153 قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ يَعْقُوبَ ، عَنْ عِيسَى بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ : " إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ الْقَبْرَ ، قَامَتِ الصَّلَاةُ عَنْ يَمِينِهِ ، وَالزَّكَاةُ عَنْ شِمَالِهِ ، وَالْبِرُّ يَطُلُّ عَلَيْهِ ، وَالصَّبْرُ يُحَاجُّ عَنْهُ يَقُولُ : دُونَكُمْ صَاحِبَكُمْ ، فَإِنْ حَجَجْتُمْ وَإِلَّا فَأَنَا مِنْ وَرَائِهِ . يَعْنِي إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَدْفَعُوا عَنْهُ الْعَذَابَ ، وَإِلَّا أَنَا أَكْفِيكُمْ ذَلِكَ ، وَأَدْفَعُ عَنْهُ الْعَذَابَ " . فَفِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّبْرَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ . وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ سورة الزمر آية 10
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي وَرَّادٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ مَالِي وَسَقِمَ جِسْمِي . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا خَيْرَ فِي عَبْدٍ لَا يَذْهَبُ مَالُهُ وَلَا يَسْقَمُ جِسْمُهُ ، إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا ابْتَلَاهُ . وَإِذَا ابْتَلَاهُ صَبَّرَهُ " وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : أَيُّمَا رَجُلٍ حَبَسَهُ السُّلْطَانُ ظُلْمًا فَمَاتَ فِي حَبْسِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، فَإِنْ ضَرَبَهُ فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيدٌ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الدَّرَجَةُ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلِهِ حَتَّى يُبْتَلَى بِبَلَاءٍ فِي جِسْمِهِ فَيَبْلُغَهَا بِذَلِكَ " . وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ سورة النساء آية 123 ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الْفَرَحُ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ، أَلَسْتَ تَمْرَضُ ؟ أَلَيْسَ يُصِيبُكَ الْأَذَى ؟ أَلَيْسَ تَنْصَبُ ؟ أَلَيْسَ تَحْزَنُ ؟ فَهَذَا مِمَّا تُجْزَوْنَ بِهِ " ، يَعْنِي جَمِيعَ مَا يُصِيبُكَ يَكُونُ كَفَّارَةً لِذُنُوبِكَ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : " قَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ خَيْرٌ لِأُمَّتِي مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " . ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ سورة النساء آية 123 . ثُمَّ قَالَ : " إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا فَتُصِيبُهُ شِدَّةٌ أَوْ بَلَاءٌ فِي الدُّنْيَا ، فَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَهُ ثَانِيًا " اعْلَمْ أَنّ الْعَبْدَ لَا يُدْرِكُ مَنْزِلَةَ الْأَخْيَارِ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى الشِّدَّةِ وَالْأَذَى . وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، بِالصَّبْرِ ، فَقَالَ : فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ سورة الأحقاف آية 35 . وَرُوِيَ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، قَالَ : أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بِرِدَائِهِ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ . فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ ؟ أَلَا تَسْتَنْصِرُ اللَّهَ لَنَا ؟ فَجَلَسَ مُحْمَرًّا لَوْنُهُ ثُمَّ قَالَ : " إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، كَانَ لَيُؤْتَى بِالرَّجُلِ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ حُفْرَةٌ ، وَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ فِرْقَتَيْنِ ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ " . وَرُوِيَ عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : " يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ ، فَيُغْمَسُ فِي النَّارِ غَمْسَةً فَيَخْرُجُ أَسْوَدَ مُحْتَرِقًا فَيُقَالُ لَهُ : هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ ، إِذْ كُنْتَ فِيهَا ؟ فَيَقُولُ : لَا لَمْ أَزَلْ فِي هَذِه الْبَلَاءِ مُنْذُ خَلَقَنِي . وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ أَهْلِ الدُّنْيَا بَلَاءً فَيُغْمَسُ فِي الْجَنَّةِ غَمْسَةً ، يَعْنِي يَدْخُلُ فِيهَا سَاعَةً ، فَيَخْرُجُ كَأَنَّهُ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَيُقَالُ لَهُ : هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ ؟ فَيَقُولُ : لَا لَمْ أَزَلْ فِي هَذَا النَّعِيمِ مُنْذُ خَلَقَنِي " . وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّهُ قَالَ : " أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّةِ الْحَمَّادُونَ لِلَّهِ ، الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ " ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى مَا يُصِيبُهُ مِنَ الشَّدَّةِ وَيَعْلَمَ أَنَّ مَا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الْبَلَاءِ ، أَكْثَرُ مِمَّا أَصَابَهُ ، وَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ . وَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيْنُظَر إِلَى صَبْرِهِ عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ : بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابُهُ جُلُوسٌ ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالْأَمْسِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ : أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلَا الْجَزُورِ فَيُلْقِيهِ عَلَى كَتِفِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَأَخَذَهُ فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَهْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَاسْتَضْحَكُوا وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ . قُلْتُ : لَوْ كَانَ لِي مِنْعَةٌ لَطَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ ، حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا وَجَاءَتْ ، وَهِيَ جُوَيْرِيَّةٌ ، فَطَرَحَتْهُ ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ . فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ فَدَعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ : " اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ وَدُعَاءَهُ ذَهَبَ عَنْهُمُ الضَّحِكُ ، وَخَافُوا دَعْوَتَهُ . فَقَالَ : " اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ وَعُقْبَةَ وَعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ " . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ : وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , قَالَ : شَكَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى رَبِّهِ ، فَقَالَ : يَا رَبُّ ، الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يُطِيعُكَ وَيَجْتَنِبُ مَعَاصِيكَ ، تَزْوِي عَنْهُ الدُّنْيَا وَتَعْرِضُ لَهُ الْبَلَاءُ . وَيَكُونُ الْعَبْدُ الْكَافِرُ لَا يُطِيعُكَ وَيَجْتَرِئُ عَلَى مَعَاصِيكَ ، تَزْوِي عَنْهُ الْبَلَاءَ وَتَبْسُطُ لَهُ الدُّنْيَا . فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنْ الْعِبَادَ لِي ، وَالْبَلاءَ لِي ، وَكُلٌّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِي . فَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ فَأَزْوِي عَنْهُ الدُّنْيَا ، وَأَعْرِضُ لَهُ الْبَلَاءَ فَيَكُونُ كَفَّارَةً لِذُنُوبِهِ ، حَتَّى يَلْقَانِي فَأَجْزِيَهُ بِحَسَنَاتِهِ . وَيَكُونُ الْكَافِرُ لَهُ السَّيِّئَاتُ ، فَأَبْسُطُ لَهُ فِي الرِّزْقِ فَأَزْوِي عَنْهُ الْبَلَاءَ حَتَّى يَلْقَانِي فَأَجْزِيهِ بِسَيِّئَاتِهِ