241 أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ° ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ° ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ حَاطِبٍ ° حَدَّثَهُ ، قَالَ : تُوُفِّيَ حَاطِبٌ ، فَأَعْتَقَ مَنْ صَلَّى مِنْ رَقِيقِهِ وَصَامَ ، وَكَانَتْ لَهُ أَمَةٌ نُوبِيَّةٌ قَدْ صَلَّتْ وَصَامَتْ وَهِيَ أَعْجَمِيَّةٌ لَمْ تَفْقَهْ ، فَلَمْ تُرِعْهُ إِلَّا بِحَمْلِهَا ، وَكَانَتْ ثَيِّبًا ، فَذَهَبَ إِلَى عُمَرَ فَحَدَّثَهُ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : لَأَنْتَ الرَّجُلُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ , فَأَفْزَعَهُ ذَلِكَ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا عُمَرُ ، فَقَالَ : أَحَبَلْتِ ؟ فَقَالَتْ : نَعَمْ ، مَنْ مَرَّ عَرَّسَ بِدِرْهَمَيْنِ ، وَإِذَا هِيَ تَسْتَهِلُّ بِذَلِكَ وَلَا تَكْتُمُهُ ، قَالَ : وَصَادَفَ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ، فَقَالَ : أَشِيرُوا عَلَيَّ ، قَالَ : وَكَانَ عُثْمَانُ جَالِسًا فَاضْطَجَعَ ، فَقَالَ : عَلِيٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهَا الْحَدُّ ، فَقَالَ : أَشِرْ عَلَيَّ يَا عُثْمَانُ ، فَقَالَ : قَدْ أَشَارَ عَلَيْكَ أَخَوَاكَ ، فَقَالَ : أَشِرْ أَنْتَ عَلَيَّ ، قَالَ : أَرَاهَا تَسْتَهِلُّ بِهِ كَأَنَّهَا لَا تَعْلَمُهُ ، وَلَيْسَ الْحَدُّ إِلا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ ، فَقَالَ عُمَرُ ° : " صَدَقْتَ صَدَقْتَ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، مَا الْحَدُّ إِلا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ ، فَجَلَدَهَا عُمَرُ مِائَةً ، وَغَرَبَّهَا عَامًا " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَخَالَفَ عَلِيًّا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ ، فَلَمْ يَحُدَّهَا حَدَّهَا عِنْدَهُمَا وَهُوَ الرَّجْمُ ، قَالَ : وَخَالَفَ عُثْمَانَ ، أَنْ لَا يَحُدَّهَا بِحَالٍ ، وَجَلَدَهَا مِائَةً وَغَرَّبَهَا عَامًا ، فَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ مِنْ خِلَافِهِ بَعْدَ حَدِّهِ إِيَّاهَا حَرْفٌ ، وَلَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُمْ لَهُ ، إِلَّا بِقَوْلِهِمُ الْمُتَقَدِّمِ قَبْلَ فِعْلِهِ . قَالَ : وَقَالَ بَعْضُ مَنْ يَقُولُ : مَا لَا يَنْبَغِي لَهُ إِذْ قَبِلَ حَدَّ عُمَرَ مَوْلَاةُ حَاطِبٍ كَذَا لَمْ يَكُنْ عُمَرُ لِيَحُدَّهَا ، إِلَّا بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَهَالَةً بِالْعِلْمِ ، وَجُرْأَةً عَلَى قَوْلِ ، مَا لَا يَعْلَمُ فَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى أَنْ يَقُولَ : إِنَّ قَوْلَ رَجُلٍ أَوْ عَمَلَهُ فِي خَاصِّ الْأَحْكَامِ مَا لَمْ يُحْكَ عَنْهُ وَعَنْهُمْ ، قَالَ : عِنْدَنَا مَا لَمْ يُعْلَمْ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَقَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي أَنْ لَا تُبَاعَ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ ، وَخَالَفَهُ عَلِيٌّ ، وَقَضَى عُمَرُ فِي الضِّرْسِ بِجَمَلٍ ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَجَعَلَ الضِّرْسَ سِنًّا فِيهَا خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ ، وَقَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ : لِلرَّجُلِ عَلَى امْرَأَتِهِ الرَّجْعَةُ حَتَّى تَطْهُرَ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، وَخَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ ، فَقَالَ : إِذَا طَعَنَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدِ انْقَطَعَتْ رَجْعَتُهُ عَنْهَا مَعَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ أَكْثَرُ مِمَّا وَصَفْتُ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَائِلَ السَّلَفِ ، يَقُولُ بِرَأْيِهِ ، وَيُخَالِفُهُ غَيْرُهُ ، وَيَقُولُ بِرَأْيِهِ وَلَا يُرْوَى عَنْ غَيْرِهِ فِيمَا قَالَ بِهِ شَيْءٌ ، فَلَا يُنْسَبُ الَّذِي لَمْ يُرْوَ عَنْهُ شَيْءٌ إِلَى خِلَافِهِ وَلَا مُوَافَقَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقُلْ لَمْ يُعْلَمْ قَوْلُهُ ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى مُوَافَقَتِهِ جَازَ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى خِلَافِهِ ، وَلَكِنَّ كُلًّا كَذِبٌ إِذَا لَمْ يُعْرَفْ قَوْلُهُ وَلَا الصِّدْقُ فِيهِ ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ مَا يُعْرَفُ إِذَا لَمْ يَقُلْ قَوْلًا ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَا يَرَى قَوْلَ بَعْضٍ حُجَّةً تَلْزَمُهُ إِذَا رَأَى خِلَافَهَا , وَأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ اللَّازِمَ إِلَّا الْكِتَابَ أَوِ السُّنَّةَ ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا قَطُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِلَى أَنْ يَكُونَ خَاصُّ الْأَحْكَامِ كُلِّهَا إِجْمَاعًا كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَجُمَلِ الْفَرَائِضِ ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا وَجَدُوا كِتَابًا أَوْ سُنَّةً اتَّبَعُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَإِذَا تَأَوَّلُوا مَا يَحْتَمِلُ فَقَدْ يَخْتَلِفُونَ ، وَلِذَلِكَ إِذَا قَالُوا فِيمَا لَمْ يَعْلَمُوا فِيهِ سُنَّةً اخْتَلَفُوا . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهِيَ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ دَعْوَى الِاجْتِمَاعِ فِي كُلِّ الْأَحْكَامِ ، لَيْسَ كَمَا ادَّعَى مَنِ ادَّعَى مَا وَصَفْتَ مِنْ هَذَا ، وَنَظَائِرَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهُ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ الْإِجْمَاعَ ، فِيمَا سِوَى جُمَلِ الْفَرَائِضِ الَّتِي كُلِّفَتْهَا الْعَامَّةُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا التَّابِعِينَ ، وَلَا الْقَرْنِ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ , وَلَا الْقَرْنِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ , وَلَا عَالِمٍ عَلِمْتُهُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ ، وَلَا أَحَدٍ نَسَبَتْهُ الْعَامَّةُ إِلَى عِلْمٍ ، إِلَّا حَدِيثًا مِنَ الزَّمَانِ ، فَإِنَّ قَائِلًا قَالَ فِيهِ بِمَعْنًى لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَرَفَهُ ، وَقَدْ حَفِظْتُ عَنْ عَدَدٍ مِنْهُمْ إِبْطَالَهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَمَتَى كَانَتْ عَامَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي دَهْرٍ بِالْبُلْدَانِ عَلَى شَيْءٍ , أَوْ عَامَّةٌ قَبْلَهُمْ قِيلَ يُحْفَظُ عَنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ كَذَا ، وَلَمْ نَعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفًا ، وَنَأْخُذُ بِهِ ، وَلَا نَزْعُمُ أَنَّهُ قَوْلُ النَّاسِ كُلِّهِمْ ؛ لِأَنَّا لَا نَعْرِفُ مَنْ قَالَهُ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَنْ سَمِعْنَاهُ مِنْهُ أَوْ عَنْهُ ، قَالَ : وَمَا وَصَفْتَ مِنْ هَذَا قَوْلُ مَنْ حَفِظْتَ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ نَصًّا وَاسْتِدْلَالًا . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالْعِلْمُ مِنْ وَجْهَيْنِ اتِّبَاعٌ أَوِ اسْتِنْبَاطٌ ، وَالِاتِّبَاعُ اتِّبَاعُ كِتَابٍ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَسُنَّةٍ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَقَوْلِ عَامَّةٍ مِنْ سَلَفِنَا لَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيَاسٍ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ، فَقِيَاسٍ عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ، فَقِيَاسٍ عَلَى قَوْلِ عَامَّةٍ مِنْ سَلَفٍ لَا مُخَالِفَ لَهُ ، وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ إِلَّا بِالْقِيَاسِ ، وَإِذَا قَاسَ مَنْ لَهُ الْقِيَاسُ ، فَاخْتَلَفُوا وَسِعَ كُلًّا أَنْ يَقُولَ بِمَبْلَغِ اجْتِهَادِهِ ، وَلَمْ يَسَعْهُ اتِّبَاعُ غَيْرِهِ فِيمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ بِخِلَافِهِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ .