وَبِهِ إِلَى أَبِي دَاوُدَ ° : ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ ° ، ثنا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ° ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ° ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ ° ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ° ، قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الضَّبُعِ ، فَقَالَ : " هُوَ صَيْدٌ وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إِذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ "
135 - مسألة : وَسُؤْرُ كُلِّ كَافِرٍ أَوْ كَافِرَةٍ وَسُؤْرُ كُلِّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ خِنْزِيرٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ حِمَارٍ أَهْلِيٍّ أَوْ دَجَاجٍ مُخَلًّى أَوْ غَيْرِ مُخَلًّى إِذَا لَمْ يَظْهَرْ هُنَالِكَ لِلُّعَابِ مَا لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَثَرٌ فَهُوَ طَاهِرٌ حَلالٌ ، حَاشَا مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ فَقَطْ ، وَلا يَجِبُ غَسْلُ الإِنَاءِ مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ ، حَاشَا مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ وَالْهِرُّ فَقَطْ . بُرْهَانُ ذَلِكَ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ بِطَهَارَةِ الطَّاهِرِ وَتَنَجُّسِ النَّجِسِ وَتَحْرِيمِ الْحَرَامِ وَتَحْلِيلِ الْحَلالِ ، وَذَمَّ أَنْ تُتَعَدَّى حُدُودُهُ ، فَكُلُّ مَا حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ طَاهِرٌ فَهُوَ طَاهِرٌ ، وَلا يَجُوزُ أَنْ يَتَنَجَّسَ بِمُلاقَاةِ النَّجِسِ لَهُ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ وَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُلُّ مَا حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ نَجِسٌ فَإِنَّهُ لا يَطْهُرُ بِمُلاقَاةِ الطَّاهِرِ لَهُ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ وَلا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكُلُّ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ لا يَحْرُمُ بِمُلاقَاةِ الْحَرَامِ لَهُ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ وَلا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكُلُّ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ بِمُلاقَاةِ الْحَلالِ لَهُ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ وَلا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلا فَرْقَ بَيْنَ مَنَ ادَّعَى أَنَّ الطَّاهِرَ يَتَنَجَّسُ بِمُلاقَاةِ النَّجِسِ . وَأَنَّ الْحَلالَ يَحْرُمُ بِمُلاقَاةِ الْحَرَامِ ، وَبَيْنَ مَنْ عَكَسَ الأَمْرَ ، فَقَالَ : بَلِ النَّجِسُ يَطْهُرُ بِمُلاقَاةِ الطَّاهِرِ ، وَالْحَرَامُ يَحِلُّ بِمُلاقَاةِ الْحَلالِ ، كِلا الْقَوْلَيْنِ بَاطِلٌ ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ ، إِلا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ بِخِلافِ هَذَا فِي شَيْءٍ مَا فَيُوقَفُ عِنْدَهُ وَلا يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ . فَإِذَا شَرِبَ كُلُّ مَا ذَكَرْنَا فِي إِنَاءٍ أَوْ أَكَلَ أَوْ أَدْخَلَ فِيهِ عُضْوًا مِنْهُ أَوْ وَقَعَ فِيهِ ، فَسُؤْرُهُ حَلالٌ طَاهِرٌ وَلا يَتَنَجَّسُ بِشَيْءٍ مِمَّا مَاسَّهُ مِنَ الْحَرَامِ أَوِ النَّجَسِ ، إِلا أَنْ يَظْهَرَ بَعْضُ الْحَرَامِ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ ، وَبَعْضُ الْحَرَامِ حَرَامٌ كَمَا قَدَّمْنَا . حَاشَا الْكَلْبَ وَالْهِرَّ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ شَرِبَ فِي الإِنَاءِ شَيْءٌ مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَهُوَ طَاهِرٌ ، وَالْوُضُوءُ بِذَلِكَ الْمَاءِ جَائِزٌ ، الْفَرَسُ وَالْبَقَرُ وَالضَّأْنُ وَغَيْرُ ذَلِكَ سَوَاءٌ ، وَكَذَلِكَ أَسْآرُ جَمِيعِ الطَّيْرِ ، وَمَا أُكِلَ لَحْمُهُ وَمَا لَمْ يُؤْكَلْ لَحْمُهُ مِنْهَا ، وَالدَّجَاجِ الْمُخَلَّى وَغَيْرِهِ ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ بِذَلِكَ الْمَاءِ جَائِزٌ وَأَكْرَهُهُ ، وَأَكْلُ أَسْآرِهَا حَلالٌ ، قَالَ : فَإِنْ شَرِبَ فِي الإِنَاءِ مَا لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ كَلْبٍ أَوْ هِرٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فَهُوَ نَجِسٌ ، وَلا يُجْزِئُ الْوُضُوءُ بِهِ ، وَمَنْ تَوَضَّأَ بِهِ أَعَادَ أَبَدًا . وَكَذَلِكَ إِنْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ لُعَابِهَا فِي مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ ، قَالَ : وَهَذَا وَمَا لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ الطَّيْرِ سَوَاءٌ فِي الْقِيَاسِ ، وَلَكِنِّي أَدَعُ الْقِيَاسَ وَأَسْتَحْسِنُ . قَالَ عَلِيٌّ : هَذَا فَرْقٌ فَاسِدٌ . وَلا نَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلَهُ فَرَّقَ هَذَا الْفَرْقَ ، وَلَئِنْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا فَلَقَدْ أَخْطَأَ فِي تَرْكِهِ الْحَقَّ ، وَفِي اسْتِحْسَانِ خِلافِ الْحَقِّ ، وَلَئِنْ كَانَ الْقِيَاسُ بَاطِلا ، فَلَقَدْ أَخْطَأَ فِي اسْتِعْمَالِ الْبَاطِلِ حَيْثُ اسْتَعْمَلَهُ وَدَانَ بِهِ . وَقَالَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ : حُكْمُ الْمَائِعِ حُكْمُ اللَّحْمِ الْمُمَاسِّ لَهُ . قَالَ عَلِيٌّ : هَذِهِ دَعْوَى بِلا دَلِيلٍ وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَأَيْضًا فَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ الْحُكْمَ لَهُمَا وَاحِدٌ فِي التَّحْرِيمِ فَقَدْ كَذَبَ ، لِأَنَّ لَحْمَ ابْنِ آدَمَ حَرَامٌ ، وَهُمْ لا يُحَرِّمُونَ مَا شَرِبَ فِيهِ أَوْ أَدْخَلَ فِيهِ لِسَانَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ فِي النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ ، فَمَنْ لَهُ بِنَجَاسَةِ الْحَيَوَانِ الَّذِي لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مَا دَامَ حَيًّا ؟ وَلا دَلِيلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَلا يَكُونُ نَجِسًا إِلا مَا جَاءَ النَّصُّ بِأَنَّهُ نَجِسٌ ، وَإِلا فَلَوْ كَانَ كُلُّ حَرَامٍ نَجِسًا لَكَانَ ابْنُ آدَمَ نَجِسًا . وَقَالَ مَالِكٌ : سُؤْرُ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَكُلِّ مَا لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ كَسُؤْرِ غَيْرِهِ وَلا فَرْقَ ، قَالَ : وَأَمَّا مَا أَكَلَ الْجِيَفَ مِنَ الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ فَإِنْ شَرِبَ مِنْ مَاءٍ لَمْ يُتَوَضَّأْ بِهِ ، وَكَذَلِكَ الدَّجَاجُ الَّتِي تَأْكُلُ النَّتِنَ ، فَإِنْ تَوَضَّأَ بِهِ لَمْ يُعِدْ إِلا فِي الْوَقْتِ ، فَإِنْ شَرِبَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي لَبَنٍ ، فَإِنْ تَبَيَّنَ فِي مِنْقَارِهِ قَذَرٌ لَمْ يُؤْكَلْ ، وَأَمَّا مَا لَمْ يُرَ فِي مِنْقَارِهِ فَلا بَأْسَ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُهُ : يَتَوَضَّأُ بِهِ إِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَيَتَيَمَّمُ ، إِذَا عَلِمَ أَنَّهَا تَأْكُلُ النَّتِنَ . وَقَالَ مَالِكٌ : لا بَأْسَ بِلُعَابِ الْكَلْبِ . قَالَ عَلِيٌّ : إِيجَابُهُ الإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ خَطَأٌ عَلَى أَصْلِهِ ، لِأَنَّهُ لا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَدَّى الطَّهَارَةَ وَالصَّلاةَ كَمَا أُمِرَ ، أَوْ لَمْ يُؤَدِّهِمَا كَمَا أُمِرَ ، فَإِنْ كَانَ أَدَّى الصَّلاةَ وَالطَّهَارَةَ كَمَا أُمِرَ فَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ ظُهْرَيْنِ لِيَوْمٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤَدِّهِمَا كَمَا أُمِرَ فَالصَّلاةُ عَلَيْهِ أَبَدًا ، وَهِيَ تُؤَدَّى عِنْدَهُ بَعْدَ الْوَقْتِ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَعَصِّبِينَ لَهُ إِذْ سُئِلَ بِهَذَا السُّؤَالِ ، فَقَالَ : صَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ ، فَلَمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ هَذَا ذَكَرَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى سورة الأنفال آية 17 قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيٌّ : وَهَذَا الاحْتِجَاجُ بِالْآيَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا أَقْبَحُ مِنَ الْقَوْلِ الْمُمَوَّهِ لَهُ بِذَلِكَ ، لأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرْمِ إِذْ رَمَى ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى هُوَ رَمَاهَا . فَهَذَا الْبَائِسُ الَّذِي صَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ ، مَنْ صَلاهَا عَنْهُ ؟ فَلا بُدَّ لِلصَّلاةِ إِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً مِنْهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا فَاعِلٌ ، كَمَا كَانَ لِلرَّمْيَةِ رَامٍ ، وَهُوَ الْخَلاقُ عَزَّ وَجَلَّ إِذْ وُجُودُ فِعْلٍ لا فَاعِلَ لَهُ مُحَالٌ وَضَلالٌ ، وَلَيْسَ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ ، وَإِنْ كَانَتِ الصَّلاةُ الَّتِي أُمِرَ بِهَا غَيْرَ مَوْجُودَةٍ مِنْهُ فَلْيُصَلِّهَا عَلَى أَصْلِهِمْ أَبَدًا . وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ : إِنَّهُ إِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهَا تَأْكُلُ النَّتِنَ فَمُتَنَاقِضٌ ، لِأَنَّهُ إِمَّا مَاءٌ وَإِمَّا لَيْسَ مَاءً ، فَإِنْ كَانَ مَاءً فَإِنَّهُ لَئِنْ كَانَ يُجْزِئُ الْوُضُوءُ بِهِ إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهُ ، لِأَنَّهُ مَاءٌ ، وَإِنْ كَانَ لا يُجْزِئُ إِذَا وَجَدَ غَيْرَهُ ، فَإِنَّهُ لا يُجْزِئُ إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ إِنْ كَانَ لَيْسَ مَاءً ، لِأَنَّهُ لا يُعَوِّضُ مِنَ الْمَاءِ إِلا التُّرَابُ ، وَإِدْخَالُ التَّيَمُّمِ فِي ذَلِكَ خَطَأٌ ظَاهِرٌ ، لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لا يَحِلُّ مَا دَامَ يُوجَدُ مَاءٌ يُجْزِئُ بِهِ الْوُضُوءُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : سُؤْرُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ الْحَلالِ أَكْلُهُ وَالْحَرَامِ أَكْلُهُ طَاهِرٌ ، وَكَذَلِكَ لُعَابُهُ حَاشَا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ ، وَاحْتَجَّ لِقَوْلِهِ هَذَا بَعْضُ أَحْكَامِهِ بِأَنَّهُ قَاسَ ذَلِكَ عَلَى أَسْآرِ بَنِي آدَمَ وَلُعَابِهِمْ ، فَإِنَّ لُحُومَهُمْ حَرَامٌ ، وَلُعَابَهُمْ وَأَسْآرَهُمْ كُلَّ ذَلِكَ طَاهِرٌ . قَالَ عَلِيٌّ : الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ ، لِأَنَّ قِيَاسَ سَائِرِ السِّبَاعِ عَلَى الْكَلْبِ الَّذِي لَمْ يُحَرَّمْ إِلا أَنَّهُ مِنْ جُمْلَتِهَا ، وَبِعُمُومِ تَحْرِيمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَحْمَ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَقَطْ ، فَدَخَلَ الْكَلْبُ فِي جُمْلَتِهَا بِهَذَا النَّصِّ ، وَلَوْلاهُ لَكَانَ حَلالا أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى ابْنِ آدَمَ الَّذِي لا عِلَّةَ تَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، لِأَنَّ بَنِي آدَمَ مُتَعَبِّدُونَ ، وَالسِّبَاعُ وَسَائِرُ الْحَيَوَانِ غَيْرُ مُتَعَبِّدَةٍ ، وَإِنَاثُ بَنِي آدَمَ حَلالٌ لِذُكُورِهِمْ بِالتَّزْوِيجِ الْمُبَاحِ وَبِمِلْكِ الْيَمِينِ الْمُبِيحِ لِلْوَطْءِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِنَاثُ سَائِرِ الْحَيَوَانِ ، وَأَلْبَانُ نِسَاءِ بَنِي آدَمَ حَلالٌ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَلْبَانُ إِنَاثِ السِّبَاعِ وَالأُتُنِ ، فَظَهَرَ خَطَأُ هَذَا الْقِيَاسِ بِيَقِينٍ . فَإِنْ قَالُوا : قِسْنَاهَا عَلَى الْهِرِّ ، قِيلَ لَهُمْ : وَمَا الَّذِي أَوْجَبَ أَنْ تَقِيسُوهَا عَلَى الْهِرِّ دُونَ أَنْ تَقِيسُوهَا عَلَى الْكَلْبِ ؟ لا سِيَّمَا وَقَدْ قِسْتُمُ الْخِنْزِيرَ عَلَى الْكَلْبِ وَلَمْ تَقِيسُوهُ عَلَى الْهِرِّ ، كَمَا قِسْتُمُ السِّبَاعَ عَلَى الْهِرِّ ، هَذَا لَوْ سُلِّمَ لَكُمْ أَمْرُ الْهِرِّ ، فَكَيْفَ وَالنَّصُّ الثَّابِتُ الَّذِي هُوَ أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدَةَ عَنْ كَبْشَةَ وَقَدْ وَرَدَ مُبَيِّنًا لِوُجُوبِ غَسْلِ الإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْهِرِّ ، فَهَذِهِ مَقَايِيسُ أَصْحَابِ الْقِيَاسِ كَمَا تَرَى . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى عَظِيمِ نِعَمِهِ . 136 - مسألة : وَكُلُّ شَيْءٍ مَائِعٍ مِنْ مَاءٍ أَوْ زَيْتٍ أَوْ سَمْنٍ أَوْ لَبَنٍ أَوْ مَاءِ وَرْدٍ أَوْ عَسَلٍ أَوْ مَرَقٍ أَوْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، أَيَّ شَيْءٍ كَانَ ، إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ أَوْ شَيْءٌ حَرَامٌ يَجِبُ اجْتِنَابُهُ أَوْ مَيْتَةٌ ، فَإِنْ غَيَّرَ ذَلِكَ لَوْنَ مَا وَقَعَ فِيهِ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ فَقَدْ فَسَدَ كُلُّهُ وَحُرِّمَ أَكْلُهُ ، وَلَمْ يَجُزِ اسْتِعْمَالُهُ وَلا بَيْعُهُ ، فَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ شَيْئًا مِنْ لَوْنِ مَا وَقَعَ فِيهِ وَلا مِنْ طَعْمِهِ وَلا مِنْ رِيحِهِ ، فَذَلِكَ الْمَائِعُ حَلالٌ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ إِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَالْوُضُوءُ حَلالٌ بِذَلِكَ الْمَاءِ ، وَالتَّطَهُّرُ بِهِ فِي الْغُسْلِ أَيْضًا كَذَلِكَ ، وَبَيْعُ مَا كَانَ جَائِزًا بَيْعُهُ قَبْلَ ذَلِكَ حَلالٌ ، وَلا مَعْنَى لِتَبَيُّنِ أَمْرِهِ ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا وَقَعَ فِيهِ مُخَاطٌ أَوْ بُصَاقٌ إِلا أَنَّ الْبَائِلَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ الَّذِي لا يَجْرِي حَرَامٌ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَالاغْتِسَالُ بِهِ لِفَرْضٍ أَوْ لِغَيْرِهِ ، وَحُكْمُهُ التَّيَمُّمُ إِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ . وَذَلِكَ الْمَاءُ طَاهِرٌ حَلالٌ شُرْبُهُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ ، إِنْ لَمْ يُغَيِّرِ الْبَوْلُ شَيْئًا مِنْ أَوْصَافِهِ . وَحَلالٌ الْوُضُوءُ بِهِ وَالْغُسْلُ بِهِ لِغَيْرِهِ . فَلَوْ أَحْدَثَ فِي الْمَاءِ أَوْ بَالَ خَارِجًا مِنْهُ ثُمَّ جَرَى الْبَوْلُ فِيهِ فَهُوَ طَاهِرٌ ، يَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْهُ وَالْغُسْلُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ ، إِلا أَنْ يُغَيِّرَ ذَلِكَ الْبَوْلُ أَوِ الْحَدَثُ شَيْئًا مِنْ أَوْصَافِ الْمَاءِ ، فَلا يُجْزِئُ حِينَئِذٍ اسْتِعْمَالُهُ أَصْلا لَهُ وَلا لِغَيْرِهِ . وَحَاشَا مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ فَإِنَّهُ يُهْرَقُ وَلا بُدَّ كَمَا قَدَّمْنَا فِي بَابِهِ ، وَحَاشَا السَّمْنَ يَقَعُ فِيهِ الْفَأْرُ مَيِّتًا أَوْ يَمُوتُ فِيهِ أَوْ يَخْرُجُ مِنْهُ حَيًّا ذَكَرًا كَانَ الْفَأْرُ أَوْ أُنْثَى صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ ذَائِبًا حِينَ مَوْتِ الْفَأْرِ فِيهِ ، أَوْ حِينَ وُقُوعِهِ فِيهِ مَيِّتًا أَوْ خَرَجَ مِنْهُ حَيًّا أُهْرِقَ كُلُّهُ ، وَلَوْ أَنَّهُ أَلْفُ أَلْفِ قِنْطَارٍ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ وَلَمْ يَحِلَّ الانْتِفَاعُ بِهِ جَمَدَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَجْمُدْ وَإِنْ كَانَ حِينَ مَوْتِ الْفَأْرِ فِيهِ أَوْ وُقُوعِهِ فِيهِ مَيِّتًا جَامِدًا وَاتَّصَلَ جُمُودُهُ ، فَإِنَّ الْفَأْرَ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَمَا حَوْلَهُ وَيُرْمَى ، وَالْبَاقِي حَلالٌ أَكْلُهُ وَبَيْعُهُ وَالادِّهَانُ بِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، وَحَاشَا الْمَاءَ فَلا يَحِلُّ بَيْعُهُ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُ فِي الْبُيُوعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . بُرْهَانُ ذَلِكَ : مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى وَحَكَمَ فِيهِ بِأَنَّهُ طَاهِرٌ فَهُوَ كَذَلِكَ أَبَدًا مَا لَمْ يَأْتِ نَصٌّ آخَرُ بِتَحْرِيمِهِ أَوْ نَجَاسَتِهِ . وَكُلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ نَجَّسَهُ فَهُوَ كَذَلِكَ أَبَدًا مَا لَمْ يَأْتِ نَصٌّ آخَرُ بِإِبَاحَتِهِ أَوْ تَطْهِيرِهِ ، وَمَا عَدَا هَذَا فَهُوَ تَعَدٍّ لِحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَالَ تَعَالَى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا سورة البقرة آية 229 وَقَالَ تَعَالَى : وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ سورة النحل آية 116 وَقَالَ تَعَالَى : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا قُلْ ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ سورة يونس آية 59 وَصَحَّ بِهَذَا يَقِينًا أَنَّ الطَّاهِرَ لا يَنْجَسُ بِمُلاقَاةِ النَّجِسِ ، وَأَنَّ النَّجِسَ لا يَطْهُرُ بِمُلاقَاةِ الطَّاهِرِ . وَأَنَّ الْحَلالَ لا يُحَرَّمُ بِمُلاقَاةِ الْحَرَامِ ، وَالْحَرَامَ لا يَحِلُّ بِمُلاقَاةِ الْحَلالِ ، بَلِ الْحَلالُ حَلالٌ كَمَا كَانَ ، وَالْحَرَامُ حَرَامٌ كَمَا كَانَ ، وَالطَّاهِرُ طَاهِرٌ كَمَا كَانَ ، وَالنَّجِسُ نَجِسٌ كَمَا كَانَ ، إِلا أَنْ يَرِدَ نَصٌّ بِإِحَالَةِ حُكْمٍ مِنْ ذَلِكَ فَسَمْعًا وَطَاعَةً . وَإِلا فَلا . وَلَوْ تَنَجَّسَ الْمَاءُ بِمَا يُلاقِيهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ مَا طَهُرَ شَيْءٌ أَبَدًا ، لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا صُبَّ عَلَى النَّجَاسَةِ لِغَسْلِهَا يَنْجَسُ عَلَى قَوْلِهِمْ وَلا بُدَّ ، وَإِذَا تَنَجَّسَ وَجَبَ تَطْهِيرُهُ ، وَهَكَذَا أَبَدًا ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَتَنَجَّسَ الْبَحْرُ وَالأَنْهَارُ الْجَارِيَةُ كُلُّهَا ، لِأَنَّهُ إِذَا تَنَجَّسَ الْمَاءُ الَّذِي خَالَطَتْهُ النَّجَاسَةُ وَجَبَ أَنْ يَتَنَجَّسَ الْمَاءُ الَّذِي يُمَاسُّهُ أَيْضًا ، ثُمَّ يَجِبُ أَنْ يَتَنَجَّسَ مَا مَسَّهُ أَيْضًا كَذَلِكَ أَبَدًا ، وَهَذَا لا مَخْلَصَ مِنْهُ . فَإِنْ قَالُوا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ : لا يَتَنَجَّسُ . تَرَكُوا قَوْلَهُمْ وَرَجَعُوا إِلَى الْحَقِّ وَتَنَاقَضُوا ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ مَعَنَا عَلَى بُطْلانِ ذَلِكَ وَعَلَى تَطْهِيرِ الْمَخْرَجِ وَالدَّمِ فِي الْفَمِ وَالثَّوْبِ وَالْجِسْمِ إِقْرَارٌ بِأَنَّهُ لا نَجَاسَةَ إِلا مَا ظَهَرَتْ فِيهِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ ، وَلا يُحَرَّمُ إِلا مَا ظَهَرَ فِيهِ عَيْنُ الْمَنْصُوصِ عَلَى تَحْرِيمِهِ فَقَطْ ، وَسَائِرُ قَوْلِهِمْ فَاسِدٌ . فَإِنْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْمَاءِ الْوَارِدِ وَبَيْنَ الَّذِي تَرِدُهُ النَّجَاسَةُ ، زَادُوا فِي التَّخْلِيطِ بِلا دَلِيلٍ . وَأَمَّا إِذَا تَغَيَّرَ لَوْنُ الْحَلالِ الطَّاهِرِ بِمَا مَازَجَهُ مِنْ نَجِسٍ أَوْ حَرَامٍ أَوْ تَغَيَّرَ طَعْمُهُ بِذَلِكَ ، أَوْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ بِذَلِكَ ، فَإِنَّنَا حِينَئِذٍ لا نَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْحَلالِ إِلا بِاسْتِعْمَالِ الْحَرَامِ ، وَاسْتِعْمَالُ الْحَرَامِ فِي الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَفِي الصَّلاةِ حَرَامٌ كَمَا قُلْنَا ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ الامْتِنَاعُ مِنْهُ ، لا لِأَنَّ الْحَلالَ الطَّاهِرَ حُرِّمَ وَلا تَنَجَّسَتْ عَيْنُهُ ، وَلَوْ قَدَرْنَا عَلَى تَخْلِيصِ الْحَلالِ الطَّاهِرِ مِنَ الْحَرَامِ وَالنَّجَسِ ، لَكَانَ حَلالا بِحَسَبِهِ . وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ أَوِ الْحَرَامُ عَلَى جِرْمٍ طَاهِرٍ فَأَزَلْنَاهَا ، فَإِنَّ النَّجِسَ لَمْ يَطْهُرْ وَالْحَرَامُ لَمْ يَحِلَّ ، لَكِنَّهُ زَايَلَ الْحَلالَ الطَّاهِرَ ، فَقَدَرْنَا عَلَى أَنْ نَسْتَعْمِلَهُ حِينَئِذٍ حَلالا طَاهِرًا كَمَا كَانَ . وَكَذَلِكَ إِذَا اسْتَحَالَتْ صِفَاتُ عَيْنِ النَّجِسِ أَوِ الْحَرَامِ ، فَبَطَلَ عَنْهُ الاسْمُ الَّذِي بِهِ وَرَدَ ذَلِكَ الْحُكْمُ فِيهِ ، وَانْتَقَلَ إِلَى اسْمٍ آخَرَ وَارِدٍ عَلَى حَلالٍ طَاهِرٍ ، فَلَيْسَ هُوَ ذَلِكَ النَّجِسَ وَلا الْحَرَامَ ، بَلْ قَدْ صَارَ شَيْئًا آخَرَ ذَا حُكْمٍ آخَرَ . وَكَذَلِكَ إِذَا اسْتَحَالَتْ صِفَاتُ عَيْنِ الْحَلالِ الطَّاهِرِ ، فَبَطَلَ عَنْهُ الاسْمُ الَّذِي بِهِ وَرَدَ ذَلِكَ الْحُكْمُ فِيهِ ، وَانْتَقَلَ إِلَى اسْمٍ آخَرَ وَارِدٍ عَلَى حَرَامٍ أَوْ نَجِسٍ ، فَلَيْسَ هُوَ ذَلِكَ الْحَلالَ الطَّاهِرَ ، بَلْ قَدْ صَارَ شَيْئًا آخَرَ ذَا حُكْمٍ آخَرَ كَالْعَصِيرِ يَصِيرُ خَمْرًا ، أَوِ الْخَمْرِ يَصِيرُ خَلًّا ، أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ تَأْكُلُهُ دَجَاجَةٌ يَسْتَحِيلُ فِيهَا لَحْمَ دَجَاجٍ حَلالا وَكَالْمَاءِ يَصِيرُ بَوْلا ، وَالطَّعَامِ يَصِيرُ عَذِرَةً ، وَالْعَذِرَةُ وَالْبَوْلُ تُدْهَنُ بِهِمَا الأَرْضُ فَيَعُودَانِ ثَمَرَةً حَلالا ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ ، وَكَنُقْطَةِ مَاءٍ تَقَعُ فِي خَمْرٍ أَوْ نُقْطَةِ خَمْرٍ تَقَعُ فِي مَاءٍ ، فَلا يَظْهَرُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَثَرٌ ، وَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ ، وَالأَحْكَامُ لِلْأَسْمَاءِ وَالأَسْمَاءُ تَابِعَةٌ لِلصِّفَاتِ الَّتِي هِيَ حَدُّ مَا هِيَ فِيهِ الْمُفَرِّقُ بَيْنَ أَنْوَاعِهِ . وَأَمَّا إِبَاحَةُ بَيْعِهِ وَالاسْتِصْبَاحِ بِهِ ، فَإِنَّمَا بَيْعُ الْجِرْمِ الْحَلالِ لا مَا مَازَجَهُ مِنَ الْحَرَامِ ، وَبَيْعُ الْحَلالِ حَلالٌ كَمَا كَانَ قَبْلُ . وَمَنِ ادَّعَى خِلافَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ . وَمِمَّنْ أَجَازَ بَيْعَ الْمَائِعَاتِ تَقَعُ فِيهَا النَّجَاسَةُ وَالانْتِفَاعَ بِهَا : عَلِيٌّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَالْقَاسِمُ ، وَسَالِمٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَسُفْيَانُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَغَيْرُهُمْ . فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ يُحَرِّمُ ذَلِكَ وَلا يَسْتَجِيزُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَلَوْ أُعْطِيَهُ بِلا ثَمَنٍ ، فَكِتْمَانُهُ ذَلِكَ غِشٌّ ، وَالْغِشُّ حَرَامٌ ، وَالدِّينُ النَّصِيحَةُ . قُلْنَا : نَعَمْ ، كَمَا أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَسْتَسْهِلُ أَنْ يَأْخُذَ مَائِعًا وَقَعَتْ فِيهِ مَخْطَةُ مَجْذُومٍ ، أَوْ أَدْخَلَ فِيهِ يَدَهُ ، وَلَوْ أُعْطِيَهُ بِلا ثَمَنٍ ، وَهَذَا عِنْدَ الْجَامِدِينَ مِنْ خُصُومِنَا لا مَعْنَى لَهُ ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا غِشًّا ، إِنَّمَا الْغِشُّ مَا كَانَ فِي الدِّينِ ، وَالنَّصِيحَةُ كَذَلِكَ ، لا فِي الظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ الْمُخَالِفَةِ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى . عَلَى أَنَّ فِي الْقَائِلِينَ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْبُصَاقَ نَجِسٌ مِمَّنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الأَرْضِ مَمْلُوءَةً مِنْ مِثْلِ مَنْ قَلَّدَهُ هَؤُلاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ ، كَمَا