446 رَوَى الثَّقَفِيُّ ° , وَهُوَ ثِقَةٌ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى ، عَنْ جَابِرٍ ° ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، " قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ " .
فَقُلْتُ : فَلَمْ يَذْكُرْ جَابِرًا الْحُفَّاظُ ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَلَطٌ ، أَفَرَأَيْتَ لَوِ احْتَجَجْنَا عَلَيْكَ بِمِثْلِ حُجَّتِكَ ، فَقُلْنَا : هَذَا ظَنٌّ وَالثَّقَفِيُّ ثِقَةٌ , وَأَنَّ صُنْعَ غَيْرِهِ أَوْشَكَ ، قَالَ : فَإِذًا لَا تُنْصِفُ . قُلْتُ : وَكَذَلِكَ لَمْ تُنْصِفْ أَنْتَ حِينَ أَخْبَرْتَنِي أَنَّ الْحُفَّاظَ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، لَيْسَ فِيهِ تَوْرِيثُ مَالِهِ , وَقُلْتَ : هَذَا غَلَطٌ ، ثُمَّ احْتَجَجْتَ بِهِ , فَقال : لَوْ كَانَ ثَابِتًا , قُلْتُ : فَأَصْلُ مَا نَذْهَبُ إِلَيْهِ نَحْنُ وَأَنْتَ وَأَهْلُ الْعِلْمِ ، أَنَّ مَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَثَبَتَ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافُهُ ، وَلَوْ كَثُرُوا ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ ؟ قَالَ : أَجَلْ وَلَكِنِّي أَقُولُ : قَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ " الَّذِي لَمْ يُسْلِمْ قَطُّ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَقُلْتُ لَهُ : أَفَتَقُولُ هَذَا بِدَلَالَةٍ فِي الْحَدِيثِ ؟ قَالَ : لَا , وَلَكِنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَعْلَمُ بِهِ . فَقُلْتُ : أَيَرْوِي عَلِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْحَدِيثَ ، فَنَقُولُ : لَا يَدَعُ شَيْئًا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا وَقَدْ عَرَفَ مَعْنَاهُ ، فَيُوَجَّهُ عَلَى مَا قُلْتُ ؟ قَالَ : مَا عَلِمْتُهُ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قُلْتُ : أَفَيُمْكِنُ فِيهِ أَنْ لَا يَكُونَ سَمِعَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَقُلْتُ لَهُ : أَفَتَرَى لَكَ فِي هَذَا حُجَّةً ؟ قَالَ : لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ يَخْفَى مِثْلُ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، فَقُلْتُ : وَقَدْ وَجَدْتُكَ تُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَضَى فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ بِمِثْلِ صَدَاقِ نِسَائِهَا , وَكَانَتْ نُكِحَتْ عَلَى غَيْرِ صَدَاقٍ ، فَقَضَى بِخِلَافِهِ , وَقَدْ سَمِعْتُهُ ، وَقال مِثْلَ قَوْلِ عَلِيٍّ ابْنُ عُمَرَ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ . فَقُلْتُ : لَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ وَلَا فِي قَوْلِهِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقُلْتُ لَهُ : فَإِنْ قَالَ لَكَ قَائِلٌ : قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا قَالَ هَذَا زَيْدٌ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ؛ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ زَوْجَ بِرْوَعَ فَرَضَ لَهَا بَعْدَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ ، فَحَفِظَ مَعْقِلٌ أَنَّ عُقْدَةَ النِّكَاحِ بَعْدَ فَرِيضَةٍ , وَعَلِمَ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْفَرِيضَةَ قَدْ كَانَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ . قَالَ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ مَعْقِلٍ ، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَرْوُوهُ فَيَكُونُونَ قَالُوهُ بِرِوَايَةٍ . وَإِنَّمَا قَالُوا عِنْدَنَا بِالرَّأْيِ ، حَتَّى يَدَّعُوا فِيهِ رِوَايَةً . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَقُلْتُ : لِمَ لَا يَكُونُ مَا رَوَيْتَ عَنْ عَلِيٍّ فِي الْمُرْتَدِّ هَكَذَا ؟ قَالَ : وَقُلْتُ لَهُ : مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُوَرِّثُ الْمُسْلِمَ مِنَ الْكَافِرِ ، وَمُعَاوِيَةُ ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَغَيْرُهُمْ , وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ : نَرِثُهُمْ وَلَا يَرِثُونَا ، كَمَا تَحِلُّ لَنَا نِسَاؤُهُمْ , وَلَا تَحِلُّ لَهُمْ نِسَاؤُنَا , أَفَرَأَيْتَ إِنْ قَالَ لَكَ قَائِلٌ : فَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ " مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ حُكْمِهِ كَانَ عَلَيْهِمْ , وَلَيْسَ يَحِلُّ نِسَاؤُهُمْ , وَلَكِنَّ الْمُسْلِمَ يَرِثُ الْكَافِرَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، كَمَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْمَرْأَةِ مِنْهُمْ , قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ، وَالْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ كَثِيرًا مِمَّا حُمِّلَ , وَلَيْسَ مُعَاذٌ حُجَّةً , وَإِنْ قَالَ قَوْلًا ، وَاحْتَمَلَهُ الْحَدِيثُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ الْحَدِيثَ . قُلْتُ : فَنَقُولُ لَكَ : وَمُعَاذٌ يَجْهَلُ هَذَا , وَيَرْوِيهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَدْ يَجْهَلُ السُّنَّةَ الْمُتَقَدِّمُ الصُّحْبَةَ ، وَيَعْرِفُهَا قَلِيلُ الصُّحْبَةِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَقُلْتُ لَهُ : كَيْفَ لَمْ تَقُلْ هَذَا فِي الْمُرْتَدِّ ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَقَطَعَ الْكَلَامَ ، وَقال : وَلِمَ قُلْتَ : يَكُونُ مَالُ الْمُرْتَدِّ فَيْئًا ؟ قُلْتُ : بِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَرَّمَ دَمَ الْمُؤْمِنِ وَمَالَهُ إِلَّا بِوَاحِدَةٍ أَلْزَمَهُ إِيَّاهَا , وَأَبَاحَ دَمَ الْكَافِرِ وَمَالَهُ ، إِلَّا بِأَنْ يُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ ، أَوْ يُسْتَأْمَنَ إِلَى مُدَّةٍ , فَكَانَ الَّذِي يُبَاحُ بِهِ دَمُ الْبَالِغِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ هُوَ الَّذِي يُبَاحُ بِهِ مَالُهُ , وَكَانَ الْمَالُ تَبَعًا لِلَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْمَالِ , فَلَمَّا خَرَجَ الْمُرْتَدُّ مِنَ الْإِسْلَامِ صَارَ فِي مَعْنَى مَنْ أُبِيحَ دَمُهُ بِالْكُفْرِ لَا بِغَيْرِهِ ، وَكَانَ مَالُهُ تَبَعًا لِدَمِهِ , وَيُبَاحُ بِالَّذِي أُبِيحَ بِهِ مِنْ دَمِهِ , وَلَا يَكُونُ أَنْ تَنْحَلَّ عَنْهُ عُقْدَةُ الْإِسْلَامِ ، فَيُبَاحَ دَمُهُ وَيُمْنَعَ مَالَهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَقال : فَإِنْ كُنْتَ شَبَّهْتَهُ بِأَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ ، فَقَدْ جَمَعْتَ بَيْنَهُمْ فِي شَيْءٍ , وَفَرَّقْتَهُ فِي آخَرَ . قُلْتُ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : أَنْتَ لَا تَغْنَمُ مَالَهُ حَتَّى يَمُوتَ ، أَوْ تَقْتُلَهُ , وَقَدْ يُغْنَمُ مَالُ الْحَرْبِيِّ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَتَقْتُلَهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَقُلْتُ لَهُ : الْحُكْمُ فِي أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ حُكْمَانِ ؛ فَأَمَّا مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ ، فَأُغِيرُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ آخُذُ مَالَهُ ، وَإِنْ لَمْ أَقْتُلْهُ , وَأَمَّا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ ، فَلَا أُغِيرُ عَلَيْهِ حَتَّى أَدْعُوَهُ , وَلَا أَغْنَمُ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا حَتَّى أَدْعُوَهُ فَيَمْتَنِعُ ، فَيَحِلُّ دَمُهُ وَمَالُهُ , فَلَمَّا كَانَ الْقَوْلُ فِي الْمُرْتَدِّ أَنْ يُدْعَى لَمْ يُغْنَمْ مَالُهُ حَتَّى يُدْعَى , فَإِذَا امْتَنَعَ قُتِلَ وَغُنِمَ مَالُهُ .