1880 قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ° , عَنْ نَافِعٍ ° , عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ° , عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ° زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدَّمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " لِتَنْظُرْ عِدَّةَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا ، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ , فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّي " . قَالَ : فَدَلَّ جَوَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا وَصَفْتُ مِنَ انْفِرَاقِ حَالِ المستحاضتين , وَفِي قَوْلِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَسْتَظْهِرَ بِطَرْفَةِ عَيْنٍ , وَذَلِكَ أَنَّهُ أَمَرَ إحْدَاهُمَا إذَا ذَهَبَتْ مُدَّةُ الْحَيْضِ أَنْ تَغْسِلَ عَنْهَا الدَّمَ وَتُصَلِّيَ , وَأَمَرَ الْأُخْرَى أَنْ تَرَبَّصَ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ ثُمَّ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ , وَالْحَدِيثَانِ جَمِيعًا يَنْفِيَانِ الِاسْتِظْهَارَ .
فَقُلْتُ لِلشَّافِعِيِّ : فَإِنَّا نَقُولُ : تَسْتَظْهِرُ الْحَائِضُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي , وَنَقُولُ : تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ , قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَحَدِيثَاكُمُ اللَّذَانِ تَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ يُخَالِفَانِ الِاسْتِظْهَارَ , وَالِاسْتِظْهَارُ خَارِجٌ مِنَ السُّنَّةِ , وَالْآثَارِ , وَالْمَعْقُولِ , وَالْقِيَاسِ , وَأَقَاوِيلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ . فَقُلْتُ : وَمِنْ أَيْنَ ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَرَأَيْتُمُ اسْتِظْهَارَهَا , مِنْ أَيَّامِ حَيْضِهَا أَمْ أَيَّامِ طُهْرِهَا ؟ فَقُلْتُ : هِيَ مِنْ أَيَّامِ حَيْضِهَا , فَقَالَ : فَأَسْمَعُكُمْ عَمَدْتُمْ إلَى امْرَأَةٍ كَانَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا خَمْسًا فَطَبَقَ عَلَيْهَا الدَّمُ , فَقُلْتُمْ : نَجْعَلُهَا ثَمَانِيًا , وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا إذَا مَضَتْ أَيَّامُ حَيْضِهَا قَبْلَ الِاسْتِحَاضَةِ أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ , وَجَعَلْتُمْ لَهَا وَقْتًا غَيْرَ وَقْتِهَا الَّذِي كَانَتْ تَعْرِفُ فَأَمَرْتُمُوهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُصَلِّيَ فِيهَا , قَالَ : أَفَرَأَيْتُمْ إنْ قَالَ لَكُمْ قَائِلٌ لَا يَعْرِفُ السُّنَّةَ : تَسْتَظْهِرُ بِسَاعَةٍ أَوْ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ , أَوْ تَسْتَظْهِرُ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ أَوْ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ , بِأَيِّ شَيْءٍ أَنْتُمْ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ أَحَدٍ إنْ قَالَ بِبَعْضِ هَذَا الْقَوْلِ , هَلْ يَصْلُحُ أَنْ يُوَقَّتَ الْعَدَدُ إلَّا بِخَبَرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ , أَوْ إجْمَاعٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ؟ وَلَقَدْ وَقَّتُّمُوهُ بِخِلَافِ مَا رَوَيْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَأَكْثَرِ أَقَاوِيلِ الْمُسْلِمِينَ , ثُمَّ قُلْتُمْ فِيهِ قَوْلًا مُتَنَاقِضًا , فَزَعَمْتُمْ أَنَّ أَيَّامَ حَيْضِهَا إنْ كَانَتْ ثَلَاثًا اسْتَظْهَرَتْ بِمِثْلِ أَيَّامِ حَيْضِهَا وَذَلِكَ ثَلَاثٌ , وَإِنْ كَانَ أَيَّامُ حَيْضِهَا اثْنَيْ عَشَرَ اسْتَظْهَرَتْ بِمِثْلِ رُبْعِ أَيَّامِ حَيْضِهَا وَذَلِكَ ثَلَاثٌ , وَإِنْ كَانَتْ أَيَّامُ حَيْضِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ لَمْ تَسْتَظْهِرْ بِشَيْءٍ , وَإِنْ كَانَتْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ اسْتَظْهَرَتْ بِيَوْمٍ , وَإِنْ كَانَتْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ اسْتَظْهَرَتْ بِيَوْمَيْنِ , فَجَعَلْتُمُ الِاسْتِظْهَارَ مَرَّةً ثَلَاثًا وَمَرَّةً يَوْمَيْنِ وَمَرَّةً يَوْمًا وَمَرَّةً لَا شَيْءَ , فَقُلْتُ لِلشَّافِعِيِّ : فَهَلْ رَوَيْتُمْ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ عَنْ صَاحِبِنَا شَيْئًا غَيْرَ هَذَا ؟ فَقَالَ : نَعَمْ , شَيْئًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , وَشَيْئًا عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ , عَنْ سَمِيٍّ , مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ , أَنَّ الْقَعْقَاعَ بْنَ حَكِيمٍ , وَزَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ أَرْسَلَاهُ إلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ لِيَسْأَلَهُ , كَيْفَ تَغْتَسِلُ الْمُسْتَحَاضَةُ ؟ فَقَالَ : تَغْتَسِلُ مِنْ طُهْرٍ إلَى طُهْرٍ وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ , فَإِنْ غَلَبَهَا الدَّمُ اسْتَثْفَرَتْ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ , عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , عَنْ أَبِيهِ , أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ إلَّا أَنْ تَغْتَسِلَ غُسْلًا وَاحِدًا ثُمَّ تَتَوَضَّأَ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ , قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ . فَقُلْتُ لِلشَّافِعِيِّ : فَإِنَّا نَقُولُ بِقَوْلِ عُرْوَةَ , وَنَدَعُ قَوْلَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ , فَتَرَكْتُمُوهُ كُلَّهُ ثُمَّ ادَّعَيْتُمْ قَوْلَ عُرْوَةَ وَأَنْتُمْ تُخَالِفُونَهُ فِي بَعْضِهِ , فَقُلْتُ : وَأَيْنَ ؟ قَالَ : قَالَ عُرْوَةُ : تَغْتَسِلُ غُسْلًا وَاحِدًا , يَعْنِي كَمَا تَغْتَسِلُ الْمُتَطَهِّرَةُ , وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ , يَعْنِي تَوَضُّؤًا مِنَ الدَّمِ لِلصَّلَاةِ لَا تَغْتَسِلُ مِنَ الدَّمِ , إنَّمَا أُلْقِيَ عَنْهَا الْغُسْلُ بَعْدَ الْغُسْلِ الْأَوَّلِ , وَالْغُسْلُ إنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدَّمِ وَجَعَلَ عَلَيْهَا الْوُضُوءَ , ثُمَّ زَعَمْتُمْ أَنَّهُ لَا وُضُوءَ عَلَيْهَا , فَخَالَفْتُمُ الْأَحَادِيثَ الَّتِي رَوَاهَا صَاحِبُنَا وَصَاحِبُكُمْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَابْنِ الْمُسَيِّبِ , وَعُرْوَةَ , وَأَنْتُمْ تَدَّعُونَ أَنَّكُمْ تَتَّبِعُونَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ , وَقَدْ خَالَفْتُمْ مَا رَوَى صَاحِبُنَا عَنْهُمْ كُلَّهُ إنَّهُ لَبَيِّنٌ فِي قَوْلِكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَتْرَكَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِجَمِيعِ أَقَاوِيلِهِمْ مِنْكُمْ مَعَ مَا تَبَيَّنَ فِي غَيْرِهِ , ثُمَّ مَا أَعْلَمُكُمْ ذَهَبْتُمْ إلَى قَوْلِ أَهْلِ بَلَدٍ غَيْرِهِمْ , فَإِذَا انْسَلَخْتُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ وَقَوْلِ أَهْلِ الْبُلْدَانِ وَمِمَّا رَوَيْتُمْ وَرَوَى غَيْرُكُمْ , وَالْقِيَاسُ , وَالْمَعْقُولُ , فَأَيُّ مَوْضِعٍ تَكُونُونَ بِهِ عُلَمَاءَ , وَأَنْتُمْ تُخْطِئُونَ مِثْلَ هَذَا وَتُخَالِفُونَ فِيهِ أَكْثَرَ النَّاسِ ؟ ؟ .