← شعب الإيمان للبيهقي
شعب الإيمان للبيهقي
#1505 مقبول 559 ☰ السادس عشر من شعب الإيمان وهو باب في شح المرء…
A− A+

أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ° ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بَالَوَيْهِ ° . ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ ° ، ثنا أَبُو سَهْلِ بْنُ زِيَادٍ ° ، قَالا : ثنا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ ° ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ° ، أنا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ° ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ° ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ : مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَالرَّجُلُ يُحِبُّ الرَّجُلَ ، لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ ، وَالرَّجُلُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ يَهُودِيًّا ، أَوْ نَصْرَانِيًّا " . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنْ حَمَّادٍ

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَأَبَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْخَبَرِ ، أَنَّ الشُّحَّ بِالدِّينِ مِنَ الإِيمَانِ ، لأَنَّ ذِكْرَ الْحَلاوَةِ مِثْلُ الإِيمَانِ ، وَأَرَادَ أَنَّ الشَّحِيحَ بِدِينِهِ كَالْمُتَطَعِّمِ بِالشَّيْءِ الْحُلْوِ ، فَكَمَا أَنَّ الرَّاغِبَ فِي الإِيمَانِ لا يَسْلَمُ لَهُ مَقْصُودُهُ مِنْهُ ، إِلا وَأَنْ يَكُونَ شَحِيحًا بِهِ ، فَإِنَّهُ إِذَا شَحَّ بِالإِيمَانِ ، لَمْ يَأْتِ بِمَا يُفْسِدُهُ عَلَيْهِ ، كَمَا أَنَّ مَنْ وَجَدَ حَلاوَةَ الْحُلْوِ ، لَمْ يَأْتِ بِمَا يُبْطِلُهَا عَلَيْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا اقْتَصَّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْنَا ، مِنْ خَبَرِ شُعَيْبٍ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذَا قَالَ لَهُ قَوْمُهُ : لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا ، أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ، فَقَالَ لَهُمْ : أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ { 88 } قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا سورة الأعراف آية 88-89 إِلَى آخِرِ الآيَةِ ، فَإِنَّ فِي هَذَا الْبَابِ عِدَّةَ مُعَانٍ ، مَرْجِعُهَا كُلِّهَا إِلَى الشُّحِّ بِالدِّينِ ، أَحَدُهَا : أَنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ ، سَمَّى مَهَانَتَهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَوْمِهِ نَجَاةً ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ ضِدَّ النَّجَاةِ الْهَلَكَةُ ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّ الْكُفْرَ هَلَكَةٌ ، وَالإِيمَانَ نَجَاةٌ ، لَمْ يَكُنْ إِلا شَحِيحًا عَلَى دِينِهِ ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ أَشَارَ ، بِقَوْلِهِ : عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ، إِلا أَنَّهُ قَدْ فَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ عَصَمَهُ مِنَ الْجَلاءِ عَنِ الْوَطَنِ ، فَذَلِكَ فَضْلُهُ ، وَإِنَّ جَلاءَهُمْ وَمَا يَهُمُّونَ بِهِ مِنْ إِخْرَاجِهِمْ بِالْجِلاءِ ، أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مُفَارَقَةِ الدِّينِ ، وَهَذَا مِنَ الشُّحِّ بِالدِّينِ ، لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْجَلاءَ عَنِ الْوَطَنِ بِمَرْتَبَةِ الْقَتْلِ ، وَالثَّالِثُ : أَنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ ، فَرَغَ إِلَى اللَّهِ ، وَاسْتَنْصَرَهُ ، وَدَعَاهُ ، كَمَا يَدْعُو فِي الشَّدَائِدِ ، إِذَا عَرَضَتْ لَهُ ، وَالْخُطُوبِ إِذَا نَزَلَتْ ، فَقَالَ : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ سورة الأعراف آية 89 ، اسْتِعْظَامًا مِنْهُ ، لِمَا كَانَ يُخَاطِبُ بِهِ ، وَتَأَمُّلا أَنْ يُدَافِعَ اللَّهُ عَنْهُ أَذِيَّةَ الْكُفَّارِ ، فَلا يُسْمِعُوهُ فِي دِينِهِ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ سَمَاعُهُ ، وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الشُّحِّ بِالدِّينِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى : يُقَيِّضُ عَلَيْنَا هَذَا ، وَمِثْلَهُ لِنَتَأَدَّبَ بِآدَابِ الَّذِي يَصِفُ لَنَا سِيَرَهُمْ ثُمَّ يَمْنَعُهَا ، وَبَيَانِ مَذَاهِبِ الَّذِينَ يَصِفُ لَنَا طَرَائِقَهُمْ ، ثُمَّ يَدَعُهَا وَيَتْبَعُ الأَحْسَنَ مِنَ الْوَجْهَيْنِ ، دُونَ الأَقْبَحِ مِنْهَا ، لِذَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : فَبَشِّرْ عِبَادِ { 17 } الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ سورة الزمر آية 17-18 الآيَةَ ، فَصَحَّ أَنَّ الشُّحَّ بِالدِّينِ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ ، لا يَجِدُ حَلاوَةَ الدِّينِ ، مَنْ لا يَجِدُ الشُّحَّ بِهِ فِي قَلْبِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَهَذَا هُوَ الأَمْرُ الَّذِي يَشْهَدُ الْعَقْلُ بِصِحَّتِهِ ، لأَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ دِينًا ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِي نِهَايَةِ الشُّحِّ بِهِ ، وَالإِشْفَاقِ عَلَيْهِ ، كَانَ ذَلِكَ دَلالَةً عَلَى أَنَّهُ لا يَعْرِفُ قَدْرَهُ ، وَلا يُبَيِّنُ مَوْضِعَ الْحَظِّ لِنَفْسِهِ فِيهِ ، وَمَنْ كَانَ الْحَقُّ عِنْدَهُ حَقِيرًا ، لَمْ يَسْكُنِ الْحَقُّ قَلْبَهُ ، وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ ، ثُمَّ إِنَّ الشُّحَّ بِالدِّينِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الشُّحُّ بِأَصْلِهِ كَيْلا يَذْهَبَ ، وَالآخَرُ : الشُّحُّ بِكَمَالِهِ كَيْلا يَنْقُصَ ، أَلا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ، كَمَا مَدَحَ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ شَحَّ عَلَى دِينِهِ ، فَلَمْ يُفَارِقْهُ مَعَ اسْتِكْرَاهِ قَوْمِهِ إِيَّاهُ عَلَى مُفَارَقَتِهِ ، وَكَذَلِكَ قَدْ مَدَحَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ، بِأَنِ اسْتَعْصَمَ حِينَ رَاوَدَتْهُ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَقَالَ : رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ سورة يوسف آية 33 ، فَبَانَ أَنَّ الشُّحَّ عَلَى شُعَبِ الإِيمَانِ كَيْلا يَنْقُصَ ، كَالشُّحِ عَلَى أَصْلِهِ كَيْلا يَذْهَبَ ، وَهَذَا سَبِيلُ كُلِّ مَفْتُونٍ بِهِ ، لأَنَّ الشَّحِيحَ بِمَالِهِ ، كَمَا شَحَّ بِجُمْلَتِهِ ، شَحَّ بِأَبْعَاضِهِ ، وَالشَّحِيحُ بِنَفْسِهِ يَشُحُّ بِأَطْرَافِهِ ، كَمَا يَشُحُّ بِجُمَلَةِ بَدَنِهِ ، وَهَكَذَا الدِّينُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ، وَمِنَ الشُّحِّ عَلَى الدِّينِ ، أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ بَيْنَ قَوْمٍ ، لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُوَفِّيَ الدِّينَ حُقُوقَهُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ ، وَيَخْشَى أَنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ دِينِهِ ، وَكَانَ إِذَا فَارَقَهُمْ ، يَجِدُ لِنَفْسِهِ مَأْمَنًا يَتَبَوَّؤُهُ ، وَيَكُونُ فِيهِ أَحْسَنَ حَالا مِنْهُ ، بَيْنَ هَؤُلاءِ ، لَمْ يَقُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ ، وَهَاجَرَ إِلَى حَيْثُ يُعْلَمُ أَنَّهُ خَيْرٌ لَهُ ، وَأَوْفَقُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ سورة النساء آية 100 ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، كَانَتْ هِجْرَةُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ دِيَارِ الْكُفَّارِ ، وَلْيَلْقُوهُ وَيَصْحَبُوهُ وَيُهَاجِرُوا مَعَهُ ، ثُمَّ هَذَا الْحَكَمُ ، فِيمَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إِظْهَارُ دِينِهِ فِي مَوْضِعِهِ ، باقٍ بَعْدَهُ ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ السِّيَرِ مِنْ كِتَابِ السُّنَنِ ، وَرُوِّينَا فِي كِتَابِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ ، مَا قَاسَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الشَّدَائِدِ وَالْمَكَارِهِ لِمُحَاوَرَةِ الْكُفَّارِ ، حَتَّى أُمِرُوا بِالْهِجْرَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، ثُمَّ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى يُوَفِّقُنَا لِمُتَابَعَةِ سَلَفِنَا ، فَنِعْمَ السَّلَفُ ، كَانُوا لَنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده متصل ، رجاله ثقات
إسناده متصل ، رجاله ثقات
شجرة الإسناد — 3 الطرق
◈ المدار: محمد بن الحسين بن محمد بن الف… · ×2 ↗ افتح شجرة الإسناد كاملة