563 أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ° ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ° ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ° ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ° كَانَ يَقُولُ : " هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ ، حَتَّى تَحْصُلَ أَمْوَالُكُمْ ، فَتُؤَدُّونَ مِنْهَا الزَّكَاةَ " .
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : وَحَدِيثُ عُثْمَانَ يُشْبِهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمَرَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ قَبْلَ حُلُولِ الصَّدَقَةِ فِي الْمَالِ فِي قَوْلِهِ : هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ ، يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ : هَذَا الشَّهْرُ الَّذِي إِذَا مَضَى حَلَّتْ زَكَاتُكُمْ ، كَمَا يُقَالُ : شَهْرُ ذِي الْحِجَّةِ , وَإِنَّمَا الْحِجَّةُ بَعْدَ مُضِيِّ أَيَّامٍ مِنْهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ مِائَتَا دِرْهَمٍ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِائَتَا دِرْهَمٍ ، فَقَضَى مِنَ الْمِائَتَيْنِ شَيْئًا قَبْلَ حُلُولِ الْمِائَتَيْنِ , أَوِ اسْتَعْدَى عَلَيْهِ السُّلْطَانُ قَبْلَ مَحَلِّ حَوْلِ الْمِائَتَيْنِ فَقَضَاهَا ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْحَوْلَ حَالَ ، وَلَيْسَتْ مِائَتَيْنِ . قَالَ : وَإِنْ لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِالْمِائَتَيْنِ إِلَّا بَعْدَ حَوْلِهَا ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهَا خَمْسَةَ دَرَاهِمَ ، ثُمَّ يَقْضِي عَلَيْهِ السُّلْطَانُ بِمَا بَقِيَ مِنْهَا . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَكَذَا لَوِ اسْتَعْدَى عَلَيْهِ السُّلْطَانُ قَبْلَ الْحَوْلِ ، فَوَقَفَ مَالَهُ ، وَلَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ ، حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاتَهَا ، ثُمَّ يَدْفَعَ إِلَى غُرَمَائِهِ مَا بَقِيَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَوْ قَضَى عَلَيْهِ السُّلْطَانُ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْحَوْلِ ، ثُمَّ حَالَ الْحَوْلُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْغُرَمَاءُ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ صَارَ لِلْغُرَمَاءِ دُونَهُ قَبْلَ الْحَوْلِ , وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ : أَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ كَانَ مِنْهُ ، وَمِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَوْ طَرَأَ لَهُ مَالٌ غَيْرُ هَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ هَذَا الْمَالَ ، وَأَنْ يُقْضِيَ الْغُرَمَاءَ مِنْ غَيْرِهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَإِذَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ الزَّكَاةَ فِي مَاله , فَقَدْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ مَالِهِ إِلَى مَنْ جَعَلَهَا لَهُ ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَالٍ كَانَ فِي يَدِهِ ، فَاسْتُحِقَّ بَعْضُهُ ، فَيُعْطِي الَّذِي اسْتَحَقَّهُ ، وَيَقْضِي دَيْنَهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ بَقِيَ لَهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَكَذَا هَذَا فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ وَالْمَاشِيَةِ كُلِّهَا ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَهَا بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِمَّا قَدْ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّ فِي كُلِّهِ إِذَا بَلَغَ مَا وُصِفَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّدَقَةَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَكَذَا هَذَا فِي صَدَقَةِ الْإِبِلِ الَّتِي صَدَقَتُهَا مِنْهَا ، وَالَّتِي فِيهَا الْغَنَمُ وَغَيْرُهَا ، كَالْمُرْتَهِنِ بِالشَّيْءِ ، فَيَكُونُ لِصَاحِبِ الرَّهْنِ مَا فِيهِ ، وَلِغُرَمَاءِ صَاحِبِ الْمَالِ مَا فَضَلَ عَنْهُ ، وَفِي أَكْثَرَ مِنْ حَالِ الْمُرْتَهِنِ , وَمَا وَجَبَ فِي مَالٍ فِيهِ الصَّدَقَةُ مِنْ إِجَارَةِ أَجِيرٍ وَغَيْرِهَا أُعْطِيَ قَبْلَ الْحَوْلِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَوِ اسْتَأْجَرَ الرَّجُلَ عَلَى أَنْ يَرْعَى غَنَمَهُ بِشَاةٍ مِنْهَا بِعَيْنِهَا ، فَهِيَ مِلْكٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ , فَإِنْ قَبَضَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ فَهِيَ لَهُ ، وَلَا زَكَاةَ عَلَى الرَّجُلِ فِي مَاشِيَتِهِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ بَعْدَ شَاةِ الْأَجِيرِ , وَإِنْ لَمْ يَقْبِضِ الْأَجِيرُ الشَّاةَ ، حَتَّى حَالَ الْحَوْلُ ، فَفِي غَنَمِهِ الصَّدَقَةُ عَلَى الشَّاةِ حِصَّتُهَا مِنَ الصَّدَقَةِ ؛ لِأَنَّهُ خَلِيطٌ بِالشَّاةِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَكَذَا هَذَا فِي الرَّجُلِ يَسْتَأْجِرُ بِتَمْرِ نَخْلَةٍ بِعَيْنِهَا أَوْ نَخَلَاتٍ ، لَا يَخْتَلِفُ إِذَا لَمْ يَقْبِضِ الْإِجَارَةَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَإِنِ اسْتُؤْجِرَ بِشَيْءٍ مِنَ الزَّرْعِ قَائِمٍ بِعَيْنِهِ لَمْ تَجُزِ الْإِجَارَةُ بِهِ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ ، كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَضَى خَبَرٌ لَازِمٌ بِجَوَازِ بَيْعِهِ ، فَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ ، وَيَكُونُ كَالشَّاةِ بِعَيْنِهَا وَتَمْرِ النَّخْلَةِ وَالنَّخَلَاتِ بِأَعْيَانِهِنَّ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ بِشَاةٍ بِصِفَةٍ , أَوْ تَمْرٍ بِصِفَةٍ , أَوْ بَاعَ غَنَمًا ، فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ فِي غَنَمِهِ وَتَمْرِهِ وَزَرْعِهِ ، وَيُؤْخَذُ بِأَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى الْأَجِيرِ وَالْمُشْتَرِي مِنْهُ الصِّفَةَ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ ، مِنْ مَالِهِ الَّذِي أُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ أَوْ غَيْرِهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَسَوَاءٌ كَانَتْ لَهُ عُرُوضٌ كَثِيرَةٌ تَحْمِلُ دَيْنَهُ , أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ غَيْرُ الْمَالِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَقَامَ عَلَيْهِ غُرَمَاؤُهُ ، فَقَالَ : قَدْ حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ , وَقَالَ الْغُرَمَاءُ : لَمْ يَحُلْ عَلَيْهَا الْحَوْلُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَيُخْرِجُ مِنْهَا الزَّكَاةَ ، وَيَدْفَعُ مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَى غُرَمَائِهِ ، إِذَا كَانَ لَهُمْ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا بَقِيَ مِنْهَا أَوْ أَكْثَرُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَوْ كَانَتْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، فَقَالَ : قَدْ حَالَتْ عَلَيْهَا أَحْوَالٌ ، وَلَمْ أُخْرِجْ مِنْهَا الزَّكَاةَ ، وَكَذَّبَهُ غُرَمَاؤُهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، وَيُخْرِجُ مِنْهُ زَكَاةَ الْأَحْوَالِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ غُرَمَاؤُهُ مَا بَقِيَ مِنْهَا بَعْدَ الزَّكَاةِ أَبَدًا أَوْلَى بِهَا مِنْ مَالِ الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّهَا أَوْلَى بِهَا مِنْ مِلْكِ مَالِكِهَا . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ رَجُلًا أَلْفَ دِرْهَمٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَسَوَاءٌ , وَإِذَا حَالَ الْحَوْلُ عَلَى الدَّرَاهِمِ الْمَرْهُونَةِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ أَوْ بَعْدَهُ فَسَوَاءٌ , وَيُخْرِجُ مِنْهَا الزَّكَاةَ قَبْلَ دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَكَذَا كُلُّ مَالٍ رُهِنَ وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ .