2072 أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ ° , عَنْ حَمَّادٍ ° , عَنْ إبْرَاهِيمَ ° , أَنَّ امْرَأَةً ضَرَبَتْ بَطْنَ ضَرَّتِهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَمَاتَتْ , فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدِيَتِهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ , وَقَضَى فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ عَلَى الْعَاقِلَةِ , فَقالتِ الْعَاقِلَةُ : أَتَكُونُ الدِّيَةُ فِيمَنْ لَا شَرِبَ ، وَلَا أَكَلَ ، وَلَا اسْتَهَلَّ ، فَدَمُ مِثْلِهِ يُطَلُّ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سَجْعٌ كَسَجْعِ الْجَاهِلِيَّةِ ، أَوْ شِعْرٌ كَشِعْرِهِمْ ، كَمَا قُلْتَ لَكُمْ : فِيهِ غُرَّةُ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ " . فَهَذَا قَدْ قَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ، وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ , وَهَذَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : الْعَقْلُ عَقْلَانِ : فَعَقْلُ الْعَمْدِ فِي مَالِ الْجَانِي دُونَ عَاقِلَتِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ , وَعَقْلُ الْخَطَإ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي ، قَلَّ ذَلِكَ الْعَقْلُ أَوْ كَثُرَ ؛ لِأَنَّ مَنْ غَرِمَ الْأَكْثَرَ غَرِمَ الْأَقَلَّ , فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْتَ ؟ قِيلَ لَهُ : نَعَمْ , مَا وَصَفْتُ أَوَّلًا كَافٍ مِنْهُ ، إذَا كَانَ أَصْلُ حُكْمِ الْعَمْدِ فِي مَالِ الْجَانِي ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ فِي أَنَّهُ فِيهِ , قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، ثُمَّ كَانَ أَصْلُ حُكْمِ الْخَطَإ فِي الْأَكْثَرِ فِي مَالِ الْعَاقِلَةِ , فَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْأَقَلِّ , فَإِنْ قَالَ : فَهَلْ مِنْ خَبَرٍ نُصَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قِيلَ : نَعَمْ , " قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِالدِّيَةِ " , وَلَا يَجُوزُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ خَبَرٌ غَيْرُ هَذَا ؛ إذْ سُنَّ أَنَّ دِيَةَ الْخَطَإ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ خَطَإٍ عَلَيْهَا ، أَوْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ ، فَيَقُولَ : كَانَ أَصْلُ الْجِنَايَاتِ عَلَى جَانِيهَا , فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي الْخَطَإِ , قُلْنَا : مَا بَلَغَ أَنْ يكُونَ دِيَةً فَعَلَى الْعَاقِلَةِ , وَمَا نَقَصَ مِنَ الدِّيَةِ فَعَلَى جَانِيهِ , وَأَمَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ : تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ الثُّلُثَ وَلَا تَعْقِلُ دُونَهُ , أَفَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لَهُ إنْسَانٌ : تَعْقِلُ التِّسْعَةَ الْأَعْشَارِ أَوِ الثُّلُثَيْنِ أَوِ النِّصْفَ وَلَا تَعْقِلُ دُونَهُ ، فَمَا حُجَّتُهُ عَلَيْهِ ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَهَلْ مِنْ خَبَرٍ يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْتَ ؟ قِيلَ : نَعَمْ , " قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ ، وَقَضَى بِهِ عَلَى الْعَاقِلَةِ " , وَذَلِكَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ , وَحَدِيثُهُ فِي أَنَّهُ " قَضَى فِي الْجَنِينِ عَلَى الْعَاقِلَةِ " أَثْبَتُ إسْنَادًا مِنْ أَنَّهُ " قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ " , وَإِذَا قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ حِينَ كَانَتْ دِيَةً وَنِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا مَعًا مِنَ الْخَطَإ , فَكَذَلِكَ يَقْضِي بِكُلِّ خَطَإ , وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ , وَإِنْ كَانَ دِرْهَمًا وَاحِدًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يَقْضِي عَلَيْهِمْ بِنِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ ، وَلَا يَقْضِي عَلَيْهِمْ بِمَا دُونَهُ , وَيَلْزَمُهُ فِي هَذَا مِثْلَ مَا لَزِمَ مَنْ قَالَ : يَقْضِي عَلَيْهِمْ بِثُلُثِ الدِّيَةِ ، وَلَا يَقْضِي عَلَيْهِمْ بِمَا دُونَهُ , فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّهُ قَدِ احْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِنِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ , وَأَنَّهُ لَا يُحْفَظُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَضَى فِيمَا دُونَ نِصْفِ الْعُشْرِ بِشَيْءٍ , قِيلَ لَهُ : فَإِنْ كُنْتَ إنَّمَا اتَّبَعْتَ الْخَبَرَ , فَقُلْتَ : اجْعَلِ الْجِنَايَاتِ عَلَى جَانِيهَا إلَّا مَا كَانَ فِيهِ خَبَرٌ لَزِمَكَ لِأَحَدٍ إنْ عَارَضَكَ أَنْ تَقُولَ : وَإِذَا جَنَى جَانٍ مَا فِيهِ دِيَةٌ أَوْ مَا فِيهِ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ فَهِيَ عَلَى عَاقِلَتِهِ , وَإِذَا جَنَى مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ دِيَةٍ وَأَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ دِيَةِ فَفِي مَالِهِ ، حَتَّى تَكُونَ امْتَنَعَتْ مِنَ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ , وَرَدَدْتَ مَا لَيْسَ فِيهِ خَبَرٌ نُصَّ إلَى الْأَصْلِ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ عَلَى جَانِيهَا , وَإِنْ رَدَدْتَ الْقِيَاسَ عَلَيْهِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ وَجْهَيْنِ , أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ لَمْ يَقْضِ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ بِشَيْءٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ هَدْرًا لَا عَقْلَ فِيهِ وَلَا قَوَدَ ، كَمَا تَكُونُ اللَّطْمَةُ وَاللَّكْزَةُ ، أَوْ يَكُونُ إذَا جَنَى جِنَايَةً اجْتَهَدْتَ فِيهَا الرَّأْيَ ، فَقَضَيْتَ فِيهَا بِالْعَقْلِ ، قِيَاسًا عَلَى الَّذِي قَضَى فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْجِنَايَاتِ , فَإِذَا كَانَ حَقٌّ أَنْ يَقْضِيَ فِي الْجِنَايَاتِ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ بِعَقْلٍ قِيَاسًا , فَالْحَقُّ أَنْ يَقْضِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِالْجِنَايَةِ الْخَطَإ مَا كَانَتْ ، قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ ، لَا يَجُوزُ إلَّا ذَلِكَ , وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَلَقَلَّمَا رَأَيْتَ بَعْضَ النَّاسِ عَابَ شَيْئًا إلَّا شَرَكَ فِي طَرَفٍ مِنْهُ , إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُحْسِنُ أَنْ يَتَخَلَّصَ بِأَكْثَرَ مِمَّا يَتَخَلَّصُ بِهِ غَيْرُهُ ، مِمَّا لَعَلَّ فِيهِ مُؤْنَةً عَلَى مَنْ جَهِلَ مَوْضِعَ الْحُجَّةِ , فَأَمَّا مَنْ عَلِمَهَا فَلَيْسَتْ عَلَيْهَا مُؤْنَةٌ فِيهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَالَ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنْ تَعْقِلَ الْعَاقِلَةُ الثُّلُثَ : كَأَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَ عَلَيْهِمُ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ يَفْدَحُ وَمَا دُونَهُ لَا يَفْدَحُ , قُلْنَا : فَلِمَ لَمْ تَجْعَلْ هَذَا فِي دَمِ الْعَمْدِ ، وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّهُ لَوْ لَزِمَهُ مِائَةُ دِيَةٍ عَمْدًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ أَنْ يُعِينُوهُ فِيهَا بِفَلْسٍ ، أَوْ رَأَيْتَ لَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ فِيهِ مَا وَصَفْتَ ، فَجَنَى جَانِيَانِ أَحَدُهُمَا مُعْسِرٌ بِدِرْهَمٍ وَالْآخَرُ مُوسِرٌ بِأَلْفِ أَلْفٍ ، أَمَا يَكُونُ الدِّرْهَمُ لِلْمُعْسِرِ بِهِ أَفْدَحَ مِنْ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ لِلْمُوسِرِ بِهَا , الَّذِي لَا يَكُونُ جُزْءًا مِنْ أَلْفٍ مِنْ مَالِهِ , فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا وَصَفْتَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فِي حَالِ الْجَانِي ، فَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ دِرْهَمًا فَفَدْحُهُ جَعَلْتُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ , وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ أَلْفَيْنِ وَلَا تَفْدَحُهُ لَمْ تَجْعَلْ عَلَى الْعَاقِلَةِ مِنْهَا شَيْئًا , فَإِنْ قَالَ : لَوْ قُلْتَ هَذَا خَرَجْتَ مِنَ السُّنَّةِ , قِيلَ : قَدْ خَرَجْتَ مِنَ السُّنَّةِ , وَلَمْ تَقُلْ ذَا وَلَا شَيْئًا لَهُ وَجْهٌ , قَالَ بَعْضُهُمْ : فَإِنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ : مِنَ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ أَنْ تَعْقِلَ الْعَاقِلَةُ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا , قُلْنَا : الْقَدِيمُ قَدْ يَكُونُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَيَلْزَمُ قَوْلُهُ , وَيَكُونُ مِنَ الْوُلَاةِ الَّذِينَ لَا يُقْتَدَى بِهِمْ ، وَلَا يَلْزَمُ قَوْلُهُمْ ، فَمِنْ أَيِّ هَذَا هُوَ ؟ قَالَ : أَظُنُّ أَنَّهُ أَعْلَاهَا وَأَرْفَعُهَا , قُلْتُ : أَفَنَتْرُكُ الْيَقِينَ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِنِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، لِظَنٍّ لَيْسَ مِمَّا أُمِرْنَا بِهِ , لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا إلَّا الْقِيَاسُ مَا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ لِلظَّنِّ , وَلَئِنْ أَدْخَلْتَ التُّهْمَةَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَلَى الرِّجَالِ الْمَأْمُونِينَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَكُمْ ؛ لِأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ الشَّهَادَةِ لِلتُّهْمَةِ عَلَى الَّذِي أَلْقَى كَلِمَةَ ظَنٍّ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ مُدْخَلَةً , وَلَقَلَّمَا رَأَيْتَ بَعْضَ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ يَذْهَبُ إلَّا إلَى ظَنٍّ يُمْكِنُ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا أَمْكَنَ ، فَيَسْتَوِي هُوَ وَغَيْرُهُ فِي حُجَّتِهِ , وَيَكُونُ الْيَقِينُ أَبَدًا مِنْ رِوَايَتِهِ وَرِوَايَةِ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ , وَكَذَلِكَ يَكُونُ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ , فَمَا حُجَّةُ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَطَعَ اللَّهُ بِهِ الْعُذْرَ وَالْقِيَاسَ وَالْمَعْقُولَ وَقَوْلَ عَوَامِّ أَهْلِ الْبُلْدَانِ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، إلَّا مَا وَصَفْتَ مِنْ ظَنٍّ هُوَ وَغَيْرُهُ فِيهِ يَسْتَوِيَانِ , وَلَوْ كَانَ الظَّنُّ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ مَا كَانَ الظَّنُّ وَحْدَهُ يَقُومُ مَقَامَهَا ، فَكَيْفَ إذَا كَانَ يُمْكِنُ غَيْرُهُ فِيهِ مِثْلَ مَا يُمْكِنُهُ , وَكَانَ يُخَالِفُ الْيَقِينَ مِنَ الْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ .