حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ بُهْلُولٍ ° ، إِمْلاءً فِي يَوْمِ الاثْنَيْنِ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَثَلاثِ مِائَةٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، عَنْ أَبِي شَيْبَةَ ° ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، عَنْ عَائِشَةَ ° ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا ، وَإِنَّ أَصْدَقَ بَيْتٍ تَكَلَّمَتْ بِهِ الْعَرَبُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلا اللَّهَ بَاطِلٌ "
مذهب للمؤلف فِي التصغير قَالَ القاضي أبو الفَرَج : هَذَا البيت الَّذِي حكاه النَّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قائله من الشعراء هُوَ للبيد بْن ربيعة ، افتتح بِهِ كلمة ، فَقَالَ فِي أولها : ألا كُلُّ شيءٍ مَا خَلا اللَّهُ بَاطلُ وكلُّ نُعَيْم لا محالةَ زائلُ وبعده : وكلُّ أناسٍ سوف تدخلُ بينهم دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ منها الأنامل وقد روى أنَّ عثمان رضوان اللَّه عَلَيْهِ لمّا سمع قوله : وكل نُعَيْم لا محالة زائل ، قَالَ : كذب ، نُعَيْم أَهْلَ الجنة لا يزول ، وهذا القول من عثمان يدل عَلَى أنَّ مذهب القوم فِي العموم هُوَ جارٍ فِي لغتهم عَلَى الشمول عِنْدَ تجرده واستغراق الجنس بإطلاق لفظه . وأمّا قول لبيد فِي البيت الآخر : دُويهية عَلَى التصغير ، فمن النّاس من يَقُولُ هُوَ تصغيرٌ معناه التكبير ، وجعلهُ مثبتو الأضداد فِي اللغة من الأضداد ، وَقَالَ بعضهم : بل هُوَ عَلَى تصغيره ، وإنما أريد بِهِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الصّغير مِنْهُ يبلغ هَذَا المبلغ ، ويُؤَثِّر هَذَا الأثر فكبيره أعظم وأبلغ ، وَلِي فِي هَذَا مذهب استخرجته بنظري ، وما علمت أحدًا سبقني إِلَيْهِ ولا تقدَّمني فِيهِ ، ولكن اللَّه الَّذِي يُؤْتي الحكمة من يشاء نبهني عليه ، وهو أنَّ الاسم المصغر إنّما قُصد بِهِ الدلالة عَلَى صغر ذاته وقلة أجزائه وتعلقه بجزء يسير فِي نفسه ، فأما الصّغير فِي ذاته وقلة أجزائه ، فالْحُجَيرة الصغيرة الَّتِي ليست حجرة كبيرة ، وأمّا المتعلق بشيء يسير ، فكقولك : أتيتك قُبيل العصر أَوْ بُعيد الفجر ، فتبين أنَّ المتقدم من الزمان فِي قولك قبيل يسير قليل ، والمتأخر مِنْهُ فِي قولك بعيد قصير لَيْسَ بطويل ، ونحو هَذَا قُدَيْدِيمَة ووُرَيْئةَ فِي قدام ووراء يجري الأمر فِيهِ من جهة الأمكنة مجراه فيما قدمناه من باب الأزمة ، كَمَا قَالَ الشاعر : قُدَيْدِيمَةُ التّجريبِ والْحلم أنّني أرى غفَلاتِ العيشِ قَبْلَ التّجَارِبِ فظن من قَالَ إنَّ التصغير فِي هَذَا الباب تكبير لمّا رَأَى أنَّ القصد من قائله الإشعار بأمر عظيم وخَطْب كبير جسيم ، ولو تأمل هَذَا الظانُّ الأمرَ فِي هَذَا لبان لَهُ أنَّ الصّغير عَلَى صغره ، فإنه نتج كبيرا وأدى إِلَيْهِ عظيمًا فِي نفعه أَوْ ضرره ، وكل واحد من الأمرين عَلَى حقيقته فِي نفسه ، وخصوصيته فِي جنسه ، فالدُّوَيْهِية هنا صغيرة جَرَّت أمرًا كبيرا ، كَمَا قَالَ : رُبَّ كبيرٍ هَاجَهُ صغيرٌ وفي الْبُحُور تَغْرَق النُّحُورُ وقول القائل من المحدثين : لا تَحْقِرَنَّ سُبَيْبًا كم جَرَّ أمرًا سُبَيْبُ وكان بَعْض من يتعاطى الأدب ، ويدأب فِي طلب المعاني واستنباط لطفيها سمع مني معنى مَا ذكرته فِي هَذَا الفصل ، بَعْدَ أنَّ طعن عَلَى من قدمت الحكاية عَنْهُ فِي هَذَا الباب ، وَقَالَ : كَيْفَ يكون الصّغير كبيرًا ؟ وإذا جاز هَذَا جاز مِنْهُ أن يصح قول من قَالَ : الداء هُوَ الدواء والسُّقْم هُوَ الشفاء ، وهذا ممّا عبرت عَنْ معناه بلفظي دون لفظ المتكلم بِهِ ، لأنني لَمْ أصمد لحفظه ، ولأنه كَانَ غَيْر بليغ فِي نفسه ولا مستقيم فِي ترتيبه ، فجلي معناه بلفظ لَمْ آل فِي إيضاحه وتهذيبه . وَقَالَ هَذَا القائل : إن الَّذِي اجتبيتُه فِي هَذَا غَيْر مخالف للقول الثاني الَّذِي قَدَّمْتَ حكايته عَنْ قائله ، فكان من جوابي لهذا القائل أن قلت لَهُ : إن الفرق بَيْنَ قولي وقول من رغبت عَنْ قوله وتسبقني إلى موافقته ، أنَّ هَذَا الَّذِي حكيت قوله ، يزعم أنَّ الصّغير المذكور إِذَا جر إلى ضرر ، فكبيره أبلغ فِي الضرر مِنْهُ ، وأنا ذهبت إلى أنَّ هَذَا التصغير يؤثر تأثيرًا كبيرًا من حَيْث كَانَ جنسه يؤثر نفعا أَوْ ضُرًّا بكيفيته دون كميته ، وضربت لهذا المخاطب مثلا قربت بِهِ هَذا الفصل عينه حين بَعْدَ عِنْدَ إدراكه ، إِذَ كَانَ الفرق بَيْنَ هذين القولين لطيفًا جدا ، وكان بَيْنَهُمَا من بَعْض الوجوه تناسب وشبه وتقارب ، فقلت لَهُ : لمّا كَانَ من الأشياء مَا يكون عِنْدَ قليل أجزائه منفعة جسيمة أَوْ مضرة عظيمة ، كالدرياق والسم بولغ فِي العبارة عَنِ المنافع بها لاشتهار هَذَا المعنى ، كقول الْحُبَابِ بْن المنذر : أَنَا جُذَيْلُها الْمُحَكّك وعُذَيْقها الْمُرَجّب ، وفي الإخبار عَنِ الجنس الضار ، قول لبيد : دويهية تصفر منها الأنامل ، وجملة الفصل بَيْنَ قولي وقول من خالفته وتوهمت أني وافقته أَنَّهُ عني بالكمية وعنيت بالكيفية ، وقد يكون من الأشياء مَا يُؤثر قليله ، وينتفي تأثيره عَنْ كبيره ، كالجروراء من الحيات والصرد والقرقس والبعوض من الجنس الواحد ، وكنوع من الحيات ذوات الأجسام اللطيفة ، وعظيم ضررها ، وقُصور الحية الكبيرة المسماة الحَفّاث فِي ذَلِكَ عَنْهَا ، وإن كَانَتْ أعظم خلقًا وأشنع منظرًا ، وقد قَالَ أَهْلَ العلم بصناعة الطب : إن السقمونيا ينتفع بتناول مقدار فِيهِ يسيرٌ ذكروه ، ويقاربه فِي النفع والضر مَا قاربه من الأجزاء فِي المبلغ والقدر ، وأنه إِذَا بلغ من الكثرة مقدارا متفاوتًا لَمْ يَضْرُر كبير ضرر ، ولم يظهر فِي أخذه مَا يظهر بتناول قليله من الأثر فِي نفع ولا ضرر ، ولقد حَدَّثَنِي بَعْض متفقهي القضاة أنَّ قومًا دسّوا شيئًا كثيرًا من السقموينا فِي بَعْض المطاعم الحلوة لرجل كانوا يعاشرونه ، وكان معروفا بكثرة الأكل ، وأنه أكل جميعه وانصرف عَنْهُمْ ، فندموا عَلَى مَا كَانَ منهم ، وأشفقوا عَلَى هَذَا الرَّجُل ، وعملوا عَلَى الفحص عَنْ أمره واستعلام خبره ، فجاءهم يتأوه ، ويقول لَهُمْ : أي شَيْءٍ أطعمتموني ، فقد عرض لي قَوْلُنَج بَرّح بي ، وأمّا قول هَذَا المخاطب لي : كَيْفَ يكون الداء دواء والسقم شفاء ؟ فإن هَذَا قَدْ يوجد معنى ويستعمل لفظًا ، وقد ظهر لعامة النّاس وخاصتهم أنَّ الداء المسمى خُمار العارض عَنِ الشارب المسكر يشفى مِنْهُ شرب شَيْءٍ ممّا تولد الخمار عَنْهُ ، كَمَا قَالَ الشاعر : وصَرْعَةِ مخمورٍ رفعت بقَرْقَفٍ وقد صَرَعَتْني قَبْلَ ذَلِكَ قَرْقَفُ فقام يداوي صرعتي متعطفًا وكنت عَلَيْهِ قبلها أتعطف يموتُ ويحيا تارةً بَعْدَ تارة وتُتلفنا هَذِي المدام وتخلف إِذَا مَا تسلّفنا من الكأس سلوة تقاضى الكرى منا الَّذِي نتسلف وَقَالَ آخر : تداويتُ من لَيْلَى بليلي من الهوى كَمَا يَتَدَاوَى شاربُ الْخَمْرِ بالخَمْرِ وَقَالَ أبو نواس : دع عَنْكَ لومي فإن اللوم إغراء ودَاوِني بالتي كَانَتْ هِيَ الداء أخذه من قول الأعشى : وكأسٍ شربتُ عَلَى لَذَّة وأخرى تداويتُ منها بها لكي يعلَمَ الناسُ أني امرؤ أتيتُ المعيشة من بابها وَقَالَ جرير : يَرْمِين من خَلَلِ السُّتور بأعينٍ فِيهَا السِّقام وبُرْءُ كلِّ سقيمِ وكنت فِي الحداثة أنشأت كلمة مسمطة عَلَى نحو قصيدة مدرك الشَّيْبَانيّ فِي عَمْرو النصراني فكان ممّا ذكرتُه فِي كلمتي هَذِهِ عِنْدَ صفة عين إنسان نَعَته ونسبتُ الكلمة بِهِ : سُقْم أوى أحسن عين تَطْرُفُ تَقْوى بِهِ والقلوبُ تُضْعِفُ كالسم فِي الأفعى تَقِي وتُحْتفُ تَحْيا بِهِ وبالنفوس تتلف ثُمَّ قلت : دواءُ من أقصده بسُقمه تكراره نحو مَرَامي سَهْمِهِ كالأفعوان يُشْتفى من سُمِّهِ بشُرب دِرْياقِ كَرِيهِ لَحْمِهِ وقلت أيضا من كلمة : وشفائي بسقم مُقْلة ظبي قَدَّ قلبي مِنْهُ بأحسن قدِّ سُقمها لي شفاءُ دَائِي إِذَا جاد وداءٌ إِذَا تَصَدَّتْ لِصَدِّ وأنا أستغفر اللَّه من مساكنة مَا يشغل عَنْ عبادته ، ومما يضارع مَا وصفنا فِي هَذَا الفصل من وجه ، قول ابن الرومي : عيني لعينك حين تُبْصِرُ مقتلُ لكنّ عينكَ سَهْمُ حتف مُرْسَلُ ومن العجائِبِ أنَّ مَعْنى واحدًا هُوَ منك سَهْمٌ وهو مِنِّي مقتل وليس بمنكر أن يكون الشَّيء يُدْوِي شيئًا وَيُدَاوِي غيره ، وينتفع بِهِ فِي بَعْض ويستضر فِي بَعْض . وهذا أفشى وأكثر وأبين وأظهر من أَنْ نحتاج إلى الإطناب فِي شرحه وضرب الأمثال لَهُ . وقد حكي ممّا يدخل فِي هَذَا الباب أنَّ بَعْض المترفين أسَفّ إلى طريقة المتصوفة ، واستشرف لصحبتهم ، والاختلاط بهم وملابستهم ، فشاور فِي هَذَا بَعْض مشيختهم فردّه عما تشوف إِلَيْهِ من هَذَا وحذّره من التعرض لَهُ ، فأبت نفسه إلا إجابة مَا جذبته الدواعي إِلَيْهِ وعطفته الخواطر عَلَيْهِ ، فمال إلى فريق من هَذِهِ الطائفة فعلق بهم واتصل بجلتهم ، ثُمَّ صحب جماعة منهم متوجهًا إلى الحج فعِجز فِي بَعْض الطريق عَنْ مسايرتهم وقصر عَنِ اللحاق بهم فمضوا وتخلّف عَنْهُمْ ، واستند إلى بَعْض الأميال إرادة الاستراحة من الإعياء من الكلال ، فمر بِهِ الشَّيْخ الَّذِي شاوره فِيما حصل فِيهِ قَبْلَ أن يتسنّمه فنهاه عَنْهُ ، وحذره مِنْهُ ، فَقَالَ هَذَا الشَّيْخ مخاطبًا لَهُ ، يَقُولُ : إنَّ الَّذِينَ بِخيرٍ كنتَ تذكُرُهُمْ قضوا عَلَيْكَ وعنهم كنتُ أنهاكا فَقَالَ لَهُ : فما أصنع الآن ؟ فَقَالَ لَهُ : لا تَطْلُبَنَّ حياةً عِنْدَ غيرهمُ فليس يُحييك إلا مَنْ توفاكا واستقصاء هَذَا الباب وما يضاهيه ويتشعب مِنْهُ يطول ، ولا يليق بهذا المجلس الزيادة عَلَيْهِ . وقد يتجه فِي التصغير أن يكون أتى بِهِ تنبيها عَلَى أَنَّهُ قَدْ يأتي صغيرًا ثُمَّ ينمى فيصير كبيرًا ، أَوْ أن يضامّه غيره فيصير قليله كثيرًا ، كَمَا قيل : ربّ كبير هاجه صغيرُ وكما قيل : لا تحقرن سُبيبًا كم جرّ أمرًا سُبيب وقيل : رُبَّ محنةٍ حدثت عَنْ لحظة ، ورب حرب جنُيت من لفظة . وقد قَالُوا : القليل إلى القليل كثير ، والذودُ إلى الذود إبل . وقد يملأ القطرُ الإنَاء فيُفْعَمُ والشر تَحْقِره وقد يَنْمى ، وقد يُفْني الجزءُ بَعْدَ الجزء الْجُملةَ ، والشيء يتبع بعضه بعضًا ، وقد يؤدي انقطاع الحبَّة من السلك إلى انقطاع سائر مَا فِيهِ : ونزع الحجر من سور أَوْ جدار يؤدي إلى تهافت باقيه ، وقد قَالُوا : العصا من الْعُصَيَّة ، وفسره بعضهم أنَّ الفرد ينبت وينشأ لينًا صغيرًا ، ثُمَّ ينمى فيستطيل ويغلظ ويشتد ويصلب . وقيل : بل المعنى إن العصا نتجت من أمها العصية ، والعصا هِيَ الدابة الَّتِي أشار قَصيرٌ عَلَى جَذِيمة بركوبها عِنْدَ ظهور علامة ذكرها ، إِذ كَانَتْ عَلَى حد من الإحضار والسرعة والإهذاب والجودة تفضل بِهِ مَا هُوَ من جنسها ، وقد يكون الكثير من القليل ، والْجُمَّارُ من الفَسيل والفَنِيق من الفصيل .