حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ° ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ° ، ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ° ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ° ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ° ، ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ° ، ثنا قُتَيْبَةُ ° ، عَنْ إِسْمَاعِيلِ بْنِ جَعْفَرٍ ° ، أخبرني مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ ° ، أَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ° ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ° : عَنِ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ ؟ فَقَالَتْ : " كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْعَصْرِ ، ثُمَّ إِنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَْا أَوْ نَسِيَهُمَا فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ ثُمَّ ، أَثْبَتَهُمَا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا " . قال عَلِيٌّ : بِهَذَا تَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ : إِنَّهُمَا لَا تَجُوزَانِ إِلَّا لِمَنْ نَسِيَهُمَا أَوْ شُغِلَ عَنْهُمَْا ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ صَلَاتُهُمَا حِينَئِذٍ جَائِزَةً حَسَنَةً مَا أَثْبَتَهُمَا فِي وَقْتٍ لَا تَجُوزَانِ فِيهِ ؟ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ فَاحْتُجَّ لَهُمَا
بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ : حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، ثنا عَمِّي هُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، ثنا أَبِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ ، أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ يَعْنِي رَكْعَتَيْنِ وَيَنْهَى عَنْهَا وَيُوَاصِلُ وَيَنْهَى عَنِ الْوِصَالِ " وَبِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبَزَّارِ : ثنا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ، ثنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " إِنَّمَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ لِأَنَّهُ جَاءَهُ مَالٌ فَقَسَّمَهُ شَغَلَهُ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ ، بَعْدَ الظُّهْرِ ، فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَلَمْ يَعُدْ لَهُمَا " بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَيْمَنَ : ثنا قَاسِمُ بْنُ يُونُسَ ، ثنا أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ ، ثنا اللَّيْثُ ، ثنا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابِيٍّ مَوْلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنَّ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ أَخْبَرَهُ : أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا حَجَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ ، فَسَأَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ اللَّتَيْنِ صَلَّاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقال : أَخْبَرَتْنِيهِ عَائِشَةُ فَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ إِلَى عَائِشَةَ : هَلْ صَلَّاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَكَ ؟ قَالَتْ : لَا ، وَلَكِنْ أَخْبَرَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّهُ صَلَّاهُمَا عِنْدَهَا ؟ فَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ الْمِسْوَرَ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا ، فَقَالَتْ : " دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْعَصْرِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ؟ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ رَأَيْتُكَ الْيَوْمَ صَلَّيْتَ صَلَاةً مَا رَأَيْتُكَ تُصَلِّيهَا ؟ فَقال : شَغَلَنِي خَصْمٌ فَكَانَتْ رَكْعَتَيْنِ وَكُنْتُ أُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْعَصْرِ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُصَلِّيَهُمَا الْآنَ ؟ قَالَتْ : لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَلَا بَعْدَهُ ! " وَبِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ : ثنا سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ ، ثنا أَبُو إِِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، قال : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْعَصْرَ وَالصُّبْحَ " وَبِمَا رَوَاهُ بَعْضُ النَّاسِ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنِ الْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ ذَكْوَانَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ : " صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ بَيْتِي فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ؟ " فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صَلَّيْتَ صَلَاةً لَمْ تُصَلِّهَا ؟ قال : " قَدِمَ عَلَيَّ مَالٌ فَشَغَلَنِي عَنْ رَكْعَتَيْنِ كُنْتُ أَرْكَعُهُمَا بَعْدَ الظُّهْرِ فَصَلَّيْتُهُمَا الْآنَ ؟ " قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَنَقْضِيهِمَا إِذَا فَاتَتَا ؟ قال : " لَا " وَبِمَا رَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ : أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ ؟ فَقَالَتْ : لَيْسَ عِنْدِي صَلَّاهُمَا لَكِنْ أُمُّ سَلَمَةَ ، حَدَّثَتْنِي أَنَّهُ صَلَّاهُمَا عِنْدَهَا ؟ فَأَرْسَلَ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ ؟ فَقَالَتْ : صَلَّاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدِي ، لَمْ أَرَهُ صَلَّاهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ ؟ قال : " هُمَا سَجْدَتَانِ كُنْتُ أُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الظُّهْرِ فَقَدِمَ عَلَيَّ قَلَائِصُ مِنَ الصَّدَقَةِ فَنَسِيتُهُمَا حَتَّى صَلَّيْتُ الْعَصْرَ ثُمَّ ذَكَرْتُهُمَا ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُصَلِّيَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ يَرَوْنِي فَصَلَّيْتُهُمَا عِنْدَكِ " وَذَكَرُوا الْأَخْبَارَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَسَنَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بَعْدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبِهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ ؟ . قال عَلِيٌّ : وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ . أَمَّا حَدِيثُ ذَكْوَانَ عَنْ عَائِشَةَ فَلَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْهُمَْا وَإِِنَّمَا فِيهِ نَهْيٌ عَنْهَا يَعْنِي عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ جُمْلَةً ، وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَإِِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْوَاجِبُ اسْتِعْمَالُ فِعْلِهِ وَنَهْيِهِ فَنَنْهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَنُصَلِّي مَا صَلَّى عَلَيْهِ السَّلامُ ، وَنَخُصُّ الْأَقَلَّ مِنَ الْأَكْثَرِ ، وَنَسْتَعْمِلُهُمَا جَمِيعًا ، وَلَا نَخَافُ وَاحِدًا مِنْهُمَا . وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ تَرَكَ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَحَّ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَنَهَى عَنْهُمَْا مِنْ أَجْلِ نَهْيِهِ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ : وَبَيْنَ مَنْ تَرَكَ نَهْيَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ أَجْلِ صَلَاتِهِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ . وَلَوْ قَالَتْ : وَكَانَ يَنْهَى عَنْهُمَْا لَكَانَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا لَهُ خَاصَّةً وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ بِالْكَذِبِ ، وَلَا الزِّيَادَةِ فِي الرِّوَايَةِ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ جُمْلَةً ؟ ! . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمَعْلُولٌ مِنْ وُجُوهٍ : أَوَّلُهَا أَنَّ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ إِلَّا بَعْدَ اخْتِلَاطِ عَطَاءٍ ، وَتَفَلُّتِ عَقْلِهِ ، هَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ . وَثَانِيهَا أَنَّهُ لَوْ صَحَّ وَسَمِعْنَا نَحْنُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ ذَلِكَ : لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْبَرَ بِمَا عَرَفَ ، وَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ بِمَا كَانَ عِنْدَهَا ، مِمَّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ : مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَدَعِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ مَاتَ ؟ فَهَذَا الْعِلْمُ الزَّائِدُ الَّذِي لَا يَحِلُّ تَرْكُهُ ، وَمَنْ أَيْقَنَ وَقال : عَلِمْتُ أَوْلَى مِمَّنْ قال : لَا أَعْلَمُ وَكِلَاهُمَا صَادِقٌ ؟ . وَثَالِثُهَا أَنَّهُ حَتَّى لَوْ صَحَّ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَأْتِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّيْءَ مَرَّةً وَاحِدَةً حُجَّةٌ بَاقِيَةٌ وَحَقٌّ ثَابِتٌ أَبَدًا ، مَا لَمْ يَنْهَ عَمَّا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ ؟ وَمَنْ قال : لَا يَكُونُ فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّيْءَ حَقًّا إِلَّا حَتَّى يُكَرِّرَ فِعْلَهُ فَهُوَ كَافِرٌ مُشْرِكٌ وَسَخِيفٌ مَعَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُقال لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا فُعِلَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَلْفَ مَرَّةٍ ، وَلَا فَرْقَ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ ، وَلَا ذُو عَقْلٍ ؟ وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّ الصَّاحِبَ إِذَا رَوَى خَبَرًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ خَالَفَهُ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عِنْدَهُمْ عَلَى وَهْنِ الْخَبَرِ وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الصَّلَاةُ بَعْدَ الْعَصْرِ كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا فَهَلَّا عَلَّلُوا هَذَا الْخَبَرَ بِمُخَالَفَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمَا رَوَى فِي ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُمْ لَا مَؤُونَةَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّنَاقُضِ فَسَقَطَ هَذَا الْخَبَرُ جُمْلَةً ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ ؟ ! . وَأَمَّا خَبَرُ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِوُجُوهٍ : أَوَّلُهَا ضَعْفُ سَنَدِهِ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَفِيهِ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ سَمَاعًا مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَلَا مِنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْا . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ صَلَاتِهِمَا وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً لَنَا لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَلَوْ كَانَتَا لَا تَجُوزَانِ ، أَوْ مَكْرُوهَتَيْنِ مَا فَعَلَهُمَا عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ، وَفِعْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَقٌّ وَهُدًى ، سَوَاءٌ فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ أَلْفَ مَرَّةٍ وَمَنْ قال : إِنَّ فِعْلَهُ ضَلَالٌ فَهُوَ كَافِرٌ ؟ . وَالرَّابِعُ : أَنَّهُ قَدْ صَحَّ خِلَافُ هَذَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَالْخَامِسُ : أَنَّهُ مَوْضُوعٌ بِلَا شَكٍّ لِأَنَّ فِيهِ إِنْكَارَ عَائِشَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَلَّاهُمَا عِنْدَهَا . وَنَقْلُ التَّوَاتُرِ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ : أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ السَّلامُ يُصَلِّيهِمَا عِنْدَهَا مِثْلُ : عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَمَسْرُوقٍ ، وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، وَطَاوُسٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَأَيْمَنِ ، وَغَيْرِهِمْ . وَهَذَا الْقَوْلُ سَوَاءٌ أَيْضًا فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا مَجْهُولٌ وَلَمْ يَذْكُرْ أَيْضًا : أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ ؛ وَهُوَ خَبَرٌ مَوْضُوعٌ لَا شَكَّ فِيهِ ! لِأَنَّ فِيهِ كَذِبًا ظَاهِرًا لَا شَكَّ فِيهِ ؟ وَهُوَ مَا نُسِبَ إِلَى عَائِشَةَ مِنْ قَوْلِهَا " لَيْسَ عِنْدِي صَلَّاهُمَا " وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ رَوَى تَكْذِيبَ هَذَا آنِفًا . وَلِأَنَّ فِيهِ أَيْضًا لَفْظًا لَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يَقُولَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَهُوَ " فَكَرِهْتُ أَنْ أُصَلِّيَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيَّ فَصَلَّيْتُهُمَا عِنْدَكِ ! " . إِذْ لَا يَخْلُو فِعْلُهُمَا : أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا أَوْ حَرَامًا أَوْ مُبَاحًا حَسَنًا ؟ . فَإِِنْ كَانَ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا فَمَنْ نَسَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّسَتُّرَ ؟ لِمُحَرَّمَاتٍ فَهُوَ كَافِرٌ لِتَفْسِيقِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ سورة هود آية 88 . وَمِنَ الْمُحَالِ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَتَعَنَّى عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَكَلُّفِ صَلَاةٍ مَكْرُوهَةٍ لَا أَجْرَ فِيهَا ؟ فَهَذَا هُوَ التَّكَلُّفُ الَّذِي أَمَرَهُ تَعَالَى ، أَنْ يَقُولَ فِيهِ : وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ سورة ص آية 86 وَحَاشَا لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَفْعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَاصِدًا إِلَى فِعْلِهِ إِلَّا مَا يُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ تَعَالَى وَيُنْسِيهِ تَعَالَى الشَّيْءَ لَيْسَ لَنَا فِيهِ مَا يُقَرِّبُنَا مِنْ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ ؟ وَلَا مَزِيدَ ! وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ أَصْلًا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا إِخْبَارُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَا عَلِمَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهُمَا ، وَهُوَ الصَّادِقُ فِي قَوْلِهِ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا نَهْيٌ عَنْهُمَْا ، وَلَا كَرَاهَةٌ لَهُمَا وَمَا صَامَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَطُّ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ وَلَيْسَ هَذَا بِمُوجِبٍ كَرَاهِيَةَ صَوْمِ شَهْرٍ كَامِلٍ تَطَوُّعًا . ثُمَّ قَدْ رَوَى غَيْرُ عَلِيٍّ : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَلَّاهُمَا فَكُلٌّ أَخْبَرَ بِعِلْمِهِ ، وَكُلُّهُمْ صَادِقٌ ! ثُمَّ قَدْ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ خِلَافُ ذَلِكَ كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّ الصَّاحِبَ إِذَا رَوَى حَدِيثًا وَخَالَفَهُ فَهَذَا دَلِيلٌ عِنْدَهُمْ عَلَى سُقُوطِ ذَلِكَ الْخَبَرِ فَهَلَّا قَالُوا هَذَا هَهُنَا ؟ ! . وَأَمَّا حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنِ الْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ ذَكْوَانَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ؟ فَحَدِيثٌ مُنْكَرٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ فِي كُتُبِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ . وَأَيْضًا فَإِِنَّهُ مُنْقَطِعٌ ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ ذَكْوَانُ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ : أَنَّ أَبَا الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيِّ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ : عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنِ الْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ ذَكْوَانَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " صَلَّى فِي بَيْتِهَا رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ ؟ " فَقُلْتُ : مَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ ؟ قال : " كُنْتُ أُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الظُّهْرِ ، وَجَاءَنِي مَالٌ فَشَغَلَنِي فَصَلَّيْتُهُمَا الْآنَ ! " . فَهَذِهِ هِيَ الرِّوَايَةُ الْمُتَّصِلَةُ : وَلَيْسَ فِيهَا " أَفَنَقْضِيهِمَا نَحْنُ ؟ قال : لَا " فَصَحَّ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَمْ يَسْمَعْهَا ذَكْوَانُ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَلَا نَدْرِي عَمَّنْ أَخَذَهَا ؟ فَسَقَطَتْ . ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهَا حُجَّةٌ أَصْلًا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا نَهْيٌ عَنْ صَلَاتِهِمَا أَصْلًا وَإِِنَّمَا فِيهَا ، النَّهْيُ عَنْ قَضَائِهِمَا فَقَطْ ؛ فَلَا يَحِلُّ تَوْثِيبُ كَلَامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إِلَى مَا لَمْ يَقُلْهُ تَلْبِيسًا مِنْ فَاعِلِ ذَلِكَ فِي الدِّينِ فَسَقَطَ كُلُّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ ! وَلِلَّهِ الْحَمْدُ . وَأَمَّا أَحَادِيثُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَسَنَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهَ تَعَالَى إِثْرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ ؟ وَأَمَّا تَعَلُّقُ الشَّافِعِيِّ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا مَنْ لَمْ يَنْسَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا إِِبَاحَةُ لِلصَّلَاةِ حِينَئِذٍ إِذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ جَائِزَةً لَمَا صَلَّاهَا عَلَيْهِ السَّلامُ ، قَاضِيًا ، وَلَا مُثْبِتًا ، وَفِي إِثْبَاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إِيَّاهَا أَصَحُّ بَيَانٍ بِأَنَّهَا حِينَئِذٍ جَائِزَةٌ حَسَنَةٌ وَلَمْ يَقُلْ عَلَيْهِ السَّلامُ : إِنَّهُ لَا يُصَلِّيهِمَا إِلَّا مَنْ نَسِيَهُمَا فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُ بِهِ ؟ . قال عَلِيٌّ : فَإِِذْ سَقَطَ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ فَلْنَذْكُرْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْآثَارَ الْوَارِدَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ