← الأم للشافعي
الأم للشافعي
#740 2 : 175 ☰ باب الإحصار بالعدو
A− A+

724 أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ° ، عَنْ نَافِعٍ ° ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ° ، أَنَّهُ " خَرَجَ إلَى مَكَّةَ فِي الْفِتْنَةِ مُعْتَمِرًا ، فَقَالَ : إنْ صُدِدْتَ عَنِ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : يَعْنِي أَحْلَلْنَا كَمَا أَحْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ .

وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا فِي مِثْلِ الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْتُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ بِمَكَّةَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَهْلُ الشَّامِ ، فَرَأَى أَنَّهُمْ إنْ مَنَعُوهُ أَوْ خَافَهُمْ إنْ لَمْ يَمْنَعُوهُ أَنْ يُنَالَ فِي غِمَارِ النَّاسِ ، فَهُوَ فِي حَالِ مَنْ أُحْصِرَ ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَحِلَّ ، وَإِنْ أُحْصِرَ بِمُشْرِكِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ ، فَأَعْطَوْهُمُ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يَأْذَنُوا لَهُمْ فِي أَنْ يَحِلُّوا ، لَمْ يَكُنْ لَهُمُ الرُّجُوعُ ، وَكَانُوا كَغَيْرِ مُحْصَرِينَ ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ لَا يُوثَقُ بِأَمَانِهِ ، وَيُعْرَفُ غَدْرُهُمْ ، فَيَكُونُ لَهُمُ الِانْصِرَافُ إذَا كَانُوا هَكَذَا بَعْدَ الْإِحْلَالِ , وَلَوْ كَانُوا مِمَّنْ يُوثَقُ بِأَمَانِهِ بَعْدُ ، فَأَعْطَوْهُ أَنْ يَدْخُلَ فَيَحِلُّ عَلَى جُعْلٍ ، قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ , لَمْ أَرَ أَنْ يُعْطُوهُمْ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ لَهُمْ عُذْرًا فِي الْإِحْصَارِ يَحِلُّ لَهُمْ بِهِ الْخُرُوجُ مِنَ الْإِحْرَامِ ، وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَنَالَ مُشْرِكٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَخْذَ شَيْءٍ ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمُ الصَّغَارَ ، وَلَوْ فَعَلُوا مَا حُرِّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَرِهْتُهُ لَهُمْ ، كَمَا لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا وَهَبُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَمُبَاحٌ لِلْمُحْصَرِ قِتَالُ مَنْ مَنَعَهُ مِنَ الْبَيْتِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَمُبَاحٌ لَهُ الِانْصِرَافُ عَنْهُمْ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَدْ فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ ، فَقَاتَلَهُمْ وَانْصَرَفَ عَنْهُمْ ، وَلَوْ قَاتَلَهُمُ الْمُحْصَرُ فَقَتَلَ وَجَرَحَ ، وَأَصَابَ دَوَابَّ إنْسِيَّةً فَقَتَلَهَا ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ غُرْمٌ ، وَلَوْ قَاتَلَهُمْ فَأَصَابَ لَهُمْ صَيْدًا يَمْلِكُونَهُ جَزَاهُ بِمِثْلِهِ ، وَلَمْ يَضْمَنْ لَهُمْ شَيْئًا , وَلَوْ كَانَ الصَّيْدُ لِمَنْ هُوَ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَا يُقَاتِلُهُمْ فَأَصَابَهُ جَزَاهُ بِمِثْلِهِ وَضَمِنَهُ لِلْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ مَكَّةَ لَيْسَتْ بِدَارِ حَرْبٍ فَيُبَاحُ مَا فِيهَا ، وَلَوْ كَانَ الْوَحْشُ لِغَيْرِ مَالِكٍ جَزَاهُ الْمُحْرِمُ بِمِثْلِهِ إنْ شَاءَ مَكَانَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ فِدْيَةَ الرَّأْسِ فِي مَكَانِهِ ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا كَعْبًا ، وَجَعَلَ الْهَدْيَ فِي مَكَانِهِ ، وَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا سَاقَ مِنَ الْهَدْيِ تَطَوُّعًا فِي مَكَانِهِ ، فَيَكُونُ حَالُ الْإِحْصَارِ غَيْرَ حَالِ الْوُصُولِ ، وَلَوْ كَرِهْتُ أَنْ يُوَصِّلَهُ إلَى الْبَيْتِ لَمْ أَكْرَهْ ذَلِكَ ، إلَّا لَأَنْ يَحْدُثَ عَلَيْهِ حَدَثٌ ، فَلَا يُقْضَى عَنْهُ ، وَلَوْ أُحْصِرَ قَوْمٌ بِعَدُوٍّ فَأَرَادُوا الْإِحْلَالَ ، ثُمَّ قَاتَلُوهُمْ ، لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا ، وَلَوْ أُحْصِرَ قَوْمٌ بِعَدُوٍّ غَيْرَ مُقِيمِينَ بِمَكَّةَ ، أَوْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أُحْصِرُوا فِيهِ ، فَكَانَ الْمُحْرِمُ يُؤَمِّلُ انْصِرَافَهُمْ ، وَيَأْمَنُهُمْ فِي مَكَانِهِ ، لَمْ أَرَ أَنْ يَنْصَرِفَ أَيَّامًا ثَلَاثًا ، وَلَوْ زَادَ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ , وَلَوِ انْصَرَفَ بَعْدَ إحْلَالِهِ ، وَلَمْ يُتِمَّ ثَلَاثًا جَازَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى انْصِرَافِ الْعَدُوِّ مُغَيَّبٌ ، وَقَدْ يُرِيدُونَ الِانْصِرَافَ ، ثُمَّ لَا يَنْصَرِفُونَ ، وَلَا يُرِيدُونَهُ ، ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ ، وَإِنَّمَا كَانَ مُقَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ مُرَاسَلَةَ الْمُشْرِكِينَ وَمُهَادَنَتَهُمْ , وَلَوْ أُحْصِرَ قَوْمٌ بِعَدُوٍّ دُونَ مَكَّةَ ، وَكَانَ لِلْحَاجِّ طَرِيقٌ عَلَى غَيْرِ الْعَدُوِّ ، رَأَيْتُ أَنْ يَسْلُكُوا تِلْكَ الطَّرِيقَ إنْ كَانُوا يَأْمَنُونَ بِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ رُخْصَةٌ فِي الْإِحْلَالِ ، وَهُمْ يَأْمَنُونَ فِيهَا أَنْ يَصِلُوا إلَى الْبَيْتِ وَيَقْدِرُوا ، فَإِنْ كَانَتْ طَرِيقُهُمُ الَّتِي يَأْمَنُونَ فِيهَا بَحْرًا لَا بَرًّا , لَمْ يَلْزَمْهُمْ رُكُوبُ الْبَحْرِ ؛ لِأَنَّهُ مَخُوفُ تَلَفٍ ، وَلَوْ فَعَلُوا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ ، وَإِنْ كَانَ طَرِيقُهُمْ بَرًّا ، وَكَانُوا غَيْرَ قَادِرِينَ عَلَيْهِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ ، كَانَ لَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا إذَا كَانُوا غَيْرَ قَادِرِينَ عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ مُحْصَرِينَ بِعَدُوٍّ ، فَإِنْ كَانَ طَرِيقُهُمْ بَرًّا يَبْعُدُ ، وَكَانُوا قَادِرِينَ عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَبَدَانِ ، وَكَانَ الْحَجُّ يَفُوتُهُمْ وَهُمْ مُحْرِمُونَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا ، حَتَّى يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْإِحْلَالِ مِنَ الْحَجِّ الطَّوَافُ , وَالْقَوْلُ فِي أَنَّ عَلَيْهِمُ الْإِعَادَةُ ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِمْ وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَا إعَادَةَ لِلْحَجِّ عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْهُ بِعَدُوٍّ ، وَقَدْ جَاءُوا بِمَا عَلَيْهِمْ مِمَّا قَدَرُوا مِنَ الطَّوَافِ , وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ : وَعَلَيْهِمْ هَدْيٌ لِفَوْتِ الْحَجِّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْقِيَاسِ , وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ عَلَيْهِمْ حَجًّا وَهَدْيًا ، وَهُمْ كَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ مِمَّنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ إذَا صَارُوا إلَى الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ ، وَلِهَذَا وَجْهٌ ، وَلَوْ وَصَلُوا إلَى مَكَّةَ وَأُحْصِرُوا فَمُنِعُوا عَرَفَةَ ، حَلَّوْا بِطَوَافٍ ، وَسَعْيٍ ، وَحِلَاقٍ ، وَذَبْحٍ ، وَكَانَ الْقَوْلُ فِي هَذَا كَالْقَوْلِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا ، وَسَوَاءٌ الْمَكِّيُّ الْمُحْصَرُ إنْ أَقْبَلَ مِنْ أُفُقٍ مُحْرِمًا وَغَيْرُ الْمَكِّيِّ ، يَجِبُ عَلَى كُلٍّ مَا يَجِبُ عَلَى كُلٍّ ، وَإِنْ أُحْصِرَ الْمَكِّيُّ بِمَكَّةَ عَنْ عَرَفَةَ ، فَهُوَ كَالْغَرِيبِ يُحْصَرُ بِمَكَّةَ عَنْ عَرَفَةَ ، يَذْبَحَانِ ، وَيَطُوفَانِ ، وَيَسْعَيَانِ ، وَيَحِلَّانِ , وَالْقَوْلُ فِي قَضَائِهِمَا كَالْقَوْلِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَبْلَ مَسْأَلَتِهِمَا ، وَلَا يَخْرُجُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنْ مَكَّةَ ، إذَا كَانَ أَهَلَّا لَهُ بِالْحَجِّ ، وَلَوْ أَهَلَّا مِنْ مَكَّةَ ، فَلَمْ يَطُوفَا حَتَّى أُخْرِجَا مِنْهَا ، أَوْ أَحُصِرَا فِي نَاحِيَتِهِمَا ، وَمُنِعَا الطَّوَافَ ، كَانَا كَمَنْ أُحْصِرَ خَارِجًا مِنْهَا فِي الْقِيَاسِ , وَلَوْ تَرَبَّصَا لَعَلَّهُمَا يَصِلَانِ إلَى الطَّوَافِ كَانَ احْتِيَاطًا حَسَنًا ، وَلَوْ أُحْصِرَ حَاجٌّ بَعْدَ عَرَفَةَ بِمُزْدَلِفَةَ ، أَوْ بِمِنًى ، أَوْ بِمَكَّةَ ، فَمَنَعَ عَمَلَ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَالطَّوَافَ ، كَانَ لَهُ أَنْ يَذْبَحَ ، وَيَحْلِقَ ، أَوْ يُقَصِّرَ ، وَيَحِلَّ إذَا كَانَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنَ الْإِحْرَامِ كُلِّهِ كَانَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ بَعْضِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَحَلَّ إلَّا النِّسَاءَ قَضَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُحْصَرٌ بِعَدُوٍّ ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَمْسِكَ عَنِ الْإِحْلَالِ حَتَّى يَصِلَ إلَى الْبَيْتِ ، فَيَطُوفَ بِهِ وَيُهْرِيقَ دَمًا لِتَرْكِ مُزْدَلِفَةَ , وَدَمًا لِتَرْكِ الْجِمَارِ ، وَدَمًا لِتَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ بِمِنًى لَيَالِي مِنًى ، أَجْزَأَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ مَتَى طَافَ بِالْبَيْتِ ، وَإِنْ بَعْدَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ هَذَا كُلَّهُ بَعْدَ إحْصَارٍ ، ثُمَّ أَهَرَاقَ لَهُ دَمًا ، أَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَصَابَ صَيْدًا فَدَاهُ , وَإِنَّمَا يَفْسُدُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْزِيَ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ النِّسَاءُ فَقَطْ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُفْسِدُ الْحَجَّ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّا فَعَلَ فِيهِ , وَالْمُحْصَرُ بِعَدُوٍّ وَالْمَحْبُوسُ أَيَّ حَبْسٍ مَا كَانَ نَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ , فَإِنْ كَانُوا مُهَلِّينَ بِالْحَجِّ ، فَأَصَابُوا النِّسَاءَ قَبْلَ يَحِلُّونَ ، فَهُمْ مُفْسِدُونَ لِلْحَجِّ ، وَعَلَيْهِمْ مَعًا بَدَنَةٌ ، وَحَجٌّ بَعْدَ الْحَجِّ الَّذِي أَفْسَدُوهُ , وَإِذَا أَصَابُوا مَا فِيهِ الْفِدْيَةُ كَانَتْ عَلَيْهِمُ الْفِدْيَةُ مَا لَمْ يَحِلُّوا ، فَإِذَا حَلُّوا فَهُمْ كَمَنْ لَمْ يُحْرِمْ .

السند · الإسناد بالترتيب
شجرة الإسناد