2079 أَخْبَرَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ الْحِمْصِيُّ ° , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جُرَيْجٍ ° , عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ° , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ° رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ : فِي رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلًا مُتَعَمِّدًا وَأَمْسَكَهُ آخَرُ , فَقَالَ : يُقْتَلُ الْقَاتِلُ ، وَيُحْبَسُ الْآخَرُ فِي السِّجْنِ حَتَّى يَمُوتَ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : حَدَّ اللَّهُ النَّاسَ عَلَى الْفِعْلِ نَفْسَهُ ، وَجَعَلَ فِيهِ الْقَوَدَ , فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى سورة البقرة آية 178 ، وَقَالَ : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا سورة الإسراء آية 33 . فَكَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ مَنْ خُوطِبَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، أَنَّ السُّلْطَانَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ عَلَى الْقَاتِلِ نَفْسِهِ , وَروي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّهُ قَالَ : " مَنِ اعْتَبَطَ مُسْلِمًا يُقْتَلُ فَهُوَ قَوَدُ يَدِهِ " , وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ سورة النور آية 2 ، وَقَالَ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً سورة النور آية 4 ، وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى يُقْتَدَى بِهِ حَدَّ أَحَدًا قَطُّ عَلَى غَيْرِ فِعْلِ نَفْسِهِ أَوْ قَوْلِهِ , فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَبَسَ رَجُلًا لِرَجُلِ فَقَتَلَهُ قُتِلَ بِهِ الْقَاتِلُ ، وَعُوقِبَ الْحَابِسُ ، وَلَا يَجُوزُ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى إذَا قَتَلْتَ الْقَاتِلَ بِالْقَتْلِ ، أَنْ أَقْتُلَ الْحَابِسَ بِالْحَبْسِ ، وَالْحَبْسُ غَيْرُ الْقَتْلِ , وَمَنْ قَتَلَ هَذَا فَقَدْ أَحَالَ حُكْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ إذَا قَالَ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى سورة البقرة آية 178 ، فَالْقِصَاصُ أَنْ يُفْعَلَ بِالْمَرْءِ مِثْلُ مَا فَعَلَ . وَقُلْنَا : أَرَأَيْتَ الْحَابِسَ إذَا اقْتَصَصْنَا مِنْهُ ، وَالْقِصَاصُ هُوَ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ ، هَلْ ثَمَّ قَتْلٌ فَيُقْتَلُ بِهِ , وَإِنَّمَا ثَمَّ حَبْسٌ ، وَالْحَبْسُ مَعْصِيَةٌ ، وَلَيْسَ فِيهَا قِصَاصٌ فَيُعَزَّرُ عَلَيْهَا , وَسَوَاءٌ حَبَسَهُ لِيَقْتُلَهُ أَوْ لَا يَقْتُلَهُ ، وَلَوْ كَانَ الْحَبْسُ يَقُومُ مَقَامَ الْقَتْلِ ، إذَا نَوَى الْحَابِسُ أَنْ يَقْتُلَ الْمَحْبُوسَ ، انْبَغَى لَوْ لَمْ يُقْتَلْ أَنْ يَقْتُلَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ الْفِعْلَ الَّذِي يُقِيمُهُ مَقَامَ الْقَتْلِ مَعَ النِّيَّةِ ، وَلَكِنَّهُ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ صَاحِبُنَا , وَعَلَى مَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَعَامَّةُ مَا أَدْخَلَ مُحَمَّدٌ عَلَى صَاحِبِنَا يَدْخُلُ وَأَكْثَرُ مِنْهُ , وَلَكِنْ مُحَمَّدٌ لَا يَسْلَمُ مِنْ أَنْ يَغْفُلَ فِي مَوْضِعٍ آخَرِ ، فَيَدْخُلَ فِي أَكْثَرَ مِمَّا عَابَ عَلَى صَاحِبِنَا , فَيَكُونَ جَمِيعُ مَا احْتَجَّ بِهِ عَلَى صَاحِبِنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ حُجَّةً عَلَيْهِ , فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا ذَلِكَ ؟ قِيلَ : يَزْعُمُ أَنَّ قَوْمًا لَوْ قَطَعُوا الطَّرِيقَ فَقَتَلُوا ، وَلَهُمْ قَوْمٌ رِدْءٌ حَيْثُ يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ , وَإِنْ كَانُوا لَا يَرَوْنَ مَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْقَتْلِ قُتِلَ الْقَاتِلُونَ بِقَتْلِهِمْ وَالرَّادُّونَ ، بِأَنَّ هَؤُلَاءِ قَتَلُوا بِقُوَّتِهِمْ . قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : فَقُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : أَورَوَيْتَ فِي هَذَا شَيْئًا ؟ فَلَمْ يَذْكُرْ رِوَايَةً ، فَقُلْتُ لَهُ : أَرَأَيْتَ رَجُلًا شَدِيدًا ، أَرَادَ رَجُلٌ ضَعِيفٌ أَنْ يَقْتُلَهُ ، فَقَالَ لِرَجُلٍ شَدِيدٍ : لَوْلَا ضَعْفِي قَتَلْتُ فُلَانًا , فَقَالَ : أَنَا أُكَتِّفُهُ لَكَ , فَكَتَّفَهُ وَجَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ وَرَفَعَ لِحْيَتَهُ حَتَّى أَبْرَزَ مَذْبَحَهُ ، وَأَعْطَى الضَّعِيفَ سِكِّينًا فَذَبَحَهُ , فَزَعَمْتُ أَنَّكَ تَقْتُلُ الذَّابِحَ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ ، وَلَا تَلْتَفِتُ إلَى مَعُونَةِ هَذَا الَّذِي كَانَ سَبَبَهُ ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ غَيْرُ الْفِعْلِ , وَإِنَّمَا يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ عَلَى الْفِعْلِ ، أَكَانَ هَذَا أَعْوَنَ عَلَى قَتْلِ هَذَا أَوِ الرِّدْءَ عَلَى قَتْلِ مَنْ مَرَّ فِي الطَّرِيقِ ؟ ثُمَّ تَقُولُ فِي الرِّدْءِ : لَوْ كَانُوا حَيْثُ لَا يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ ، وَإِنْ كَانُوا يَرَوْنَ الْقَوْمَ وَيُعَزِّزُونَهُمْ وَيُقَوُّونَهُمْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ إلَّا التَّعْزِيرُ ، فَمَنْ حَدَّ لَكَ حَيْثُ يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ , قَالَ : فَصَاحِبُكُمْ يَقُولُ مَعِي مِثْلُ هَذَا فِي الرِّدْءِ يُقْتَلُونَ , قُلْتُ : فَتَقُومُ لَكَ بِهَذَا حُجَّةٌ عَلَى غَيْرِكَ ، إنْ كَانَ قَوْلُكَ لَا يَكُونُ حُجَّةً , أَفَيَكُونُ قَوْلُ صَاحِبِنَا الَّذِي تَسْتَدْرِكُ عَلَيْهِ مِثْلَ هَذَا حُجَّةً ؟ قَالَ : فَلَا تَقُلْهُ , قُلْتُ : لَا , وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا يَعْقِلُ يَقُولُهُ , وَمَنْ قالهُ خَرَجَ مِنْ حُكْمِ الْكِتَابِ وَالْقِيَاسِ وَالْمَعْقُولِ , وَلَزِمَهُ كَثِيرٌ مِمَّا احْتَجَجْتَ بِهِ ، فَلَوْ كُنْتَ إذَا احْتَجَجْتَ فِي شَيْءٍ أَوْ عِبْتَهُ سَلِمْتَ مِنْهُ كَانَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ : يُقْتَلُ الْقَاتِلُ وَيُحْبَسُ الْمُمْسِكُ حَتَّى يَمُوتَ ، وَهُوَ لَا يَحْبِسُهُ حَتَّى يَمُوتَ ، فَخَالَفَ مَا احْتَجَّ بِهِ .