72 حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ ° ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ ° ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ ° ، حَدَّثَنَا أَصْرَمُ بْنُ حَوْشَبَ ° ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ° , عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ ° , عَنْ أَبِيهِ ° , عَنْ جَدِّهِ ° ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْ عَلِمَ اللَّهُ شَيْئًا مِنَ الْعُقُوقِ أَدْنَى مِنْ أُفٍّ لَنَهَى عَنْ ذَلِكَ ، فَلْيَعْمَلِ الْعَاقُّ مَا شَاءَ أَنْ يَعْمَلَ ، فَلَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ ، وَلْيَعْمَلِ الْبَارُّ مَا شَاءَ أَنْ يَعْمَلَ فَلَنْ يَدْخُلَ النَّارَ "
لَوْ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ حُرْمَةَ الْوَالِدَيْنِ وَلَمْ يُوصِ بِهِمَا ، لَكَانَ يَعْرِفُ بِالْعَقْلِ أَنَّ حُرْمَتَهَا وَاجِبَةٌ ، وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَعْرِفَ حُرْمَتَهُمَا ، وَيَقْضِيَ حَقَّهُمَا ، فَكَيْفَ وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ ، فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْفُرْقَانِ ، وَقَدْ أَمَرَ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ وَأَوْحَى إِلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَوْصَاهُمْ بِحُرْمَةِ الْوَالِدَيْنِ وَمَعْرِفَةِ حَقِّهِمَا ، وَجَعَلَ رِضَاهُ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ ، وَسَخَطَهُ فِي سَخَطِهِمَا . وَيُقَالُ ثَلَاثُ آيَاتٍ نَزَلَتْ مَقْرُونَةً بِثَلَاثٍ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِغَيْرِ قَرِينَتِهَا ، أَوَّلُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ سورة البقرة آية 43 ، فَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يُؤَدِّ الزَّكَاةَ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ . وَالثَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ سورة النساء آية 59 ، فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَلَمْ يُطِعِ الرَّسُولَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ . وَالثَّالِثُ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ سورة لقمان آية 14 ، فَمَنْ شَكَرَ اللَّهَ وَلَمْ يَشْكُرْ لِوَالِدَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ . وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ لَعْنَةَ الْوَالِدَيْنِ تُبَرُّ أَيْ تَقْطَعُ أَصْلَ وَلَدِهِمَا إِذَا عَقَّهُمَا ، فَمَنْ أَرْضَى وَالِدَيْهِ فَقَدْ أَرْضَى خَالِقَهُ ، وَمَنْ أَسْخَطَ وَالِدَيْهِ فَقَدْ أَسْخَطَ خَالِقَهُ ، وَمَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبَرَّهُمَا فَدَخَلَ النَّارَ ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ ، وَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا ، ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ، ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " . وَعَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ قَالَ : قَرَأْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْوَلَدِ أَنْ يَتَكَلَّمَ إِذَا شَهِدَ وَالِدَيْهِ ، إِلَّا بِإِذْنِهِمَا وَلَا يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِمَا وَلَا عَنْ يَمِينِهِمَا وَلَا عَنْ شِمَالِهِمَا إِلَّا أَنْ يَدْعُوَاهُ فَيُجِيبَهُمَا ، وَلَكِنْ يَمْشِي خَلْفَهُمَا كَمَا يَمْشِي الْعَبْدُ خَلْفَ مَوْلَاهُ . وَذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي خَرُفَتْ عِنْدِي وَأَنَا أُطْعِمُهَا بِيَدِي وَأَسْقِيهَا وَأُوَضِّئُهَا وَأَحْمِلُهَا عَلَى عَاتِقِي ، فَهَلْ جَازَيْتُهَا ؟ قَالَ : " لَا وَلَا وَاحِدَةً مِنْ مِائَةٍ ، وَلَكِنَّكَ قَدْ أَحْسَنْتَ ، وَاللَّهُ يُثِيبُكَ عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيرًا " وَرَوَى هِشَامٌ بْنُ عُرْوَةَ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ ، مَلْعُونٌ مَنْ لَعَنَ أَبَاهُ ، مَلْعُونٌ مَنْ لَعَنَ أُمَّهُ ، مَلْعُونٌ مَنْ صَدَّ عَنِ السَّبِيلِ ، أَوْ أَضَلَّ الْأَعْمَى عَنِ الطَّرِيقِ ، مَلْعُوٌن مَنْ ذَبَحَ بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ ، مَلْعُونٌ مَنْ غَيَّرَ تُخُومَ الْأَرْضِ ، يَعْنِي الْحَدَّ الَّذِي بَيْنَ أَرْضِهِ وَأَرْضِ غَيْرِهِ . وَيُقَالُ : يَعْنِي عَلَامَاتِ الْحَرَمِ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَعَنَ أَبَاهُ وَلَعَنَ أُمَّهُ . يَعْنِي عَمِلَ عَمَلًا يُلْعَنُ بِهِ أَبَوَاهُ فَيَصِيرُ هُوَ الَّذِي لَعَنَهُمَا . وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الذَّنْبِ أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قِيلَ : وَكَيْفَ يَسُبُّ وَالِدَيْهِ ؟ قَالَ : " يَسُبُّ الرَّجُلَ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ " وَرَوَى أَبَانٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ : كَانَ شَابٌّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَمَّى عَلْقَمَةُ ، وَكَانَ شَدِيدَ الِاجْتِهَادِ ، عَظِيمَ الصَّدَقَةِ ، فَمَرِضَ ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ ، فَبَعَثَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ زَوْجِي فِي النَّزْعِ ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُعْلِمَكَ بِحَالِهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبِلَالٍ وَعَلِيٍّ وَسَلْمَانَ وَعَمَّارٍ : اذْهَبُوا إِلَى عَلْقَمَةَ فَانْظُرُوا مَا حَالُهُ . فَانْطَلَقُوا حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ ، فَقَالُوا لَهُ : قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . فَلَمْ يَنْطِقْ لِسَانُهُ ، فَلَمَّا أَيْقَنُوا أَنَّهُ هَالِكٌ ، بَعَثُوا بِلَالًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُخْبِرَهُ بِحَالِهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . " هَلْ لَهُ أَبَوَانِ " فَقِيلَ لَهُ : أَمَّا أَبُوهُ فَقَدْ مَاتَ ، وَلَهُ أُمٌّ كَبِيرَةُ السِّنِّ ، فَقَالَ : " يَا بِلَالُ انْطَلِقْ إِلَى أُمِّ عَلْقَمَةَ فَأَقْرِئْهَا مِنِّي السَّلَامَ وَقُلْ لَهَا إِنْ قَدَرْتِ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَّا فَقَرِّي حَتَّى يَأْتِيَكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " . فَأَخْبَرَهَا ، فَقَالَتْ نَفْسِي لِنَفْسِهِ الْفِدَاءُ ، أَنَا أَحَقُّ بِإِتْيَانِهِ ، فَأَخَذَتِ الْعَصَا فَمَشَتْ حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا أَنْ سَلَّمَتْ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهَا السَّلَامَ فَجَلَسَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " اصْدُقِينِي ، فَإِنْ كَذَّبْتِنِي جَاءَنِي الْوَحْيُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، كَيْفَ كَانَ حَالُ عَلْقَمَةَ " ؟ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَانَ يُصَلِّي كَذَا ، وَيَصُومُ كَذَا ، وَكَانَ يَتَصَدَّقُ بِجُمْلَةٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ مَا يَدْرِي كَمْ وَزْنُهَا ، وَمَا عَدَدُهَا ، قَالَ : " فَمَا حَالُكِ وَحَالُهُ " قَالَتْ : يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي عَلَيْهِ سَاخِطَةٌ وَاجِدَةٌ ، قَالَ لَهَا : " وَلِمَ ذَلِكَ " ؟ قَالَتْ : كَانَ يُؤْثِرُ امْرَأَتَهُ عَلَيَّ ، وَيُطِيعُهَا فِي الْأَشْيَاءِ وَيَعْصِينِي . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سُخْطُ أُمِّهِ حَجَبَ لِسَانَهُ عَنْ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " . ثُمَّ قَالَ لِبِلَالٍ : " انْطَلِقْ وَاجْمَعْ حَطَبًا كَثِيرًا حَتَّى أُحْرِقَهُ بِالنَّارِ " . فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنِي وَثَمَرَةُ فُؤَادِي تَحْرِقُهُ بِالنَّارِ بَيْنَ يَدَيَّ ؟ فَكَيْفَ يَحْتَمِلُ قَلْبِي ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا أُمَّ عَلْقَمَةَ فَعَذَابُ اللَّهِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ، فَإِنْ سَرَّكِ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ ، فَارْضَيْ عَنْهُ ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَنْفَعُهُ الصَّلَاةُ وَلَا الصَّدَقَةُ مَا دُمْتِ عَلَيْهِ سَاخِطَةً " . فَرَفَعَتْ يَدَيْهَا وَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أُشْهِدُ اللَّهَ فِي سَمَائِهِ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ حَضَرَنِي ، أَنِّي قَدْ رَضِيتُ عَنْ عَلْقَمَةَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " انْطَلِقْ يَا بِلَالُ فَانْظُرْ هَلْ يَسْتَطِيعُ عَلْقَمَةُ أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . فَلَعَلَّ أُمَّ عَلْقَمَةَ تَكَلَّمَتْ بِمَا لَيْسَ فِي قَلْبِهَا حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ، فَانْطَلَقَ بِلَالٌ ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَابِ سَمِعَ عَلْقَمَةَ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ : يَا هَؤُلَاءِ إِنَّ سَخَطَ أُمِّ عَلْقَمَةَ حَجَبَ لِسَانَهُ عَنِ الشَّهَادَةِ ، وَإِنَّ رِضَاهَا أَطْلَقَ لِسَانَهُ ، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ . فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ بِغُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ . ثُمَّ قَامَ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ وَقَالَ : " يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مَنْ فَضَّلَ زَوْجَتَهُ عَلَى أُمِّهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ يَعْنِي الْفَرَائِضَ وَالنَّوَافِلَ " . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا سورة الإسراء آية 23 ، يَعْنِي أَمَرَ رَبُّكَ أَنْ لَا تُوَحِّدُوا غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيُقَالُ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ، يَعْنِي لَا تُطِيعُوا أَحَدًا فِي الْمَعْصِيَةِ . لَكِنْ أَطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ . وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا يَعْنِي بِرًّا بِهِمَا وَعَطْفًا عَلَيْهِمَا . إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ سورة الإسراء آية 23 ، يَعْنِي الْهِرَمَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا ، يَعْنِي أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ أَوْ كِلَا الْأَبَوَيْنِ . فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ يَعْنِي لَا تُقْذِرْهُمَا ، وَلَا تَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا رَدِيئًا . وَيُقَالُ مَعْنَاهُ إِذَا كَبِرَ الْأَبَوَانِ وَاحْتَاجَا إِلَى رَفْعِ بَوْلِهِمَا وَغَائِطِهِمَا ، فَلَا تَأْخُذْ بِأَنْفِكَ عِنْدَ ذَلِكَ ، وَلَا تَعْبَسْ بِوَجْهِكَ فَإِنَّهُمَا قَدْ رَفَعَا ذَلِكَ مِنْكَ فِي حَالَةِ صِغَرِكَ ، وَرَأَيَا ذَلِكَ مِنْكَ كَثِيرًا . ثُمَّ قَالَ وَلَا تَنْهَرْهُمَا يَعْنِي لَا تُغْلِظْ لَهُمَا بِالْقَوْلِ . وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا سورة الإسراء آية 23 . يَعْنِي لَيِّنًا حَسَنًا . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ سورة الإسراء آية 24 يَعْنِي كُنْ ذَلِيلًا رَحِيمًا عَلَيْهِمَا . وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا سورة الإسراء آية 24 يَعْنِي إِذَا مَاتَا فَادْعُ لَهُمَا بِالْمَغْفِرَةِ . يَعْنِي يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ أَنْ يَعْرِفَ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ فِي حَيَاتِهِمَا ، وَيَعْرِفَ حَقَّهُمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا ، فَيَدْعُوَ لَهُمَا بِالْمَغْفِرَةِ عَلَى أَثَرِ كُلِّ صَلَاةٍ . وَيُقَالُ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا سورة الإسراء آية 24 يَعْنِي يَدْعُو لَهُمَا بِالْمَغْفِرَةِ فِي حَالِ حَيَاتِهِمَا وَبَعْدَ مَوْتِهِمَا . كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا . كَمَا قَامَا عَلَيَّ فِي حَالِ صِغَرِي حَتَّى كَبِرْتُ . فَاجْزِهِمَا عَنِّي بِالْمَغْفِرَةِ لَهُمَا . وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ دَعَا لِأَبَوَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ ، فَقَدْ أَدَّى حَقَّهُمَا . لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ سورة لقمان آية 14 ، فَشُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُصَلِّيَ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ . وَكَذَلِكَ شُكْرُ الْوَالِدَيْنِ ، أَنْ يَدْعُوَ لَهُمَا فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ . ثُمَّ قَالَ : رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ سورة الإسراء آية 25 . يَعْنِي عَالِمٌ بِمَا فِي قُلُوبِكُمْ مِنَ اللِّينِ وَالْبِرِّ لِلْأَبَوَيْنِ . إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ سورة الإسراء آية 25 . يَعْنِي إِنْ تَكُونُوا بَارِّينَ بِالْوَالِدَيْنِ فَتَسْتَوْجِبُوا عَلَى اللَّهِ بذَلِكَ الْأَجْرَ ، فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا سورة الإسراء آية 25 . يَعْنِي إِنْ تَرَكْتُمْ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ فَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ يَعْنِي الرَّاجِعِينَ عَنِ الذُّنُوبِ غَفُورًا . وَيُقَالُ لِلْوَالِدَيْنِ عَلَى الْوَلَدِ ، عَشَرَةُ حُقُوقٍ : أَحَدُهُمْ أَنَّهُ إِذَا احْتَاجَ إِلَى الطَّعَامِ أَطْعَمَهُ . وَالثَّانِي إِذَا احْتَاجَ إِلَى الكُسْوَةِ كَسَاهُ إِنْ قَدِرَ عَلَيْهِ ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا سورة لقمان آية 15 ، فَقَالَ : " الْمُصَاحَبَةُ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يُطِيعَهُمَا إِذَا جَاعَا وَيَكْسُوهُمَا إِذَا عَرِيَا " . وَالثَّالِثُ إِذَا احْتَاجَ أَحَدُهُمَا إِلَى خِدْمَتِهِ خَدَمَهُ . وَالرَّابِعُ إِذَا دَعَاهُ أَجَابَهُ وَحَضَرَهُ . وَالْخَامِسُ إِذَا أَمَرَهُ بِأَمْرٍ أَطَاعَهُ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْصِيَةِ وَالْغَيْبَةِ . وَالسَّادِسُ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَهُ بِاللِّينِ وَلَا يَتَكَلَّمَ مَعَهُ بِالْكَلَامِ الْغَلِيظِ . وَالسَّابِعُ أَنْ لَا يَدْعُوهُ بِاسْمِهِ ، وَالثَّامِنُ أَنْ يَمْشِي خَلْفَهُ . وَالتَّاسِعُ أَنْ يَرْضَى لَهُ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ ، وَيَكْرَهَ لَهُ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ . وَالْعَاشِرُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ كُلَّمَا يَدْعُو لِنَفْسِهِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ سورة نوح آية 28 ، وَهَكَذَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ { 40 } رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ سورة إبراهيم آية 40-41 ، يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ : " تَرْكُ الدُّعَاءِ لِلْوَالِدَيْنِ يُضَيِّقُ الْعَيْشَ عَلَى الْوَلَدِ ، وَهَلْ يُمْكِنُهُ أَنْ يُرْضِيَهُمَا بَعْدَ وَفَاتِهِمَا ؟ قِيلَ لَهُ : بَلَى يُرْضِيهُمَا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : أَوَّلُهَا أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ صَالِحًا فِي نَفْسِهِ ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمَا مِنْ صَلَاحِهِ . وَالثَّانِي أَنْ يَصِلَ قَرَابَتَهُمَا وَأَصْدِقَاءَهُمَا . وَالثَّالِثُ : أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمَا وَيَدْعُوَ لَهُمَا وَيَتَصَدَّقَ عَنْهُمَا " وَرَوَى الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : " إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ " . وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " لَا تَقْطَعْ مَنْ كَانَ يَصِلُ أَبَاكَ فَتُطْفِئُ بِذَلِكَ نُورَكَ ، فَإِنَّ وُدَّكَ وُدُّ أَبِيكَ " . وَذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَلَمَةَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ أَبَوَيَّ قَدْ مَاتَا فَهَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّهِمَا عَلَيَّ شَيْءٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ