← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#101 مقبول 1 : 207 ☰ حديث أول لإسحاق عن أنس
A− A+

وَروى الزُّهْرِيُّ ° ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ° ، عَنْ أُمِّهِ ° ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ أَفْضَلَ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحَمِ الْكَاشِحِ "

قِيلَ في تأويل الكاشح هاهنا : القريب ، وقيل : المبغض المعادي ، فإنه طوى كشحه على بغضه وعداوته ، وهو الصحيح والله أعلم . وفيه إجازة تولى المتصدق قسم صدقته ، وذلك عند أصحاب مالك ، إذا كان منه إخراجا لها عن ملكه ويده وتمليكا لغيره . وفيه رد على من كره أكل الصدقة التطوع للغني من غير مسألة ، لأن أقارب أبي طلحة الذين قسم عليهم صدقته تلك لم يبن لنا أنهم فقراء ممن يحل لهم أخذ الصدقة المفروضة ، وقد ذكربعض أهل العلم ، أن أبي بن كعب كان من أيسر أهل المدينة ، وهو أحد الذين قسم عليهم أبو طلحة صدقته هذه ، وقد عارضه بعض مخالفيه ، فزعم أن أبيا كان فقيرا ، واحتج برواية من روى في هذا الحديث ، فقسمها أبو طلحة بين فقراء أقاربه ، وهي لفظة مختلف فيه لا تثبت ، وعلى أي وجه كان ، فإن الصدقة التطوع جائز قبولها من غير مسألة لكل أحد غنيا كان أو فقيرا ، وإن كان التنزه عنها أفضل عند بعض العلماء وسنبين وجوه هذا المعنى في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا إن شاء الله . وفيه دليل على صحة ما ذهب إليه فقهاء الحجازيين ، حيث قالوا فيمن تصدق على رجل ، أو على قوم بصدقة حبس ذكرفيها أعقابهم ، أو لم يذكر ، ولم يجعل لها بعدهم مرجعا مثل أن يقول : على المساكين ، أو على ما لا يعدم وجوده من صفات البر ، فماتوا ، وانقرضوا أنها ترجع حبسا على أقرب الناس بالمحبس ، يوم ترجع لا يوم حبس ، ألا ترى أن أبا طلحة إذ جعل حائطه ذاك صدقة لله ، ولم يذكروجها من الوجوه التي يتقرب بها إلى الله عز وجل ، أمره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يجعلها في أقاربه ، فكذلك كل صدقة لا يجعل لها وجه ، ولا يذكرلها مرجع تصرف على أقارب المتصدق ، بدليل هذا الحديث ، وهذا عند مالك فيما لم يرد به صاحبه حياة المتصدق عليه ، فإنه إذا أراد ذلك ، فهي عنده العمرى ، ومذهبه في العمرى أنها عند على ملك صاحبها ترجع إليه ثم انقضاء عمر المعمر أو إلى ورثته ميراثا ، وسنذكرقوله وقول غيره في العمرى عند ذكر الحديث فيها في باب ابن شهاب من كتابنا هذا ، ونبين وجوه ذلك إن شاء الله عز وجل . وقد اختلف قول مالك فيمن قَالَ : هذه الدار ، أو هذا الشيء حبس على فلان ، أو على قوم ، ولم يعقبهم ، ولا جعل لها مرجعا إلى المساكين ونحوهم ، فمرة ، قَالَ : ترجع ملكا إلى ربها ، إذا هلك المحبس عليه كالعمرى ، ومرة قَالَ : لا ترجع إليه أبدا ، وهو تحصيل مذهبه عند أهل المغرب من أصحابه ، وحكوا عنه نصوصا فيمن حبس حبسا على نفر ما عاشوا ، فانقرضوا ، فالحبس راجع إلى عصبة المحبس حبسا ، ولا يرجع إلى من حبسه ، وإن كان حيا ، ويدخل النساء في الغلة معهم والسكنى . ولو تصدق بصدقة حبس على ولده ، وولد ولده ، ولم يجعل له مرجعا غير ذلك فانقرض ولده ، وولد ولده إلا رجل واحد ، فأراد بيعه ، فلا سبيل له إلى ذلك ، فإذا انقرض فهو حبس صدقة على عصبة المحبس ، لا يباع ولا يوهب . وإذا انقرض أقرب الناس إليه من عصبته ، فإلى الذين يلونهم ، فإذا انقرض كل من تمسه به رحم من عصبته رجعت على ما عليه أحباس المسلمين يجتهد الحاكم في وضع غلتها ، وكرائها بعد صدقتها ، ولا يباع ، ولا يورث شيء من العقار ، إذا أجرى عليه اسم الصدقة الحبس ، ولفظ الولد في التحبيس يدخل فيه ، ولد الولد أبدا ، وكذلك لفظ البنات يدخل فيه بنات البنين أبدا ، إذا اجتمعوا ، ولا يفضل الأعيان إلا على قدر الحاجة ، وليس ولد البنات من العقب ، ولا من الولد ، إذ ليسوا من العصبات ، هذا كله تحصيل مذهب مالك وأصحابه ، إلا أن عن بعض البغداديين المالكيين خلافا في بعض هذا والحمد لله . قَالَ أحمد بن المعدل : قيل لمالك : فلو قَالَ في صدقته : هذا حبس على فلان ، هل تكون بذلك محبسة ؟ قَالَ : لا ، لأنها لمن ليس بمجهول ، وقد حبسها على فلان ، فهي عمري ، لأنه أخبر أن تحبيسها غير ثابت ولا دائم ، وأنه إلى غاية . قيل : فلو قَالَ هي صدقة محبسة ، وفلان يأخذها ما عاش . قَالَ : إذا تكون محبسة ، قَالَ : وكذلك لو قَالَ لهم هي صدقة على فلان ، وهي محبسة . والألفاظ التي بها ينقطع ملك الشيء عن ربه ولا يعود إليه أبدا عند مالك وأصحابه ، أن يقول حبس صدقة ، أو حبس لا يباع ، أو حبس على أعقاب ، ومجهولين مثل الفقراء والمساكين ، أو في سبيل الله ، فإن هذا كله عندهم مؤبد لا يرجع ملكا أبدا . وأما إذا قَالَ : سكنى ، أو عمرى ، أو حياة المحبس عليه ، أو إلى أجل من الآجال ، فإنها ترجع ملكا إلى صاحبها ، أو إلى ورثته ، ولا يكون حبسا مؤبدا ، ومعنى قول مالك في أقرب الناس بالمحبس ، يريد عصبته . واختلف قوله ، وكذلك اختلف أصحابه فيمن يدخل في ذلك من النساء ، فقال ابن القاسم : كل من كان من النساء لو كان رجلا ، كان عصبة وارثا ، دخل في مرجع الحبس ، ومن لم يكن منهن كذلك ، فلا مدخل له فيه . وروى كذلك عن مالك ، وقال ابن القاسم : تدخل الأم في مرجع الحبس ولا تدخل الأخوات للأم . وقال ابن الماجشون : لا يدخل من النساء إلا من يرث ، فأما عمة ، أو ابنة عم ، أو ابنة أخ ، فلا . وروى أشهب عن مالك أن الأم لا تدخل في مرجع الحبس ، ولهم في هذا الباب اضطراب يطول ذكره . وأما الشافعي فمذهبه نحو مذهب مالك في مرجع الحبس خاصة ، قَالَ الشافعي : وإذا قَالَ : تصدقت بداري على قوم ، أو على رجل حي معروف يوم تصدق ، أو قَالَ صدقة محرمة ، أو قَالَ : صدقة موقوفة ، أو قَالَ صدقة مسبلة ، فقد خرجت من ملكه ، فلا تعود ميراثا أبدا . قَالَ : ولا يجوز أن يخرجها من ملكه ، إلا إلى مالك منفعتها يوم يخرجها إليه ، وإن لم يسبلها على من بعدهم كانت محرمة أبدا ، فإذا انقرض المتصدق بها عليه ، كانت بحالها أبدا ، ورددناها إلى أقرب الناس بالذي تصدق بها يوم ترجع ، وهي على شرطه من الأثرة والتقدمة والتسوية بين أهل الغنى والحاجة ، ومن إخراج من أخرج منها بصفة أو رده إليها بصفة . قال أبو عمر : قول الشافعي ولا يجوز أن يخرجها من ملكه ، إلا إلى مالك منفعتها ، معناه عندي أن يكون المحبس عليه موجود العين ليس بحمل ، فإذا كان كذلك ، فجائز أن يتولاها له غيره إذا أخرجها المحبس من يده على أن الشافعي يجوز عنده في الأوقاف من ترك القبض ما لا يجوز في الهبات ، والصدقات المملوكات ، لأن الوقف عنده يجرى مجرى العتق يتم بالكلام دون القبض . قَالَ : ويحرم على الموقف ملكه ، كما يحرم عليه ملك رقبة العبد إذا أعتقه ، إلا أنه جائز له أن يتولى صدقته ، وتكون بيده ليفرقها ويسبلها فيما أخرجها فيه ، لأن عمر بن الخطاب لم يزل يلي صدقته فيما بلغنا حتى قبضه الله . قَالَ : وكذلك علي وفاطمة كانا يليان صدقاتهما . قال أبو عمر : ليس هكذا مذهب مالك بل مذهبه فيمن حبس أرضا أو دارا ، أو نخلا على المساكين ، وكانت في يديه يقوم بها ويكريها ، ويقسمها في المساكين حتى مات ، والحبس في يديه أنه ليس بحبس ما لم يحزه غيره ، وهو ميراث ، والربع عنده ، والحوائط والأرض لا ينفذ حبسها ، ولا يتم حوزها حتى يتولاه غير من حبسه بخلاف الخيل والسلاح ، هذا تحصيل مذهبه عند جماعة أصحابه . وأما أحمد بن حنبل ، فإن عمر بن الحسين الخرقي ذكرعنه قَالَ : إذا وقف وقفا ومات الموقف عليه ، ولم يجعل أخره للمساكين ، ولم يبق ممن وقف عليه أحد رجع إلى ورثة الواقف في إحدى الروايتين عنه ، والرواية الأخرى تكون وقفا على أقرب عصبة الواقف . وزعم بعض الناس أن في هذا الحديث ردا على أبي حنيفة ، وزفر في إبطالهما الأحباس ، وردهما الأوقاف وليس كذلك ، لأن هذا الحديث ليس فيه بيان الوقف ، ويحتمل أن تكون صدقة أبي طلحة صدقة تمليك للرقبة ، بل الأغلب الظاهر من قوله فقسمها أبو طلحة بين أقاربه وبنى عمه ، أنه قسم رقبتها وملكهم إياها ابتغاء مرضات الله ، وإذا كان ذلك كذلك فلا خلاف بين أبي حنيفة ، وزفر ، وسائر العلماء في جواز هذه الصدقة ، إذا حل المتصدق عليه فيها محل المتصدق ، كان له أن يبيع وينتفع ، ويهب ، ويتصدق ، ويصنع ما أحب . وإنما أنكر أبو حنيفة ، وزفر تحبيس الأصل على التمليك ، وتسبيل الغلة والثمرة ، وهي الأحباس المعروفة بالمدينة ، وفيها تنازع العلماء ، وأجازها الأكثر منهم ، وقد قَالَ بجوازها أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، رجع أبو يوسف ، عن قول أبي حنيفة في ذلك . لِمَا حَدَّثَهُ ابْنُ عَلِيَّةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِسَهْمِهِ مِنْ خَيْبَرَ ، فَقال لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " احْبِسِ الأَصْلَ ، وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ " . وهو حديث صحيح ، وبه يحتج كل من أجاز الأحباس , ذكر عيسى بن أبان , قَالَ : أخبرت أنه لما بلغ أبا يوسف هذا الحديث ، عن ابن عون ، لقي ابن علية ، فسأله عنه ، فحدثه به عن ابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن عمر أصاب أرضا بخيبر ، فأتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فذكر الحديث ومن حجتهم أيضا على جوازها حديث عمرو بن الحارث بن أخي جويرية بنت الحارث ، زوج النبي عليه السلام ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مات ، وتخلف أرضا موقوفة ، وحديث أبي هريرة ، وقد ذكرناه في كتاب بيان العلم ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ : " ينقطع عمل المرء بعده ، إلا من ثلاث : صدقة جارية بعده ، وعلم ينتفع به غيره ، وولد يدعو له " . فأما حديث ابن عون

السند · الإسناد بالترتيب
الزهري←حميد بن عبد الرحمن←أمه←ابن علية←ابن عون←نافع←ابن عمر←عمر←عيسى بن أبان←أبا يوسف
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده متصل ، رجاله ثقات
شجرة الإسناد