حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْحَافِظُ ° رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عُبَيْدُ بْنُ آدَمَ بِن أَبِي إِيَاسٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْنٍ ثَابِتُ بْنُ نُعَيْمٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ° ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ° ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ° ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ° ، قَالَ : كُنْتُ أَبِيعُ الإِبِلَ بَالْبَقِيعِ ، فَآخُذُ مَكَانَ الدَّنَانِيرِ دَرَاهِمَ ، وَمَكَانَ الدَّرَاهِمَ دَنَانِيرَ ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : لا بَأْسَ بِهِ ، إِذَا افْتَرَقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ
وَاخْتَلَفَ الفقهاء فِي اعتبار المذكورات فِي هَذَا الحديث ، وفِي المعنى المقصود إليه بذكرها ، فَقَالَ العراقيون : الذهب والورق المذكوران فِي هَذَا الحديث موزونان ، وهما أصل لكل موزون ، فكل موزون من جنس واحد لا يجوز فِيهِ التفاضل ولا النساء بوجه من الوجوه ، قياسا على ما أجمعت الأمة عليه من أن الذهب والورق لا يجوز التفاضل فِي الجنس الواحد منهما ، ولا النساء بعضه ببعض ، فإذا كان الموزون جنسين مختلفِين ، فجائز التفاضل بينهما ، ولا يجوز النساء بوجه من الوجوه ، قياسا على الذهب بالورق المجتمع على إجازة التفاضل فِيهِما ، وتحريم النسا لأنهما جنسان مختلفان ، قَالُوا : والعلة فِي البر والشعير والتمر ، الكيل ، فكل مكيل من جنس واحد فغير جائز فِيهِ التفاضل ، ولا النسا ، قياسا على ما أجمعت الأمة عليه فِي أن البر بالبر بعضه ببعض ، والشعير والتمر لا يجوز فِي واحد منهما بعضه ببعض التفاضل ولا النسا بحال ، فإذا اختلف الجنسان جاز فِيهِما التفاضل ولم يجز النسا على حال ، وسواء كان المكيل أو الموزون مأكولا أو غير مأكول ، كما لا يجوز ذلك فِي الذهب والورق ، وقَالَ الشافعي أما الذهب والورق فلا يقاس عليهما غيرهما ، لأن العلة التي فِيهِما ليست موجودة فِي شيء من الموزونات غيرهما ، فكيف ترد قياسا عليهما ، وذلك أن العلة فِي الذهب والورق ، أنهما أثمان المبيعات وقيم المتلفات ، وليس كذلك شيء من الموزونات لأنه جائز أن تسلم ما شئت من الذهب والورق فِيمَا عداهما من سائر الموزونات ، ولا يسلم بعضها فِي بعض ، فبطل قياسها عليهما وردها إليهما ، قَالَ : وأما البر والتمر والشعير ، فالعلة عندي فِيهِما الأكل لا الكيل ، فكل مأكول أخضر كان أو يابسا مما يدخر كان أو مما لا يدخر ، فغير جائز بيع الجنس منه بعضه ببعض متفاضلا ، ولا نساء وحرام فِيهِ التفاضل والنساء جميعا ، قياسا على البر بعضه ببعض ، وعلى الشعير بعضه ببعض وعلى التمر بعضه ببعض ، لا يجوز ذلك فِي واحد منهما بالإجماع والسنة الثابتة . قَالَ : وأما إذا اختلف الجنسان من المأكول ، فجائز حينئذ فِيهِما التفاضل ، وحرام فِيهِما النساء وحجته فِي ذلك نهي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عن الطعام بالطعام ، إلا يدا بيد وأما أصحابنا من عصر إسماعيل بن إسحاق إلى هلم جرا ، ومن قبلَهُم من أصحاب مالك ، وأصحاب أصحابه ، فالذي حصل عندي من تعليلهم لَهُذه المذكورات ، بعد اختلافهم فِي شيء من العبارات ، عن ذلك أن الذهب والورق القول فِيهِما عندهم كالقول عند الشافعي ، لا يرد إليهما شيء من الموزونات ، لأنهما قيم المتلفات ، وأثمان المبيعات ولا شيء غيرهما كذلك ، فارتفع القياس عنهما لارتفاع العلة ، إذ القياس لا يكون عند جماعة القياسيين إلا على العلل ، لا على الأسماء ، وعللوا البر والتمر والشعير بأنها مأكولات مدخرات أقوات ، فكل ما كان قوتا مدخرا ، حرم التفاضل والنساء فِي الجنس الواحد منه ، وحرم النساء فِي الجنسين المختلفِين دون التفاضل ، وما لم يكن مدخرا قوتا من المأكولات لم يحرم فِيهِ التفاضل ، وحرم فِيهِ النساء ، سواء كان جنسا أو جنسين . قَالَ أَبُو عمر : وهَذَا مجتمع عليه عند العلماء ، أن الطعام بالطعام لا يجوز إلا يدا بيد ، مدخرا كان أو غير مدخر ، إلا إسماعيل بن علية ، فإنه شذ فأجاز التفاضل والنساء فِي الجنسين إذا اختلفا من المكيل ومن الموزون ، قياسا على إجماعهم فِي إجازة بيع الذهب أو الفضة بالرصاص ، والنحاس ، والحديد ، والزعفران ، والمسك ، وسائر الموزونات نساء ، وأجاز على هَذَا القياس نصا فِي كتبه بيع البر بالشعير ، والشعير بالتمر ، والتمر بالأرز ، وسائر ما اختلف اسمه ونوعه بما يخالفه من المكيل والموزون ، متفاضلا نقدا ونسيئة ، سواء كان مأكولا أو غير مأكول ، ولم يجعل الكيل والوزن علة ، ولا الأكل والاقتيات ، وقاس ما اختلفوا فِيهِ ، على ما أجمعوا عليه مما ذكرنا . وَذَكَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ ، وَأَيُّوبَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ " بَاعَ صَاعَيْ تَمْرٍ بِالْغَابَةِ بِصَاعَ حِنْطَةٍ بِالْمَدِينَةِ " ، وإسماعيل بن علية هَذَا لَهُ شذوذ كثير ، ومذاهب عند أهل السنة مهجورة ، وليس قوله عندهم مما يعد خلافا ، ولا يعرج عليه لثبوت السنة بخلافه من حديث عبادة وغيره ، على ما قدمنا فِي هَذَا الباب ذكره ، من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدا بيد ، وبيعوا البر بالشعير ، كيف شئتم ، يدا بيد ، وبيعوا التمر بالملح كيف شئتم يدا بيد " .