54 أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ° ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ° ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ° ، قَالَ : " رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ ، فَلَمْ يَجِدُوهُ ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَضُوءٍ ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ ، قَالَ : فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ، فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ " .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانَ يَغْتَسِلُ وَبَعْضُ نِسَائِهِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ ، فَإِذَا تَوَضَّأَ النَّاسُ مَعًا ، فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا وَقْتَ فِيمَا يَطْهُرُ مِنَ الْمُتَوَضِّئِ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا الْإِتْيَانُ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ غَسْلٍ وَمَسْحٍ ، وَكَذَلِكَ إِذَا اغْتَسَلَ الِاثْنَانِ مَعًا ، فَإِذَا أَتَى الْمَرْءُ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ غَسْلٍ وَمَسْحٍ ، فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ ، قَلَّ الْمَاءُ أَوْ كَثُرَ ، وَقَدْ يُرْفِقُ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ فَيَكْفِي وَيَخْرِقُ بِالْكَثِيرِ فَلَا يَكْفِي ، وَأَقَلُّ مَا يَكْفِي فِيمَا أُمِرَ بِغَسْلِهِ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ الْمَاءَ ، ثُمَّ يُجْرِيَهُ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ، فَإِنْ جَرَى الْمَاءُ بِنَفْسِهِ ، حَتَّى أَتَى عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ أَمَرَّ بِهِ عَلَى يَدِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ بِتَحْرِيكٍ لَهُ بِالْيَدَيْنِ كَانَ أَنْقَى ، وَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ مِشْقٌ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا يَصْبُغُ الْجَسَدَ ، فَأَمَرَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَذْهَبْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِعَادَةُ غَسْلِ الْعُضْوِ إِذَا أَجْرَى الْمَاءَ عَلَيْهِ ، فَقَدْ جَاءَ بِأَقَلَّ مَا يَلْزَمُهُ ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ لَوْ غَسَلَهُ حَتَّى يَذْهَبَ كُلَّهُ ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ عِلْكٌ أَوْ شَيْءٌ ثَخِينٌ ، فَيَمْنَعُ الْمَاءَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْجِلْدِ لَمْ يُجْزِهِ وُضُوءُ ذَلِكَ الْعُضْوِ ، حَتَّى يُزِيلَ عَنْهُ ذَلِكَ أَوْ يُزِيلَ مِنْهُ مَا يَعْلَمُ أَنَّ الْمَاءَ قَدْ مَاسَّ مَعَهُ الْجِلْدَ كُلَّهُ لَا حَائِلَ دُونَهُ ؛ فَأَمَّا الرَّأْسُ فَيَأْخُذُ مِنَ الْمَاءِ بِمَا شَاءَ مِنْ يَدِهِ ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِرَأْسِهِ إِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ أَوْ شَعْرَهُ الَّذِي عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ أَيْضًا دُونَ مَا يَمْسَحُ مِنْ شَعْرِهِ حَائِلٌ لَمْ يُجْزِهِ ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ دُونَ الرَّأْسِ حَائِلٌ وَلَا شَعْرَ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ ، حَتَّى يُزِيلَ الْحَائِلَ ، فَيُبَاشِرَ بِالْمَسْحِ رَأْسَهُ أَوْ شَعْرَهُ ، وَإِنِ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ جَارٍ ، أَوْ نَاقِعٍ لَا يَنْجُسُ انْغِمَاسَةً تَأْتِي عَلَى جَمِيعِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ يَنْوِي الطَّهَارَةَ بِهَا أَجْزَأَهُ ، وَكَذَلِكَ إِنْ جَلَسَ تَحْتَ مَصَبِّ مَاءٍ ، أَوْ سِرْبٍ لِلْمَطَرِ ، أَوْ مَطَرٍ يَنْوِي بِهِ الطَّهَارَةَ ، فَيَأْتِي الْمَاءُ عَلَى جَمِيعِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا شَيْءٌ أَجْزَأَهُ . وَلَا يُجْزِئُ الْوُضُوءُ إِلَّا بِنِيَّةٍ ، وَيَكْفِيهِ مِنَ النِّيَّةِ فِيهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ ، يَنْوِي طَهَارَةً مِنْ حَدَثٍ ، أَوْ طَهَارَةً لِصَلَاةِ فَرِيضَةٍ ، أَوْ نَافِلَةٍ ، أَوْ لِقِرَاءَةِ مُصْحَفٍ ، أَوْ صَلَاةٍ عَلَى جِنَازَةٍ ، أَوْ مِمَّا أَشْبَهَ هَذَا مِمَّا لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا طَاهِرٌ . قَالَ : وَلَوْ وَضَّأَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ بِلَا نِيَّةٍ ، ثُمَّ نَوَى فِي الْبَاقِي لَمْ يُجْزِهِ إِلَّا أَنْ يَعُودَ لِلَّذِي وَضَّأَ بِلَا نِيَّةٍ ، فَيُحْدِثَ لَهُ نِيَّةً يُجْزِئُهُ بِهَا الْوُضُوءُ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَيَغْسِلُ مَا بَعْدَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَيَغْسِلُ مَا بَعْدَهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَإِذَا قَدَّمَ النِّيَّةَ مَعَ أَخْذِهِ فِي الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ الْوُضُوءُ ، فَإِنْ قَدَّمَهَا قَبْلُ ثُمَّ عَزَبَتْ عَنْهُ لَمْ يُجْزِهِ ، وَإِذَا تَوَضَّأَ وَهُوَ يَنْوِي الطَّهَارَةَ ، ثُمَّ عَزَبَتْ عَنْهُ النِّيَّةُ أَجْزَأَتْهُ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ ، فَيَسْتَبِيحُ بِهَا الْوُضُوءَ مَا لَمْ يُحْدِثْ نِيَّةَ أَنْ يَتَبَرَّدَ بِالْمَاءِ أَوْ يَتَنَظَّفَ بِالْمَاءِ لَا يَتَطَهَّرَ بِهِ ، وَإِذَا وَضَّأَ وَجْهَهُ يَنْوِي الطَّهَارَةَ ، ثُمَّ نَوَى بِغُسْلِ يَدَيْهِ ، وَمَا بَقِيَ مِنْ جَسَدِهِ التَّنْظِيفَ أَوِ التَّبْرِيدَ لَا الطَّهَارَةَ لَمْ يُجْزِهِ الْوُضُوءُ حَتَّى يَعُودَ لِغَسْلِ أَعْضَائِهِ الَّتِي أَحْدَثَ فِيهَا غَيْرَ نِيَّةِ الطَّهَارَةِ ، فَإِذَا وَضَّأَ نَفْسَهُ أَوْ وَضَّأَ غَيْرَهُ فَسَوَاءٌ ، وَيَأْخُذُ لِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ مَاءً غَيْرَ الْمَاءِ الَّذِي أَخَذَ لِلْآخَرِ ، وَلَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِفَضْلِ بَلَلِ وُضُوءِ يَدَيْهِ ، أَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِبَلَلِ لِحْيَتِهِ لَمْ يُجْزِهِ وَلَا يُجْزِئُهُ إِلَّا مَاءٌ جَدِيدٌ . قَالَ الرَّبِيعُ : وَلَوْ غَسَلَ وَجْهَهُ بِلَا نِيَّةِ طَهَارَةٍ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ بَعْدُ ، وَمَسَحَ رَأْسَهُ ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ يَنْوِي الطَّهَارَةَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ غَسْلَ الْوَجْهِ يَنْوِي بِهِ الطَّهَارَةَ ، وَغَسَلَ مَا بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّا غَسَلَ لَا يَنْوِي بِهِ الطَّهَارَةَ ، حَتَّى يَأْتِيَ الْوُضُوءُ عَلَى مَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ شَيْءٍ قَبْلَ شَيْءٍ ، وَإِنْ كَانَ غَسَلَ وَجْهَهُ يَنْوِي الطَّهَارَةَ ، وَيَدَيْهِ ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ لَا يَنْوِي الطَّهَارَةَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ الرِّجْلَيْنِ فَقَطِ الَّذِي لَمْ يَنْوِ بِهِمَا طَهَارَةً . وَلَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ غَمَسَ فِيهِ ثَوْبًا لَيْسَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ ، وَالْمَاءُ بِحَالِهِ لَمْ يَخْلِطْهُ شَيْءٌ ، يَصِيرُ إِلَيْهِ مُسْتَهْلِكًا فِيهِ أَجْزَأَهُ الْوُضُوءُ بِهِ . وَلَوْ تَوَضَّأَ بِفَضْلِ غَيْرِهِ أَجْزَأَهُ ، وَلَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ تَوَضَّأَ بِهِ رَجُلٌ لَا نَجَاسَةَ عَلَى أَعْضَائِهِ لَمْ يُجْزِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ قَدْ تُوَضِّئَ بِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ قَدِ اغْتَسَلَ فِيهِ رَجُلٌ ، وَالْمَاءُ أَقَلُّ مِنْ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ خَمْسَ قِرَبٍ أَوْ أَكْثَرَ ، فَانْغَمَسَ فِيهِ رَجُلٌ لَا نَجَاسَةَ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ بِهِ أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُفْسِدُهُ , وَإِنَّمَا قُلْتُ لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ بِمَاءٍ قَدْ تَوَضَّأَ بِهِ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ سورة المائدة آية 6 فَكَانَ مَعْقُولًا أَنَّ الْوَجْهَ لَا يَكُونُ مَغْسُولًا إِلَّا بِأَنْ يُبْتَدَأَ لَهُ مَاءٌ ، فَيُغْسَلَ بِهِ ، ثُمَّ عَلَيْهِ فِي الْيَدَيْنِ عِنْدِي مِثْلُ مَا عَلَيْهِ فِي الْوَجْهِ ، مِنْ أَنْ يَبْتَدِئَ لَهُ مَاءً فَيَغْسِلَهُ بِهِ ، وَلَوْ أَعَادَ عَلَيْهِ الْمَاءَ الَّذِي غَسَلَ بِهِ الْوَجْهَ ، كَأَنْ لَمْ يُسَوِّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَوَجْهِهِ ، وَلَا يَكُونُ مُسَوِّيًا بَيْنَهُمَا ، حَتَّى يَبْتَدِئَ لَهُمَا الْمَاءَ كَمَا ابْتَدَأَ لِوَجْهِهِ ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ لِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ مَاءً جَدِيدًا ، وَلَوْ أَصَابَ هَذَا الْمَاءُ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ عَلَى الْبَدَنِ ثَوْبَ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ أَوْ غَيْرَهُ ، أَوْ صُبَّ عَلَى الْأَرْضِ ، لَمْ يَغْسِلْ مِنْهُ الثَّوْبَ ، وَصَلَّى عَلَى الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجَسٍ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمِنْ أَيْنَ لَمْ يَكُنْ نَجِسًا ؟ قِيلَ : مِنْ قِبَلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مِنَ الْوُضُوءِ مَا يُصِيبُ ثِيَابَهُ ، وَلَمْ نَعْلَمْهُ غَسَلَ ثِيَابَهُ مِنْهُ ، وَلَا أَبْدَلَهَا ، وَلَا عَلِمْتُ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَانَ مَعْقُولًا إِذَا لَمْ يُمَاسَّ الْمَاءَ نَجَاسَةٌ لَا يَنْجُسُ ، فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ نَجِسًا ؟ قِيلَ : لِمَا وَصَفْنَا ، وَإِنَّ عَلَى النَّاسِ تَعَبُّدًا فِي أَنْفُسِهِمْ بِالطَّهَارَةِ ، مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ تُمَاسَّ أَبْدَانَهُمْ ، وَلَيْسَ عَلَى ثَوْبٍ ، وَلَا عَلَى أَرْضٍ تَعَبُّدٌ ، وَلَا أَنْ يُمَاسَّهُ مَاءٌ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ .