوَلَدِ ، وَلَمْ يَرُدَّ الصَّدَاقَ عَلَى الزَّوْجِ وَقَدْ طَلَبَهُ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ سُنَّتَهُ لَا تَعْدُو وَاحِدًا مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَهَبَ إِلَيْهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَنَّهَا تُبَيِّنُ عَنْ كتاب اللَّهِ إِمَّا بِرِسَالَةٍ مِنَ اللَّهِ أَوْ إِلْهَامٍ لَهُ ، وَإِمَّا بِأَمْرٍ جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ لِمَوْضِعِهِ الَّذِي وَضَعَهُ مِنْ دِينِهِ ، وَبَيَانُ الْأُمُورِ مِنْهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى الظَّاهِرِ ، وَلَا يُقِيمَ حَدًّا بَيْنَ اثْنَيْنِ إِلَّا بِهِ ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُشْبِهُ الِاعْتِرَافَ مِنَ الْمُقَامِ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَوْ بَيِّنَةً ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ عَلَى أَحَدٍ فِي حَدٍّ ، وَلَا حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ دَلَالَةٌ عَلَى كَذِبِهِ ، وَلَا يُعْطِي أَحَدًا بِدَلَالَةٍ عَلَى صِدْقِهِ حَتَّى تَكُونَ الدَّلَالَةُ مِنَ الظَّاهِرِ فِي الْعَامِّ لَا مِنَ الْخَاصِّ ، فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فِي أَحْكَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْوُلَاةِ أَوْلَى أن لا يَسْتَعْمِلَ دَلَالَةً ، وَلَا يَقْضِيَ إِلَّا بِظَاهِرٍ أَبَدًا ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : مَا دَلَّ عَلَى هَذَا ؟ قُلْنَا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ : " إِنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ " فَحَكَمَ عَلَى الصَّادِقِ ، وَالْكَاذِبِ حُكْمًا وَاحِدًا أَنْ أَخْرَجَهُمَا مِنَ الْحَدِّ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ فَلَا أَرَاهُ إِلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَدْعَجٌ فَلَا أَرَاهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ " فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ أَمْرَهُ لَبَيِّنٌ لَوْلَا مَا حَكَمَ اللَّهُ " ، فَأَخْبَرَ أَنْ صَدَقَ الزَّوْجُ عَلَى الْمُلْتَعِنَةِ بِدَلَالَةٍ عَلَى صِدْقِهِ وَكَذِبِهِ بِصِفَتَيْنِ ، فَجَاءَتْ دَلَالَةٌ عَلَى صِدْقِهِ ، فَلَمْ يَسْتَعْمِلْ عَلَيْهَا الدَّلَالَةَ ، وَأَنْفَذَ عَلَيْهَا ظَاهِرَ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنِ ادِّرَاءِ الْحَدِّ ، وَإِعْطَائِهَا الصَّدَاقَ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ أَمْرَهُ لَبَيِّنٌ لَوْلَا مَا حَكَمَ اللَّهُ " ، وَفِي مِثْلِ مَعْنَى هَذَا مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ : " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ " . فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَقْضِي عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ كَلَامِ الْخَصْمَيْنِ ، وَإِنَّمَا يَحِلُّ لَهُمَا وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا فِيمَا بَيْنَهُمَا ، وَبَيْنَ اللَّهِ عَلَى مَا يَعْلَمَانِ , وَمِنْ مِثْلُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ كتاب اللَّهِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ إِلَى قَوْلِهِ : لَكَاذِبُونَ سورة المنافقون آية 1 ، فَحَقَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِمَاءَهُمْ بِمَا أَظْهَرُوا مِنَ الْإِسْلَامِ ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَى الْمُنَاكَحَةِ وَالْمُوَارَثَةِ ، وَكَانَ اللَّهُ أَعْلَمَ بِدِينِهِمْ بِالسَّرَائِرِ فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ فِي النَّارِ ، فَقَالَ : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ سورة النساء آية 145 . وَهَذَا يُوجِبُ عَلَى الْحُكَّامِ مَا وَصَفْتُ مِنْ تَرْكِ الدَّلَالَةِ الْبَاطِنَةِ ، وَالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ مِنَ الْقَوْلِ أَوِ الْبَيِّنَةِ أَوِ الِاعْتِرَافِ أَوِ الْحُجَّةِ ، وَدَلَّ أَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْتَهُوا إِلَى مَا انْتَهَى بِهِمْ إِلَيْهِ ، كَمَا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ إِلَى مَا انْتَهَى بِهِ إِلَيْهِ ، وَلَمْ يُحْدِثْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُكْمِ اللَّهِ ، وَأَمْضَاهُ عَلَى الْمُلَاعَنَةِ بِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ صِدْقِ زَوْجِهَا عَلَيْهَا بِالِاسْتِدْلَالِ بِالْوَلَدِ أَنْ يَحُدَّهَا حَدَّ الزَّانِيَةِ ، فَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْحُكَّامِ أَوْلَى أن لا يُحْدِثَ فِي شَيْءٍ لِلَّهِ فِيهِ حُكْمٌ وَلَا لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ مَا حَكَمَا بِهِ بِعَيْنِهِ ، أَوْ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ ، وَوَاجِبٌ عَلَى الْحُكَّامِ وَالْمُفْتِينَ أَلَّا يَقُولُوا إِلَّا مِنْ وَجْهٍ لَزِمَ مِنْ كتاب اللَّهِ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَنَازِلِ اجْتَهَدُوا عَلَيْهِ حَتَّى يَقُولُوا مِثْلَ مَعْنَاهُ ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنْ يُحْدِثُوا حُكْمًا لَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذَا وَلَا فِي مِثْلِ مَعْنَاهُ ، وَلَمَّا حَكَمَ اللَّهُ عَلَى الزَّوْجِ يَرْمِي الْمَرْأَةَ بِاللِّعَانِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ إِنْ سَمَّى مَنْ يَرْمِيهَا بِهِ أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ ، وَرَمَى الْعَجْلَانِيِّ امْرَأَتَهُ بِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَالْتَعَنَ وَلَمْ يُحْضِرْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَرْمِيَّ بِالْمَرْأَةِ ، وَالْتَعَنَ الْعَجْلَانِيِّ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا الْتَعَنَ لَمْ يَكُنْ لِلرَّجُلِ الَّذِي رَمَاهُ بِامْرَأَتِهِ عَلَيْهِ حَدٌّ ، وَلَوْ كَانَ أَخَذَهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبَعَثَ إِلَى الْمَرْمِيِّ فَسَأَلَهُ ، فَإِنْ أَقَرَّ حُدَّ وَإِنْ أَنْكَرَ حُدَّ لَهُ الزَّوْجُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : وَلَا لِلْإِمَامِ إِذَا رَمَى رَجُلٌ رَجُلًا بِزِنًا أَوْ حَدًّا أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ وَيَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، يَقُولُ : وَلا تَجَسَّسُوا سورة الحجرات آية 12 قَالَ : وَإِنْ شُبِّهَ عَلَى أَحَدٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أُنَيْسًا إِلَى امْرَأَةِ رَجُلٍ ، فَقَالَ : " إِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا " ، فَتِلْكَ امْرَأَةٌ ذَكَرَ أَبُو الزَّانِي بِهَا أَنَّهَا زَنَتْ فَكَانَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْأَلَ ، فَإِنْ أَقَرَّتْ حَدَثَ وَسَقَطَ الْحَدُّ عَمَّنْ قَذَفَهَا ، وَإِنْ أَنْكَرَتْ حُدَّ قَاذِفِهَا ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ قَاذِفُهَا زَوْجَهَا لَزِمَهُ الْحَدُّ إِنْ لَمْ تُقِرَّ ، وَسَقَطَ عَنْهُ إِنْ أَقَرَّتْ وَلَزِمَهَا ، فَلَا يَجُوزُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُحَدَّ رَجُلٌ لِامْرَأَةِ ، وَلَعَلَّهَا تُقِرُّ بِمَا قَالَ ، وَلَا يَتْرُكُ الْإِمَامُ الْحَدَّ لَهَا وَقَدْ سَمِعَ قَذْفَهَا حَتَّى تَكُونَ تَتْرُكُهُ ، فَلَمَّا كَانَ الْقَاذِفُ لِامْرَأَتِهِ إِذَا الْتَعَنَ لَوْ جَاءَ الْمَقْذُوفُ بِعَيْنِهِ يَطْلُبُ حَدَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ لَهُ الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ الَّذِي يَطْلُبُهُ الْمَقْذُوفُ بِعَيْنِهِ لَمْ يَكُنْ لِمَسْأَلَةِ الْمَقْذُوفِ مَعْنًى ، إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ لِيَحُدَّ ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنَّمَا سَأَلَ الْمَقْذُوفَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِلْحَدِّ الَّذِي يَقَعُ لَهَا إِنْ لَمْ تُقِرَّ بِالزِّنَا , وَلَمْ يَلْتَعِنِ الزَّوْجُ . وَلَوْ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا لَمْ تُحَدَّ زَوْجُهَا ، وَلَمْ يَلْتَعِنْ وَجُلِدَتْ أَوْ رُجِمَتْ وَإِنْ رَجَعَتْ لَمْ تُحَدَّ ، لِأَنَّ لَهَا فِيمَا أَقَرَّتْ بِهِ مِنْ حَدِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الرُّجُوعَ ، وَلَمْ يُحَدَّ زَوْجُهَا ، لِأَنَّهَا مُقِرَّةٌ بِالزِّنَا وَلَمَّا حَكَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ شُهُودَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ مَعَ حَدَاثَتِهِ ، وَحَكَاهُ ابْنُ عُمَرَ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَحْضَرِ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، لِأَنَّهُ لَا يَحْضُرُ أَمْرًا يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَتْرَهُ ، وَلَا يَحْضُرُهُ إِلَّا وَغَيْرُهُ حَاضِرٌ لَهُ ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ حُدُودِ الزِّنَا يَشْهَدُهَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي شَهَادَةِ الزِّنَا أَقَلُّ مِنْهُمْ ، وَهَذَا يُشْبِهُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الزَّانِيَيْنِ : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ سورة النور آية 2 ، وَقَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ فِي حَدِيثِهِ : فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ : وَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ . وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ : فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، فَاحْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ إِنْ كَانَ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْحُكْمِ فَكَانَ ذَلِكَ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنِ اللِّعَانُ فُرْقَةً حَتَّى يُجَدِّدَهَا الزَّوْجُ ، وَلَمْ يُجْبَرِ الزَّوْجُ عَلَيْهَا , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِثْلُ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعِيبُ عَلَى الْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا أَنْ يُطَلِّقَهَا ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا إِلَّا وَاحِدَةً ، قَالَ : لَا تَفْعَلْ مِثْلَ هَذَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، فَسَأَلَ وَإِذْ لَمْ يَنْهَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَلَوْ كَانَ طَلَاقُهُ إِيَّاهَا كَصَمْتِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ اللِّعَانُ فُرْقَةً فَجَهِلَهُ الْمُطَلِّقُ ثَلَاثًا أَشْبَهَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُعَلِّمَهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ ثَلَاثًا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ فِيهِ الطَّلَاقُ ، وَيَحْتَمِلُ طَلَاقُهُ ثَلَاثًا أَنْ يَكُونَ بِمَا وَجَدَ فِي نَفْسِهِ بِعِلْمِهِ بِصِدْقِهِ وَكَذِبِهَا وَجَرَاءَتِهَا عَلَى الْيَمِينِ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا جَاهِلًا بِأَنَّ اللِّعَانَ فُرْقَةٌ ، فَكَانَ كَمَنْ طَلَّقَ مَنْ طَلَّقَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ طَلَاقِهِ ، وَكَمَنْ شَرَطَ الْعُهْدَةَ فِي الْبَيْعِ وَالضَّمَانِ وَالسَّلَفِ ، وَهُوَ يَلْزَمُهُ شَرَطَ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : مَا دَلَّ عَلَى أَنْ هَذَا الْمَعْنَى أَوْلَى الْمَعَانِي بِهِ ؟ قِيلَ : قَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ، وَابْنُ شِهَابٍ : فَفَارَقَهَا حَامِلًا ، فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، فَمَعْنَى قَوْلِهِمَا الْفُرْقَةُ لَا أَنَّ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنَّهُ لَا تَقَعُ فُرْقَةٌ إِلَّا بِطَلَاقِهِ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَ ، وَزَادَ ابْنُ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، " أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ " ، وَتَفْرِيقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ فُرْقَةِ الزَّوْجِ ، إِنَّمَا هُوَ تَفْرِيقُ حُكْمٍ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : هَذَانِ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ فَلَيْسَا عِنْدِي مُخْتَلِفَيْنِ ، وَقَدْ يَكُونُ ابْنُ عُمَرَ شَهِدَ مُتَلَاعِنَيْنِ غَيْرَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ اللَّذَيْنِ شَهِدَهُمَا سَهْلٌ ، وَأَخْبَرَ عَمَّا شَهِدَ ، وَأَخْبَرَ سَهْلٌ عَمَّا شَهِدَ ، فَيَكُونُ اللِّعَانُ إِذَا كَانَ فُرْقَةً بِطَلَاقِ الزَّوْجِ وَسُكُوتِهِ سَوَاءٌ أَوْ يَكُونُ ابْنُ عُمَرَ شَهِدَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ اللَّذَيْنِ شَهِدَ سَهْلٌ ، فَسَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ أَنَّ اللِّعَانَ فُرْقَةٌ ، فَحَكَى أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ سَمِعَ الزَّوْجَ طَلَّقَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ ، وَذَهَبَ عَلَى سَهْلٍ حِفْظُهُ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي حَدِيثِهِ ، وَلَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا هَذَا حِكَايَةٌ لِمَعْنًى بِلَفْظَيْنِ مُخْتَلِفِينَ أَوْ مُجْتَمِعَيِ الْمَعْنَى مُخْتَلِفَيِ اللَّفْظِ أَوْ حَفِظَ بَعْضَ مَا لَمْ يَحْفَظْ مَنْ حَضَرَ مَعَهُ ، وَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ : " حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ " ، دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْتُ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَى مَا ظَهَرَ لَهُ ، وَاللَّهُ وَلِيُّ مَا غَابَ عَنْهُ ، وَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا " ، اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا إِذْ لَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَّا أَنْ تُكَذِّبَ نَفْسَكَ أَوْ تَفْعَلَ كَذَا أَوْ يَكُونَ كَذَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْمُطَلِّقِ الثَّالِثَةَ : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا سورة البقرة آية 230 ، وَاسْتَدْلَلْنَا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَى الْوَلَدَ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ : " الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ " ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفِيَ الْوَلَدَ وَالْفِرَاشُ ثَابِتٌ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَيَزُولُ الْفِرَاشُ عِنْدَ النَّفْيِ وَيَرْجِعُ إِذَا أَقَرَّ بِهِ قِيلَ لَهُ لَمَّا سَأَلَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ الصَّدَاقَ الَّذِي أَعْطَاهَا ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا , وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَلِكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا أَوْ مِنْهُ " ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنْ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بِالصَّدَاقِ الَّذِي قَدْ لَزِمَهُ بِالْعَقْدِ وَالْمَسِيسِ مَعَ الْعَقْدِ ، وَكَانَتِ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِهِ جَاءَتْ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : عَلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهِ ، وَقَدْ رَمَاهَا بِالزِّنَا قِيلَ لَهُ : قَدْ كَانَ يَحِلُّ لَهُ الْمُقَامُ مَعَهَا وَإِنْ زَنَتْ ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كَذَبَ عَلَيْهَا فَالْفُرْقَةُ بِهِ كَانَتْ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِهَا إِلَّا بِقَذْفِهِ وَالْتِعَانِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ لَهَا سَبَبًا كَمَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْخُلْعِ ، فَيَكُونُ مِنْ قِبَلِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَمْ يَقْبَلِ الْخُلَعَ ، وَالْمُلَاعَنُ لَيْسَ بِمَغْرُورٍ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ وَلَا بِحَرَامٍ ، وَمَا أَشْبَهَهُ يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ ، وَلَمَّا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ الَّذِي حَكَى فِيهِ حُكْمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ : أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا ، فَأَنْكَرَ حَمْلَهَا ، فَكَانَ وَلَدُهَا يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا قَدْ شُبِّهَ عَلَى بَعْضِ مَنْ نْسَبُ إِلَى الْعِلْمِ فِيهَا أَنَّهُ رَمَاهَا بِالزِّنَا ، وَرَمْيُهُ إِيَّاهَا بِالزِّنَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَوِ اللِّعَانُ ، وَمِنْهَا أَنَّهُ أَنْكَرَ حَمْلَهَا ، فَلَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا بِالرَّمْيِ بِالزِّنَا ، وَجَعَلَ الْحَمْلَ إِنْ كَانَ مَنْفِيًّا عَنْهُ إِذْ زَعَمَ أَنَّهُ مِنَ الزِّنَا ، وَقَالَ : إِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ لِلَّذِي يَتَّهِمُهُ فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى ذَلِكَ النَّعْتِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ ، وَهِيَ تَرَى أَنَّهَا حُبْلَى مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي قِيلَ لَهُ : أَرَدْتَ أَنَّهَا زَنَتْ ؟ فَإِنْ قَالَ : لَا ، وَلَيْسَتْ بِزَانِيَةٍ وَلَكِنِّي لَمْ أُصِبْهَا ، قِيلَ لَهُ : فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُخْطِئَ هَذَا الْحَبَلُ فَتَكُونَ صَادِقًا ، وَتَكُونَ غَيْرَ زَانِيَةٍ فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ حَتَّى تَضَعَ ، فَإِذَا اسْتَيْقَنَّا أَنَّهُ حَبَلٌ قُلْنَا مَا أَرَدْتَ ؟ فَإِنْ قَالَ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، قُلْنَا : قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَأْخُذَ نُطْفَتَكَ فَتُدْخِلَهَا فَتَحْبَلَ مِنْكَ ، فَتَكُونَ أَنْتَ صَادِقًا فِي الظَّاهِرِ بِأَنَّكَ لَمْ تُصِبْهَا ، وَهِيَ صَادِقَةٌ بِأَنَّهُ وَلَدُكَ ، فَإِنْ قَذَفْتَ لَاعَنْتَ وَنَفَيْتَ الْوَلَدَ أَوْ حُدِدْتَ وَلَا يُلَاعَنُ بِحَمْلٍ لَا قَذْفَ مَعَهُ ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ حَمْلًا ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ نَظَرَ فِي الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُلَاعِنْ بِالْحَمْلِ ، وَإِنَّمَا لَاعَنَ بِالْقَذْفِ ، وَنَفَى الْوَلَدَ إِذَا كَانَ مِنَ الْحَمْلِ الَّذِي بِهِ الْقَذْفُ ، وَلَمَّا نَفَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَلَدَ عَنِ الْعَجْلَانِيِّ بَعْدَمَا وَضَعَتْهُ أُمُّهُ وَبَعْدَ تَفْرِيقِهِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ اسْتَدْلَلْنَا هَذَا الْحُكْمَ ، وَحُكْمُ أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ لَا يُنْفَى إِلَّا بِلِعَانٍ وَعَلَى أَنَّهُ كَانَ لِلزَّوْجِ نَفْيُهُ وَامْرَأَتُهُ عِنْدَهُ ، وَإِذَا لَاعَنَهَا كَانَ لَهُ نَفْيُ وَلَدِهَا إِنْ جَاءَتْ بِهِ بَعْدَ مَا يُطَلِّقُهَا ثَلَاثًا ، لِأَنَّهُ بِسَبَبِ النِّكَاحِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَاهُ يَوْمَ نَفَاهُ ، وَلَيْسَتْ لَهُ بِزَوْجَةٍ وَلَكِنَّهُ مِنْ زَوْجَةٍ كَانَتْ وَبِإِنْكَارٍ مُتَقَدِّمٍ لَهُ ، قَالَ : وَسَوَاءٌ قَالَ : رَأَيْتُ فُلَانًا يَزْنِي بِهَا أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ ، فَإِذَا قَذَفَهَا بِالزِّنَا ، وَادَّعَى الرُّؤْيَةَ لِلزِّنَا أَوْ لَمْ يَدَّعِهَا أَوْ قَالَ : اسْتِبْرَائُهَا قَبْلَ أَنْ تَحْمِلَ ، حَتَّى عَلِمْتُ أَنَّ الْحَمْلَ لَيْسَ مِنِّي أَوْ لَمْ يَقُلْهُ يُلَاعِنُهَا فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ كُلِّهَا ، وَيَنْفِي عَنْهُ الْوَلَدَ إِذَا أَنْكَرَهُ فِيهَا كُلِّهَا إِلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ , وَهِيَ فِي أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهَا زَنَتْ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ لَمْ يَرَهَا تَزْنِي قَبْلَهُ بِبَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ ، فَيَعْلَمُ أَنَّهُ ابْنُهُ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ زِنًا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَبَلُ مِنْهُ ، إِنَّمَا يُنْفَى عَنْهُ إِذَا ادَّعَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ . أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ : الرَّجُلُ يَقْذِفُ امْرَأَتَهُ ، وَهُوَ يُقِرُّ بِأَنَّهُ قَدْ أَصَابَهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي رَأَى عَلَيْهَا فِيهِ مَا رَأَى أَوْ قَبْلَ أَنْ يَرَى عَلَيْهَا مَا رَأَى أَيٌّ ، قَالَ : يُلَاعِنُهَا وَالْوَلَدُ لَهَا . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَرَأَيْتَ إِنْ نَفَاهُ بَعْدَ أَنْ تَضَعَهُ ؟ قَالَ : يُلَاعِنُهَا ، وَالْوَلَدُ لَهَا . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَبِهَذَا كُلِّهِ نَقُولُ وَهُوَ مَعْنَى الْكتاب وَالسُّنَّةِ ، إِلَّا أَنْ يُقِرَّ بِحَمْلِهَا ، فَلَا يَكُونُ لَهُ نَفْيُهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِهِ . أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ الرَّجُلُ : يَقْذِفُ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ تُهْدَى إِلَيْهِ ، قَالَ : يُلَاعِنُهَا وَالْوَلَدُ لَهَا . قَالَ : أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، أَنَّهُ قَالَ : يُلَاعِنُهَا وَالْوَلَدُ لَهَا إِذَا قَذَفَهَا قَبْلَ أَنْ تُهْدَى إِلَيْهِ . أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ : يَا زَانِيَةُ ، وَهُوَ يَقُولُ : لَمْ أَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا ، قَالَ : يُلَاعِنُهَا . وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ يَنْفِي الْوَلَدَ ، إِذَا قَالَ قَدِ اسْتَبْرَأْتُهَا ، فَكَأَنَّهُ إِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى نَفْيِ الْوَلَدِ عَنِ الْعَجْلَانِيِّ إِذْ قَالَ لَمْ أَقْرَبْهَا مُنْذُ كَذَا وَكَذَا ، وَلَسْنَا نَقُولُ بِهَذَا نَحْنُ نَنْفِي الْوَلَدَ عَنْهُ بِكُلِّ حَالٍ ، إِذَا أَنْكَرَهُ فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : آخُذُ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَا جَاءَ ، قِيلَ لَهُ : فَالْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْعَجْلَانِيَّ سَمَّى الَّذِي رَأَى بِعَيْنِهِ يَزْنِي بِهَا ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْ هُوَ امْرَأَتَهُ مُنْذُ أَشْهُرٍ صلى الله عليه وسلم الْعَلَامَةَ الَّتِي تُثْبِتُ صِدْقَ الزَّوْجِ فِي الْوَلَدِ ، أَفَرَأَيْتَ إِنْ قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ، وَلَمْ يُسَمِّ مَنْ أَصَابَهَا ، وَلَمْ يَدَّعِ رُؤْيَتَهُ ؟ فَإِنْ قَالَ : يُلَاعِنُهَا ، قِيلَ لَهُ : أَفَرَأَيْتَ إِنْ أَنْكَرَ الْحَمْلَ ، وَلَمْ يَرَ الْحَاكِمُ فِيهِ عَلَامَةً بِصِدْقِ الزَّوْجِ أَيَنْفِيهِ ؟ ، فَإِنْ قَالَ : نَعَمْ ، قِيلَ : فَقَدْ لَاعَنَتْ قَبْلَ ادِّعَاءِ رُؤْيَتِهِ ، وَإِنَّمَا لَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِادِّعَاءِ رُؤْيَةِ الزَّوْجِ ، وَنَفَيْتَ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى صِدْقِ الزَّوْجِ ، وَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِدْقَ الزَّوْجِ فِي شَبَهِ الْوَلَدِ . فَإِنْ قَالَ : فَمَا حُجَّتُنَا وَحُجَّتُكَ فِي هَذَا ؟ قُلْتُ : مِثْلُ حُجَّتِنَا إِذَا فَارَقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ قُلْنَا : قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَتْ سُنَّةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ الْفُرْقَةَ ، وَلَمْ يَقُلْ حِينَ فَرَّقَ : إِنَّهَا ثَلَاثٌ ، فَإِنْ قَالَ : وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى مَا وَصَفْتَ مِنْ أَنْ يُنْفَى الْوَلَدُ ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الزَّوْجُ الِاسْتِبْرَاءَ وَيُلَاعَنَ ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الزَّوْجُ الرُّؤْيَةَ ؟ قِيلَ : مِثْلُ الدَّلِيلِ عَلَى كَيْفَ لَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْ لَمْ يَحْكِ عَنْهُ ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُعِدْ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَأَوْجَدْنَا مَا وَصَفْتَ ، قُلْتُ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ : ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً سورة النور آية 4 ، فَكَانَتِ الْآيَةُ عَامَّةً عَلَى رَامِي الْمُحْصَنَةِ ، فَكَانَ سَوَاءٌ ، قَالَ الرَّامِي لَهَا : رَأَيْتُهَا تَزْنِي أَوْ رَمَاهَا ، وَلَمْ يَقُلْ : رَأَيْتُهَا تَزْنِي فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ اسْمُ الرَّامِي ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ إِلَى فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ سورة النور آية 6 الْآيَةُ . فَكَانَ الزَّوْجُ رَامِيًا ، قَالَ : رَأَيْتُ أَوْ عَلِمْتُ بِغَيْرِ رُؤْيَةٍ ، فَلِمَا قُبِلَ مِنْهُ مَا لَمْ يَقُلْ فِيهِ مِمَّنِ الْقَذْفُ ، رَأَيْتُ يُلَاعِنُ بِهِ بِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ الْقَذَفَةِ غَيْرُ خَارِجٍ مِنْهُمْ إِذَا كَانَ إِنَّمَا قُبِلَ فِي هَذَا قَوْلُهُ ، وَهُوَ غَيْرُ شَاهِدٍ لِنَفْسِهِ قُبِلَ قَوْلُهُ ، إِنَّ هَذَا الْحَمْلَ لَيْسَ مِنِّي ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْتِبْرَاءً قَبْلَ الْقَذْفِ لِاخْتِلَافٍ بَيْنَ ذَلِكَ . قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ اسْتَبْرَأَهَا ، وَقَدْ عَلِقَتْ مِنَ الْوَطْءِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ ، وَقَالَتْ : قَدِ اسْتَبْرَأَنِي تِسْعَةَ أَشْهُرٍ حِضْتُ فِيهَا تِسْعَ حِيَضٍ ، ثُمَّ جَاءَتْ بَعْدُ بِوَلَدٍ لَزِمَهُ ، وَإِنَّ الْوَلَدَ يَلْزَمُهُ بِالْفِرَاشِ ، وَأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لَا مَعْنَى لَهُ مَا كَانَ الْفِرَاشُ قَائِمًا ، فَلَمَّا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِبْرَاءُ قَدْ كَانَ وَحَمْلٌ قَدْ تَقَدَّمَهُ ، فَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَهَا وَالْحَمْلُ مِنْ غَيْرِهِ وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا فِي جَمِيعِ دَعْوَاهُ لِلزِّنَا ، وَنَفْيِ الْوَلَدِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ الْحَدِّ بِاللِّعَانِ ، وَنَفَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ الْوَلَدَ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ ، إِنَّمَا هُوَ بِقَوْلِهِ ، وَلَمَّا كُنَّا إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ حَدَدْنَاهُ وَأَلْحَقْنَا بِهِ الْوَلَدَ ، اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنْ نَفْيَ الْوَلَدِ بِقَوْلِهِ ، وَلَوْ كَانَ نَفْيُ الْوَلَدِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالِاسْتِبْرَاءِ فَمَضَى الْحُكْمُ بِنَفْيِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُلْحِقَهُ نَفْسَهُ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِقَوْلِهِ فَقَطْ دُونَ الِاسْتِبْرَاءِ وَالِاسْتِبْرَاءُ غَيْرُ قَوْلِهِ ، فَلَمَّا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعْدَ مَا وَصَفَ مِنْ لِعَانِ الزَّوْجِ : وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ سورة النور آية 8 الْآيَةُ . اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْجَبَ عَلَيْهَا الْعَذَابَ ، وَالْعَذَابُ الْحَدُّ لَا تَحْتَمِلُ الْآيَةُ مَعْنًى غَيْرَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَقُلْنَا لَهُ حَالُهُ قَبْلَ الْتِعَانِهِ مِثْلُ حَالِهِ بَعْدَ الْتِعَانِهِ ، لِأَنَّهُ كَانَ مَحْدُودًا بِقَذْفِهِ إِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ بِاللِّعَانِ ، فَكَذَلِكَ أَنْتِ مَحْدُودَةٌ بِقَذْفِهِ وَالْتِعَانِهِ بِحُكْمِ اللَّهِ أَنَّكِ تَدْرَئِينَ الْحَدَّ بِهِ ، فَإِنْ لَمْ تَلْتَعِنِي حُدِدْتِ حَدَّكِ كَانَ حَدُّكِ رَجْمًا أَوْ جَلْدًا لَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَكِ وَبَيْنَهُ ، قَالَ : وَلَا يُلَاعَنُ وَلَا يُحَدُّ إِلَّا بِقَذْفٍ مُصَرَّحٍ ، وَلَوْ قَالَ لَمْ أَجِدْكِ عَذْرَاءَ مِنْ جِمَاعٍ ، وَكَانَتِ الْعُذْرَةُ تَذْهَبُ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَمِنْ جِمَاعٍ ، فَإِذَا قَالَ : هَذَا وُقِفَ ، فَإِنْ أَرَادَ الزِّنَا حُدَّ أَوْ لَاعَنَ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ حَلَفَ وَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ . أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ فِي الرَّجُلِ ، يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ : لَمْ أَجِدْكِ عَذْرَاءَ ، وَلَا أَقُولُ ذَلِكَ مِنْ زِنًا فَلَا يُحَدُّ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَإِنْ قَذَفَهَا وَلَمْ يُكْمِلِ اللِّعَانَ حَتَّى رَجَعَ حُدَّ وَهِيَ امْرَأَتُهُ . أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ : أَرَأَيْتَ الَّذِي يَقْذِفُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يَنْزِعُ عَنِ الَّذِي قَالَ قَبْلَ أَنْ يُلَاعِنَهَا ؟ قَالَ : هِيَ امْرَأَتُهُ وَيُحَدُّ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَإِنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا لَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ أَوْ خَالَعَهَا ، ثُمَّ قَذَفَهَا بِغَيْرِ وَلَدٍ حُدَّ ، وَلَا لِعَانَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ يَنْفِيهِ عَنْهُ . أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، أَنَّهُ قَالَ : إِذَا خَالَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ قَذَفَهَا حُدَّ ، وَإِنْ كَانَ وَلَدٌ يَنْفِيهِ لَاعَنَهَا بِنَفْيِ الْوَلَدِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَى الْوَلَدَ بَعْدَ الْفُرْقَةِ ، لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَهَا . فَإِنْ قَذَفَهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُلَاعِنَهَا وَرِثَتْهُ ، لِأَنَّهُمَا عَلَى النِّكَاحِ حَتَّى يَلْتَعِنَ هُوَ وَإِنْ قَذَفَهَا بَعْدَ طَلَاقٍ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فِي الْعِدَّةِ لَاعَنَهَا ، وَإِنِ انْقَضَتِ الْعِدَّةُ فَهِيَ مِثْلُ الْمَبْتُوتَةِ الَّتِي لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا ، وَمَنْ أَقَرَّ بِوَلَدِ امْرَأَتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ ، وَإِنْ قَذَفَهَا بَعْدَ مَا يُقِرُّ أَنَّهُ مِنْهُ جُلِدَ الْحَدَّ ، وَهُوَ وَلَدُهُ ، وَإِنْ قَالَ هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي وَقَدْ زَنَتْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَهُوَ مِنْهُ وَيُلَاعِنُهَا ، لِأَنَّهَا قَدْ تَزْنِي قَبْلَ الْحَمْلِ مِنْهُ وَبَعْدَهُ ، وَلَيْسَ لَهُ نَفْيُ وَلَدِهِ بَعْدَ إِقْرَارِهِ بِهِ مَرَّةً ، فَأَكْثَرَ بِأَنْ لَا يَرَاهُ يُشْبِهُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الدَّلَالَاتِ إِذَا أَقَرَّ بِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَلَيْسَ لَهُ إِنْكَارُهُ بِحَالٍ أَبَدًا ، إِلَّا أَنْ يُنْكِرَهُ قَبْلَ إِقْرَارِهِ .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
إبراهيم بن سعد←ابن شهاب←عامر بن سعد←أبيه←ابن عيينة←ابن شهاب←عامر بن سعد←أبيه←سعيد بن سالم←ابن جريج←سعيد بن سالم←ابن جريج←سعيد←ابن جريج←عمرو بن دينار←سعيد←ابن جريج←ابن جريج←عطاء←سعيد بن سالم←ابن جريج←ابن جريج←عطاء
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده متصل ، رجاله ثقات ، رجاله رجال البخاري عدا محمد بن إدريس الشافعي روى له البخاري تعليقًا
إسناده متصل ، رجاله ثقات ، رجاله رجال البخاري عدا محمد بن إدريس الشافعي روى له البخاري تعليقًا
شجرة الإسناد — 3 الطرق
◈ المدار: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن … · ×2 ↗ افتح شجرة الإسناد كاملة