874 أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ° ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ° ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ° : أَنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ , قَالَ : فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، فَتَرَاوَضْنَا حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي وَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ ، ثُمَّ قَالَ : حَتَّى يَأْتِيَ خَازِنِي أَوْ حَتَّى تَأْتِيَ خَازِنَتِي مِنَ الْغَابَةِ " قَالَ الشَّافِعِيُّ : أَنَا شَكَكْتُ وَعُمَرُ يَسْمَعُ ، فَقَالَ عُمَرُ ° : وَاللَّهِ لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ , ثُمَّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ "
قُلْتُ لَهُ : أَفَبِهَذَا نَقُولُ نَحْنُ وَأَنْتَ إذَا تَفَرَّقَ الْمُصْطَرِفَانِ عَنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي تَصَارَفَا فِيهِ انْتَقَضَ الصَّرْفُ وَمَا لَمْ يَتَفَرَّقَا لَمْ يُنْتَقَضْ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ لَهُ : فَمَا بَانَ لَكَ وَعَرَفْتَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ التَّفَرُّقَ هُوَ تَفَرُّقُ الْأَبَدَانِ بَعْدَ التَّبَايُعِ لَا التَّفَرُّقُ عَنِ الْبَيْعِ لِأَنَّكَ لَوْ قُلْتَ : تَفَرَّقَ الْمُتَصَارِفَانِ عَنِ الْبَيْعِ قَبْلَ التَّقَابُضِ لِبَعْضِ الصَّرْفِ ، دَخَلَ عَلَيْكَ أَنْ تَقُولَ : لَا يَحِلُّ الصَّرْفُ حَتَّى يَتَرَاضَيَا وَيَتَوَازَنَا وَيَعْرِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَأْخُذُ وَيُعْطِي ، ثُمَّ يُوجِبَا الْبَيْعَ فِي الصَّرْفِ بَعْدَ التَّقَابُضِ أَوْ مَعَهُ , قَالَ : لَا أَقُولُ هَذَا , قُلْتُ : وَلَا أَرَى قَوْلَكَ التَّفَرُّقَ تَفَرُّقُ الْكَلَامِ إلَّا جَهَالَةً أَوْ تَجَاهُلًا بِاللِّسَانِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : قُلْتُ لَهُ : أَرَأَيْتَ رَجُلًا قَالَ لَكَ : أُقَلِّدُكَ ، فَأَسْمَعُكَ تَقُولُ : " الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا " ، وَالتَّفَرُّقُ عِنْدَكَ التَّفَرُّقُ بِالْكَلَامِ ، وَأَنْتَ تَقُولُ : إذَا تَفَرَّقَ الْمُتَصَارِفَانِ قَبْلَ التَّقَابُضِ كَانَ الصَّرْفُ رِبًا وَهُمَا فِي مَعْنَى الْمُتَبَايِعَيْنِ غَيْرَهُمَا ؛ لِأَنَّ الْمُتَصَارِفَيْنِ مُتَبَايِعَانِ , وَإِذَا تَفَرَّقَا عَنِ الْكَلَامِ قَبْلَ التَّقَابُضِ فَسَدَ الصَّرْفُ ، قَالَ : لَيْسَ هَذَا لَهُ , قُلْتُ : فَيَقُولُ لَكَ : كَيْفَ صِرْتَ إِلَى نَقْضِ قَوْلِكَ ؟ قَالَ : إنَّ عُمَرَ سَمِعَ طَلْحَةَ وَمَالِكًا قَدْ تَصَارَفَا فَلَمْ يَنْقُضِ الصَّرْفَ ، وَرَأَى أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " هَاءَ وَهَاءَ " ، إنَّمَا هُوَ لَا يَتَفَرَّقَا حَتَّى تَقَاضَا ، قُلْتُ : تَفَرَّقَا عَنِ الْكَلَامِ , قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : فَقَالَ لَكَ : أَفَرَأَيْتَ لَوِ احْتَمَلَ اللِّسَانُ مَا قُلْتَ ، وَمَا قَالَ مَنْ خَالَفَكَ أَمَا يَكُونُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي سَمِعَ الْحَدِيثَ أَوْلَى أَنْ يُصَارَ إِلَى قَوْلِهِ ، لِأَنَّهُ الَّذِي سَمِعَ الْحَدِيثَ فَلَهُ فَضْلُ السَّمَاعِ وَالْعِلْمِ بِمَا سَمِعَ وَبِاللِّسَانِ ؟ قَالَ : بَلَى ، قُلْتُ : فَلَمْ لَمْ تُعْطِ هَذَا ابْنَ عُمَرَ وَهُوَ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا " . فَكَانَ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ أَنْ يَجِبَ لَهُ فَارَقَ صَاحِبَهُ ، فَمَشَى قَلِيلًا ، ثُمَّ رَجَعَ ، وَلِمَ لَمْ تُعْطِ هَذَا أَبَا بَرْزَةَ وَهُوَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ " ، وَقَضَى بِهِ وَقَدْ تَصَادَقَا بِأَنَّهُمَا تَبَايَعَا ، ثُمَّ كَانَ مَعًا لِمَ لَمْ يَتَفَرَّقَا فِي لَيْلَتِهِمَا ، ثُمَّ غَدَوَا إلَيْهِ فَقَضَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارَ فِي رَدِّ بَيْعِهِ ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : تَقُولُ إنَّ قَوْلِي مُحَالٌ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : فَمَا أَحْسَبُنِي إلَّا قَدِ اكْتَفَيْتُ بِأَقَلَّ مِمَّا ذَكَرْتَ وَأَسْأَلُكَ ، قَالَ : فَسَلْ ، قُلْتُ : أَفَرَأَيْتَ إذْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ " ، أَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ إلَيْهِمَا الْخِيَارَ إِلَى وَقْتَيْنِ يَنْقَطِعُ الْخِيَارُ إِلَى أَيِّهِمَا كَانَ ؟ قَالَ لِي : قُلْتُ : فَمَا الْوَقْتَانِ ؟ قَالَ : أَنْ يَتَفَرَّقَا بِالْكَلَامِ , قُلْتُ : فَمَا الْوَجْهُ الثَّانِي ؟ قَالَ : لَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا فَدَعْهُ , قُلْتُ : أَفَرَأَيْتَ إِنْ بِعْتُكَ بَيْعًا وَدَفَعْتُهُ إلَيْكَ , فَقُلْتَ أَنْتَ فِيهِ بِالْخِيَارِ إِلَى اللَّيْلِ مِنْ يَوْمِكَ هَذَا ، وَأَنْ تَخْتَارَ إجَازَةَ الْبَيْعِ قَبْلَ اللَّيْلِ أَجَائِزٌ هَذَا الْبَيْعُ ؟ قَالَ : نَعَمْ , قُلْتُ : فَمَتَى يَنْقَطِعُ خِيَارُكَ وَيَلْزَمُكَ الْبَيْعُ فَلَا يَكُونُ لَكَ رَدُّهُ ؟ قَالَ : إنِ انْقَضَى الْيَوْمُ وَلَمْ أَخْتَرْ رَدَّ الْبَيْعِ انْقَطَعَ الْخِيَارُ فِي الْبَيْعِ , أَوِ اخْتَرْتُ قَبْلَ اللَّيْلِ إجَازَةَ الْبَيْعِ انْقَطَعَ الْخِيَارُ فِي الرَّدِّ , قُلْتُ : فَكَيْفَ لَا تَعْرِفُ أَنَّ هَذَا قَطَعَ الْخِيَارَ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ أَنْ يَتَفَرَّقَا بَعْدَ الْبَيْعِ أَوْ يُخَيِّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَقَالَ : دَعْهُ , قُلْتُ : نَعَمْ بَعْدَ الْعِلْمِ مِنِّي بِأَنَّكَ إنَّمَا عَمَدْتَ تَرْكَ الْحَدِيثِ ، وَأَنَّهُ لَا يَخْفَى عليك أَنَّ قَطْعَ الْخِيَارِ الْبَيْعَ التَّفَرُّقُ أَوِ التَّخْيِيرُ كَمَا عَرَفْتُهُ فِي جَوَابِكَ قَبْلَهُ , فَقُلْتُ لَهُ : أَرَأَيْتَ إِنْ زَعَمْتَ أَنَّ الْخِيَارَ إِلَى مُدَّةٍ , وَزَعَمْتَ أَنَّهَا أَنْ يَتَفَرَّقَا فِي الْكَلَامِ , أَيُقَالُ لِلْمُتَسَاوِمَيْنِ : أَنْتُمَا بِالْخِيَارِ ؟ قَالَ : نَعَمْ , السَّائِمُ فِي أَنْ يَرُدَّ أَوْ يَدَعَ , وَالْبَائِعُ فِي أَنْ يُوجِبَ , أَوْ يَدَعَ , قُلْتُ : أَلَمْ يَكُونَا قَبْلَ التَّسَاوُمِ هَكَذَا ؟ قَالَ : بَلَى , قُلْتُ : فَهَلْ أَحْدَثَ لَهُمَا التَّسَاوُمُ حُكْمًا غَيْرَ حُكْمِهِمَا قَبْلَهُ أَوْ يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ مَالِكٌ لِمَالِهِ إِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ , وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ ؟ قَالَ : لَا , قُلْتُ : فَيُقَالُ لِإِنْسَانٍ : أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي مَالِكَ الَّذِي لَمْ تُوجِبْ فِيهِ شَيْئًا لِغَيْرِكَ ، فَالسَّائِمُ عِنْدَكَ لَمْ يُوجِبْ فِي مَالِهِ شَيْئًا لِغَيْرِهِ إنَّكَ لِتُحِيلَ فِيمَا تُجِيبُ فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ , قَالَ : فَلِمَ لَا أَقُولُ لَكَ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي مَالِكَ ؟ قُلْتُ : لِمَا وَصَفْتُ لَكَ , وَإِنْ قُلْتَ ذَلِكَ إِلَى مُدَّةٍ تَرَكْتُ قَوْلَكَ , قَالَ : وَأَيْنَ ؟ قُلْتُ : وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ إِلَى مُدَّةٍ ، فَإِذَا اخْتَارَ انْقَطَعَ خِيَارُهُ كَمَا قُلْتَ إذَا جَعَلْتَهُ بِالْخِيَارِ يَوْمًا , فَمَضَى الْيَوْمُ انْقَطَعَ الْخِيَارُ , قَالَ : أَجَلْ وَكَذَلِكَ إذَا أَوْجَبَ الْبَيْعَ فَهُوَ إِلَى مُدَّةٍ , قُلْتُ : لَمْ أُلْزِمْهُ قَبْلَ إيجَابِ الْبَيْعِ شَيْئًا فَيَكُونُ فِيهِ يَخْتَارُ ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ : أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي مَالِكَ مَا جَازَ أَنْ يُقَالَ : أَنْتَ بِالْخِيَارِ إِلَى مُدَّةٍ , إنَّمَا يُقَالُ : أَنْتَ بِالْخِيَارِ أَبَدًا , قَالَ : فَإِنْ قُلْتَ : الْمُدَّةُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ مِلْكِهِ ؟ قُلْتُ : وَإِذَا أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ , فَهُوَ لِغَيْرِهِ , أَفَيُقَالُ لِأَحَدٍ : أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي مَالِ غَيْرِكَ ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَقُلْتُ : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاهِلًا عَارَضَكَ بِمِثْلِ حُجَّتِكَ , فَقَالَ : قَدْ قُلْتُ الْمُتَسَاوِمَانِ يَقَعُ عَلَيْهِمَا اسْمُ مُتَبَايِعَيْنِ , وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا " ، وَالتَّفَرُّقُ عِنْدَكَ يَحْتَمِلُ تَفَرُّقَ الْأَبَدَانِ وَالتَّفَرُّقَ بِالْكَلَامِ , فَإِنْ تَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا , فَلَا خِيَارَ لَهُمَا , وَعَلَى صَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يُعْطِيَ بَيِّعَهُ مَا بَذَلَ لَهُ مِنْهُ , وَعَلَى صَاحِبِ السِّلْعَةِ أَنْ يُسَلِّمَ سِلْعَتَهُ لَهُ بِمَا اسْتَامَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ عَمَّا بَذَلَهَا بِهِ إذَا تَفَرَّقَا , قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ , قُلْتُ : وَلَا لَكَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ : أَفَلَيْسَ يَقْبُحُ أَنْ أَمْلِكَ سِلْعَتَكَ ، وَتَمْلِكَ مَالِي ، ثُمَّ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا الرَّدُّ بِغَيْرِ عَيْبٍ ، أَوْ لَيْسَ يَقْبُحُ أَنْ أَبْتَاعَ مِنْكَ عَبْدًا ، ثُمَّ أُعْتِقُهُ قَبْلَ أَنْ نَتَفَرَّقَ , وَلَا يَجُوزُ عِتْقِي وَأَنَا مَالِكٌ ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ : قُلْتُ : لَيْسَ يَقْبُحُ فِي هَذَا شَيْءٌ , إلَّا دَخَلَ عَلَيْكَ أَعْظَمُ مِنْهُ , قَالَ : وَمَا ذَلِكَ ؟ قُلْتُ : أَرَأَيْتَ إِنْ بِعْتُكَ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَتَقَابَضْنَا وَتَشَارَطْنَا أَنَّا جَمِيعًا أَوْ أَحَدَنَا بِالْخِيَارِ إِلَى ثَلَاثِينَ سَنَةٍ ؟ قَالَ : فَجَائِزٌ , قُلْتُ : وَمَتَى شَاءَ وَاحِدٌ مِنَّا نَقْضَ الْبَيْعِ نَقَضَهُ , وَرُبَّمَا مَرِضَ الْعَبْدُ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ سَيِّدُهُ ، وَانْتَفَعَ الْبَائِعُ بِالْمَالِ , وَرُبَّمَا الْمُبْتَاعُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَسْتَغِلَّ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ ثُمَّ يَرُدَّهُ , وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ بِدَيْنٍ وَلَمْ يَنْتَفِعِ الْبَائِعُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ الْمُبْتَاعِ ، وَقَدْ عَظُمَتْ مَنْفَعَةُ الْمُبْتَاعِ بِمَالِ الْبَائِعِ ؟ قَالَ : نَعَمْ هُوَ رَضِيَ بِهَذَا , قُلْتُ : وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي فِي الثَّلَاثِينَ سَنَةٍ لَمْ يَجُزْ , وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْبَائِعُ جَازَ , قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : فَإِنَّمَا جَعَلْتُ لَهُ الْخِيَارَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا " , وَلَعَلَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ , أَوْ لَا يَبْلُغُ يَوْمًا كَامِلًا لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَى الْوُضُوءِ ، أَوْ تَفَرُّقِهِمْ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَقَبَّحْتَهُ , وَجَعَلَتْ لَهُ الْخِيَارَ ثَلَاثِينَ سَنَةٍ بِرَأْيِ نَفْسِكَ فَلِمَ تُقَبِّحُهُ ؟ قَالَ : ذَلِكَ بِشَرْطِهِمَا , قُلْتُ : فَمَنْ شَرَطَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ لَهُ شَرْطُهُ مِمَّنْ شَرَطَ لَهُ بَائِعٌ وَمُشْتَرٍ , وَقُلْتُ لَهُ : أَرَأَيْتَ لَوِ اشْتَرَيْتُ مِنْكَ كَيْلًا مِنْ طَعَامٍ مَوْصُوفٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ؟ قَالَ : فَجَائِزٌ , قُلْتُ : وَلَيْسَ لِي وَلَا لَكَ نَقْضُ الْبَيْعِ قَبْلَ تَفَرُّقٍ ؟ قَالَ : لَا , قُلْتُ : وَإِنْ تَفَرَّقْنَا قَبْلَ التَّقَابُضِ انْتَقَضَ الْبَيْعُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : أَفَلَيْسَ قَدْ وَجَبَ لِي عَلَيْكَ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ لِي وَلَا لَكَ نَقْضُهُ ، ثُمَّ انْتَقَضَ بِغَيْرِ رِضَا وَاحِدٍ مِنَّا بِنَقْضِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إنَّمَا نَقَضْنَاهُ اسْتِدْلَالًا بِالسُّنَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، " نَهَى عَنِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ " , قُلْتُ : فَإِنْ قَالَ لَكَ قَائِلٌ : أَهْلُ الْحَدِيثِ يُوَهِّنُونَ هَذَا الْحَدِيثَ , وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَمْ يَكُنْ هَذَا دَيْنًا ؛ لِأَنِّي مَتَى شِئْتُ أَخَذْتَ مِنْكَ دَرَاهِمِي الَّتِي بِعْتُكَ بِهَا إذَا لَمْ أُسَمِّ لَكَ أَجَلًا , وَالطَّعَامُ إِلَى مُدَّتِهِ , قَالَ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ , قُلْتُ : وَلِمَ وَعَلَيْكَ فِيهِ لِمَنْ طَالَبَكَ أَمْرَانِ , أَحَدُهُمَا أَنَّكَ تُجِيزُ تَبَايُعَ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْعَرَضَ بِالنَّقْدِ وَلَا يُسَمِّيَانِ أَجَلًا ، وَيَفْتَرِقَانِ قَبْلَ التَّقَابُضِ وَلَا تَرَى بَأْسًا وَلَا تَرَى هَذَا دَيْنًا بِدَيْنٍ , فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا عِنْدَكَ احْتَمَلَ اللَّفْظُ أَنْ يُسَلِّفَ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ بِشَرْطِ سِلْعَةٍ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهَا , فَيَكُونُ حَالًّا غَيْرَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَلَكِنَّهُ عَيْنٌ بِدَيْنٍ ، قَالَ : بَلْ هُوَ دَيْنٌ بِدَيْنٍ ، قُلْتُ : فَإِنْ قَالَ لَكَ قَائِلٌ : فَلَوْ كَانَ كَمَا وَصَفْتَ أَنَّهُمَا إذَا تَبَايَعَا فِي السَّلَفِ فَتَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ انْتَقَضَ الْبَيْعُ بِالتَّفَرُّقِ , وَلَزِمَكَ أَنَّكَ قَدْ فَسَخْتَ الْعُقْدَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ الصَّحِيحَةَ بِتَفَرُّقِهِمَا بِأَبْدَانِهِمَا ، وَالتَّفَرُّقُ عِنْدَكَ فِي الْبُيُوعِ لَيْسَ لَهُ مَعْنَى ؛ إنَّمَا الْمَعْنَى فِي الْكَلَامِ , أَوْ لَزِمَكَ أَنْ تَقُولَ فِي الْبَيِّعَيْنِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا : إنَّ لِتُفَرِّقْهُمَا بِأَبْدَانِهِمَا مَعْنًى يُوجِبُهُ كَمَا كَانَ لِتَفَرُّقِ هَذَيْنِ بِأَبْدَانِهِمَا مَعْنًى يَنْقُضُهُ ، وَلَا تَقُولُ هَذَا . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَقَالَ : فَإِنَّا رَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : الْبَيْعُ عَنْ صَفْقَةٍ أَوْ خِيَارٍ , قُلْتُ : أَرَأَيْتَ إذَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا وَصَفْتَ , لَوْ كَانَ قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ قَوْلًا يُخَالِفُهُ ، أَلَا يَكُونُ الَّذِي تَذْهَبُ إلَيْهِ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ سَمِعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا لَمْ يُخَالِفْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَتَقُولُ قَدْ يَعْزُبُ عَنْ بَعْضِهِمْ بَعْضُ السُّنَنِ ؟ قَالَ : بَلَى ، قُلْتُ : أَفَتَرَى فِي أَحَدٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةً ؟ فَقَالَ عَامَّةُ مَنْ حَضَرَهُ : لَا , قُلْتُ : وَلَوْ أَجَزْتَ هَذَا خَرَجَتْ مِنْ عَامَّةِ سُنَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَدَخَلَ عَلَيْكَ مَا لَا تُعْذَرُ مِنْهُ , قَالَ : فَدَعْهُ , قُلْتُ : فَلَيْسَ بِثَابِتٍ عَنْ عُمَرَ , وَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنْ عُمَرَ مِثْلَ قَوْلِنَا . زَعَمَ أَبُو يُوسُفَ ، عَنْ مُطَرِّفٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّ عُمَرَ ، قَالَ : الْبَيْعُ عَنْ صَفْقَةٍ أَوْ خِيَارٍ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا مِثْلُ مَا رَوَيْنَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَهَذَا مُنْقَطِعٌ قُلْتُ : وَحَدِيثُكَ الَّذِي رَوَيْتَ عَنْ عُمَرَ غَلَطٌ , وَمَجْهُولٌ , أَوْ مُنْقَطِعٌ , فَهُوَ جَامِعٌ لِجَمِيعِ مَا تُرَدُّ بِهِ الْأَحَادِيثُ , قَالَ : لَئِنْ أَنْصَفْنَاكَ مَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ , فَقُلْتُ : احْتِجَاجُكَ بِهِ مَعَ مَعْرِفَتِكَ بِمَنْ حَدَّثَهُ ، وَعَمَّنْ حَدَّثَهُ تَرْكُ النَّصَفَةِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَقُلْتُ لَهُ : لَوْ كَانَ كَمَا رَوَيْتَ , كَانَ بِمَعْنَى قَوْلِنَا أَشْبَهَ وَكَانَ خِلَافَ قَوْلِكَ كُلِّهِ , قَالَ : وَمَنْ أَيْنَ ؟ قُلْتُ : أَرَأَيْتَ إذْ زَعَمْتَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : الْبَيْعُ عَنْ صَفْقَةٍ أَوْ خِيَارٍ ، أَلَيْسَ تَزْعُمُ أَنَّ الْبَيْعَ يَجِبُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ , إمَّا بِصَفْقَةٍ , وَإِمَّا بِخِيَارٍ ؟ قَالَ : بَلَى ، قُلْتُ : أَفَيَجِبُ الْبَيْعُ بِالْخِيَارِ ، وَالْبَيْعُ بِغَيْرِ خِيَارٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : وَيَجِبُ بِالْخِيَارِ , قَالَ : تُرِيدُ مَاذَا ؟ قُلْتُ : مَا يَلْزَمُكَ ، قَالَ : وَمَا يَلْزَمُنِي ؟ قُلْتُ : تَزْعُمُ أَنَّهُ يَجِبُ الْخِيَارُ بِلَا صَفْقَةٍ ؛ لِأَنَّهُ إذَا زَعَمَ أَنَّهُ يَجِبُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ ، عَلِمْنَا أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ كَمَا تَقُولُ فِي الْمَوْلَى يَفِيءُ أَوْ يُطَلِّقُ ، وَفِي الْعَبْدِ يَجْنِي يُسَلَّمُ أَوْ يُفْدَى ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ الْآخَرِ ، قَالَ : مَا يَصْنَعُ الْخِيَارُ شَيْئًا إلَّا بِصَفْقَةٍ تَقْدُمُهُ أَوْ تَكُونُ مَعَهُ ، وَالصَّفْقَةُ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنِ الْخِيَارِ ، فَهِيَ إِنْ وَقَعَتْ مَعَهَا خِيَارٌ أَوْ بَعْدَهَا ، أَوْ لَيْسَ مَعَهَا وَلَا بَعْدَهَا ، وَجَبَتْ ، قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : وَقَدْ زَعَمْتُ أَنَّ قَوْلَهُ : أَوْ خِيَارٌ لَا مَعْنَى لَهُ ، قَالَ : فَدَعْ هَذَا ، قُلْتُ : نَعَمْ بَعْدَ الْعِلْمِ بِعِلْمِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، بِأَنَّكَ زَعَمْتُ أَنَّ مَا ذَهَبْتُ إلَيْهِ مُحَالٌ ، قَالَ : فَمَا مَعْنَاهُ عِنْدَكَ ؟ قُلْتُ : لَوْ كَانَ قَوْلُهُ هَذَا مُوَافَّقًا لَمَا رَوَى أَبُو يُوسُفَ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْهُ ، وَكَانَ مِثْلَ مَعْنَى قَوْلِهِ ، فَكَانَ مِثْلَ الْبَيْعِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ، فَكَانَ الْبَيْعُ عَنْ صَفْقَةٍ بَعْدَهَا تَفَرُّقٌ أَوْ خِيَارٌ ، قَالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ : مَا لَهُ مَعْنَى يَصِحُّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : أَمَّا إنَّهُ لَا يَصِحُّ حَدِيثُهُ ، قُلْتُ : أَجَلْ فَلِمَ اسْتَعَنْتَ بِهِ ؟ قَالَ : فَعَارَضَنَا غَيْرُ هَذَا بِأَنْ قَالَ : فَأَقُولُ إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَوَى ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا الْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ثَابِتَةٌ مُتَّصِلَةٌ ، فَلَوْ كَانَ هَذَا يُخَالِفُهَا لَمْ يَجُزْ لِلْعَالِمِ بِالْحَدِيثِ أَنْ يَحْتَجَّ بِهِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ هُوَ بِنَفْسِهِ ، فَكَيْفَ يُزَالُ بِهِ مَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ وَيَشُدُّهُ أَحَادِيثُ مَعَهُ كُلُّهَا ثَابِتَةٌ ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : وَلَوْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتًا لَمْ يَكُنْ يُخَالِفُ مِنْهَا شَيْئًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ هَذَيْنِ مُتَبَايِعَانِ إِنْ تَصَادَقَا عَلَى التَّبَايُعِ وَاخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَخْتَارُ أَنْ يُنْفِذَ الْبَيْعَ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ دَعْوَاهُمَا مِمَّا يُعْقَدُ بِهِ الْبَيْعُ مُخْتَلِفَةً تَنْقُضُ أَصْلَهُ ، وَلَمْ يَجْعَلِ الْخِيَارَ إلَّا لِلْمُبْتَاعِ فِي أَنْ يَأْخُذَ أَوْ يَدَعَ ، وَحَدِيثُ الْبَيْعِ بِالْخِيَارِ جَعَلَ الْخِيَارَ لَهُمَا مَعًا مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ فِي ثَمَنٍ ، وَلَا ادِّعَاءٍ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ يُفْسِدُ أَصْلَ الْبَيْعِ وَلَا يَنْقُضُهُ ، إنَّمَا أَرَادَ تَحْدِيدَ نَقْضِ الْبَيْعِ بِشَيْءٍ جُعِلَ لَهُمَا مَعًا وَإِلَيْهِمَا إِنْ شَاءَا فَعَلَاهُ , وَإِنْ شَاءَا تَرَكَاهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَوْ غَلِطَ رَجُلٌ إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ اللَّذَيْنِ لَمْ يَتَفَرَّقَا مِنْ مَقَامِهِمَا لَمْ يُجِزْ لَهُ الْخِيَارُ لَهُمَا بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا مِنْ مَقَامِهِمَا , فَإِنْ قَالَ : فَمَا يُغْنِي فِي الْبَيْعِ اللَّازِمِ بِالصَّفْقَةِ أَوِ التَّفَرُّقِ بَعْدَ الصَّفْقَةِ ؟ قِيلَ لَوْ وَجَبَ بِالصَّفْقَةِ اسْتُغْنِيَ عَنِ التَّفَرُّقِ ، وَلَكِنَّهُ لَا يَلْزَمُ إلَّا بَهُمَا ، وَمَعْنَى خِيَارِهِ بَعْدَ الصَّفْقَةِ كَمَعْنَى الصَّفْقَةِ وَالتَّفَرُّقِ وَبَعْدَ التَّفَرُّقِ فَيَخْتَلِفَانِ فِي الثَّمَنِ ، فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ كَمَا يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ بَعْدَ الْقَبْضِ وَقَبْلَ التَّفَرُّقِ ، وَبَعْدَ زَمَانٍ إذَا ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ , وَلَوْ جَازَ أَنْ نَقُولَ إنَّمَا يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ إذَا ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ ، وَجَازَ أَنْ يُطْرَحَ كُلُّ حَدِيثٍ أَشْبَهَ حَدِيثًا فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ لِحُرُوفٍ أُخُرَ مِثْلِهِ , وَإِنْ وُجِدَ لَهُمَا مَحْمَلٌ يُخَرَّجَانِ فِيهِ ، فَجَازَ عَلَيْهِ لِبَعْضِ الْمَشْرِقِيِّينَ مَا هُوَ أَوْلَى أَنْ يَجُوزَ مِنْ هَذَا ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَعَنِ الْمُزَابَنَةِ وَهِيَ الْجُزَافُ بِالْكَيْلِ مِنْ جِنْسِهَا , وَعَنِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَحَرَّمْنَا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ " ، لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، وَزَعَمْنَا نَحْنُ وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ أَصْحَابِنَا : أَنَّ الْعَرَايَا حَلَالٌ بِإِحْلَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَوَجَدْنَا لِلْحَدِيثَيْنِ مَعْنًى يُخَرَّجَانِ عَلَيْهِ ، وَلَجَازَ هَذَا عَلَيْنَا فِي أَكْثَرِ مَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَخَالَفَنَا بَعْضُ مَنْ وَافَقَنَا فِي الْأَصْلِ أَنَّ الْبَيْعَ يَجِبُ بِالتَّفَرُّقِ وَالْخِيَارِ ، فَقَالَ : الْخِيَارُ إذَا وَقَعَ مَعَ الْبَيْعِ جَازَ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُخَيَّرَ بَعْدَ الْبَيْعِ ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " خَيَّرَ بَعْدَ الْبَيْعِ " , وَمِنَ الْقِيَاسِ إذَا كَانَتْ بَيْعًا ، فَلَا يَتِمُّ الْبَيْعُ إلَّا بِتَفَرُّقِ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَتَفَرُّقُهُمَا شَيْءٌ غَيْرُ عَقْدِ الْبَيْعِ يُشْبِهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنْ لَا يَكُونَ يَجِبُ بِالْخِيَارِ إلَّا بَعْدَ الْبَيْعِ كَمَا كَانَ التَّفَرُّقُ بَعْدَ الْبَيْعِ ، وَكَذَلِكَ الْخِيَارُ بَعْدَهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَحَدِيثُ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّفَرُّقَ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ تَفَرُّقُ الْأَبَدَانِ ، وَيَدُلُّ عَلَى غَيْرِهِ ، وَهُوَ مَوْضُوعٌ فِي مَوْضِعِهِ ، قَالَ : وَحَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ " . يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ " . لِأَنِّي لَوْ كُنْتُ إذَا بِعْتُ رَجُلًا سِلْعَةً تَسْوَى مِائَةَ أَلْفٍ ، لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ الْبَيْعُ حَتَّى لَا يَسْتَطِيعَ أَنْ يَنْقُضَهُ مَا ضَرَّنِي أَنْ يَبِيعَهُ رَجُلٌ سِلْعَةً خَيْرًا مِنْهَا بِعَشْرَةٍ , وَلَكِنْ فِي نَهْيِهِ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ يَبِيعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا ، لِأَنَّهُمَا لَا يَكُونَانِ مُتَبَايِعَيْنِ إلَّا بَعْدَ الْبَيْعِ ، وَلَا يَضُرُّ بَيْعُ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ ، إلَّا قَبْلَ التَّفَرُّقِ حَتَّى يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي رَدِّ الْبَيْعِ ، وَأَخْذِهِ فِيهَا لِئَلَّا يُفْسِدَ عَلَى الْبَائِعِ ، وَلَعَلَّهُ يُفْسِدُ عَلَى الْبَائِعِ ثُمَّ يَخْتَارُ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ عَلَيْهِمَا مَعًا ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَدِيثِ مَعْنًى أَبَدًا ، لِأَنَّ الْبَيْعَ إذَا وَجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي قَبْلَ التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا يَضُرُّ الْبَائِعَ مَنْ بَاعَ عَلَى بَيْعِهِ , وَلَوْ جَازَ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى غَيْرِ هَذَا جَازَ أَنْ لَا يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى حَدِيثٍ إلَّا أَحَالَهُمْ غَيْرُهُمْ إِلَى حَدِيثٍ غَيْرِهِ .