← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#1388 مقبول 8 : 323 ☰ حديث رابع عشر لابن شهاب عن عروة
A− A+

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ° ، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ° ، عَنْ زَائِدَةَ ° جَمِيعًا ، عَنْ مَنْصُورٍ ° ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ° ، عَنِ الأَسْوَدِ ° ، عَنْ عَائِشَةَ ° ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ سُفْيَانَ ، قَالَ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْرِجُ إِلَيَّ رَأْسَهُ ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ ، فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ "

وليس في حديث زائدة ذكر " وهو معتكف " وفي هذه الأحاديث الثلاثة حديث تميم بن سلمة ، وهشام بن عروة ، عن عروة ، عن عائشة ، وحديث الأسود ، عن عائشة ، " وأنا حائض " وليس ذلك في حديث الزهري من وجه يثبت ، وأما معنى قوله عن عائشة : " يدني إلي رأسه ، فأرجله " . فالترجيل أن يبل الشعر ، ثُمَّ يمشط . وقد ذكرنا هذا المعنى ، وما فيه من اختلاف الآثار في غير موضع من كتابنا هذا والحمد لله وفي ترجيل عائشة شعر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو معتكف دليل على أن اليدين من المرأة ليستا بعورة ، ولو كانتا عورة ما باشرته بهما في اعتكافه ، ويدلك على ذلك أيضا أنها تنهى في الإحرام عن لباس القفازين ، وتؤمر بستر ما عدا وجهها وكفيها ، وتؤمر بكشف الوجه والكفين في الصلاة ، فدل على أنهما غير عورة منها ، وهو عندنا أصح ما قيل في ذلك وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي مَعْنَى الْعَوْرَةِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَمْدُ للَّهِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ طاهرة غير نَجِسَةٌ إِلا مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ مِنْهَا ، وَيُوَضِّحُ لَكَ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ : " نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ ، فَقَالَتْ : إِنِّي حَائِضٌ ، فَقَالَ : إِنَّ حَيْضَتَكَ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ " . فدل قوله هذا على أن كل موضع منها ليس فيه الحيضة ، فهو كما كان قبل الحيضة ، وأنها متعبدة في اجتناب ما أمرت باجتنابه ، وفي ترجيلها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وخدمتها له وهي حائض ، ما يدل على ذلك ، وفي هذا كله إبطال قول من كره سؤر الحايض والجنب . وفي حديث شريح بن هانئ ، عن عائشة ، " كنت أشرب وأنا حايض وأناوله رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فيضع فاه على موضع فمي ، وآخذ العرق فأعضه ، فيضع فمه على موضع فمي " . قال أبو عمر : معنى الاعتكاف في كلام العرب الإقامة على الشيء والمواظبة عليه والملازمة له ، هذا معنى العكوف والاعتكاف في اللسان ، وأما في الشريعة ، فمعناه الإقامة على الطاعة ، وعمل البر على حسب ما ورد من سنن الاعتكاف ، فمما أجمع عليه العلماء من ذلك أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد لقول الله عز وجل : وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ سورة البقرة آية 187 إلا أنهم اختلفوا في المراد بذكر المساجد في الآية المذكورة ، فذهب قوم إلى أن الآية خرجت على نوع من المساجد ، وإن كان لفظها العموم ، فقالوا : لا اعتكاف إلا في مسجد نبي كالمسجد الحرام ، أو مسجد الرسول ، أو مسجد بيت المقدس . لا غير وروى هذا القول عن حذيفة بن اليمان ، وسعيد بن المسيب ، ومن حجتهم أن الآية نزلت على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو معتكف في مسجده ، فكان المقصد والإشارة إلى نوع ذلك المسجد في ما بناه نبي . وقال الآخرون : لا اعتكاف إلا في مسجد تجمع فيه الجمعة ، لأن الإشارة في الآية عندهم إلى ذلك الجنس من المساجد . روى هذا القول عن علي بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وهو قول عروة ، والحكم ، وحماد ، والزهري ، وأبي جعفر محمد بن علي ، وهو أحد قولي مالك . وقال آخرون : الاعتكاف في كل مسجد جائز . روى هذا القول عن سعيد بن جبير ، وأبي قلابة ، وإبراهيم النخعي ، وهمام بن الحارث ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، وأبي الأحوص ، والشعبي ، وهو قول الشافعي ، وأبي حنيفة ، وأصحابهما ، والثوري ، وحجتهم حمل الآية على عمومها في كل مسجد ، وهو أحد قولي مالك ، وبه يقول ابن علية ، وداود ، والطبري ، وقال الشافعي : لا يعتكف في غير المسجد الجامع إلا من الجمعة إلى الجمعة ، قَالَ : واعتكافه في المسجد الجامع أحب إلي ، ويعتكف المسافر والعبد والمرأة حيث شاءوا ، ولا اعتكاف إلا في مسجد لقول الله عز وجل : وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ سورة البقرة آية 187 قَالَ أبو عمر : في حديثنا هذا من قول عائشة : " وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان " . تعني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دليل على أنه لم يكن اعتكافه في بيته ، وأنه كان في مسجده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وفيه دليل على أن المعتكف لا يشتغل بغير لزومه المسجد ، ومعلوم أن لزوم المسجد إنما هو للصلوات وتلاوة القرآن ، وأن المعتكف إذا لم يدخل بيت نفسه ، فأحرى أن لا يدخل بيت غيره ، وفي اجتناب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك دليل على أنه لا يجوز ، وإذا لم يجز له دخول البيت ، وإن لم يكن في ذلك معصية ، فكل شغل يشغله عن اعتكافه لا يجوز له ، لأنه في ذلك المعنى ، وإن لم يكن فيه معصية ، وفي معنى دخول البيت لحاجة الإنسان كل ما لا غنى بالإنسان عنه من منافعه ، ومصالحه ، وما لا يقضيه عنه غيره ، وفي معنى ترجيل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأسه كل ما كان فيه صلاح بدنه من الغذاء ، وغيره مما يحتاج إليه ، ومن جهة النظر المعتكف ناذر جاعل على نفسه المقام في المسجد لطاعة الله ، فواجب عليه الوفاء بذلك ، فإن خرج لضرورة ورجع في فور زوال الضرورة ، بني على ما مضى من اعتكافه ، ولا شيء عليه ، ومن الضرورة المرض البين والحيض ، وهذا عندي في معنى خروجه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحاجة الإنسان ، لأنها ضرورة . واختلف مالك في المعتكف يخرج لعذر غير ضرورة مثل أن يموت أبوه أو ابنه ، ولا يكون له من يقوم به أو شراء طعام يفطر عليه أو غسل نجاسة من ثوبه لا يجد من يكفيه شيئا من ذلك ، فروي عنه من فعل هذا كله أو ما كان مثله يبتدئ ، وروى عنه أنه يبني ، وهو الأصح عند ابن خواز بنداد ، وغيره قياسا على حاجة الإنسان والحيض والمرض اللذين لم يختلف قول ملك فيهما أنه يبني . واختلف العلماء في اشتغال المعتكف بالأمور المباحة ، فقال مالك : لا يعرض المعتكف لتجارة ، ولا غيرها ولا بأس أن يأمر بصنعته ومصلحة أهله ، ويبيع ماله ، ويصنع كل ما لا يشغله ، إذا كان خفيفا ، قَالَ مالك : ولا يكون معتكفا حتى يجتنب ما يجتنب المعتكف ، قَالَ : ولا بأس بنكاح المعتكف ما لم يكن الوقاع . والمرأة المعتكفة تنكح نكاح الخطبة ، هذا كله قوله في الموطأت . وقال ابن القاسم : عن مالك ، لا يقوم المعتكف إلى رجل يعزيه بمصيبة ، ولا يشهد نكاحا يعقد في المسجد يقوم إليه ، ولكن لو غشيه ذلك في مجلسه ، لم أر بذلك بأسا ، ولا يقوم لناكح ، فيهنئه ، ولا يكتب العلم ، ولا يشتغل في مجلس العلم ، قَالَ : ويشتري ، ويبيع إذا كان خفيفا ، ولا يشهد الجنائز ، ولا يعود المرضى ، وجملة مذهبه أن المعتكف لا يشتغل بشيء من أمور الدنيا إلا اليسير الذي لا يستغني عنه في مصالحه مثل الكتاب الخفيف يكتبه فيما يحتاج إليه ، أو يأمر من يخدمه ، ومثل هذا من مراعاة أحواله ، إذا كان يسيرا خفيفا ، ومن مذهبه عند أصحابه أن المعتكف إذا أتى كبيرة من الكبائر ، فسد اعتكافه ، لأن الكبيرة ضد العبادة كما الحدث ضد الطهارة ، والصلاة ، وترك ما حرم عليه أعلى منازل الاعتكاف في العبادة . هذا كله قول ابن خواز بنداد ، عن مالك ، وقال الثوري : المعتكف يعود المريض ، ويشهد الجمعة ، وما لا يحسن أن يضيعه لا يدخل سقفا إلا أن يكون ممره فيه ، ولا يجلس عند أهله ، ولا يوصيهم بحاجته ، إلا وهو قائم أو ماش ، ولا يبيع ، ولا يشتري ، وإن دخل سقفا ، بطل اعتكافه . وقال الحسن بن حي : إن دخل المعتكف بيتا ليس في طريقه أو في غير جامع ، بطل اعتكافه ، ويحضر الجنازة ، ويعود المريض ، ويشهد الجمعة ، ويخرج للوضوء ، ويدخل بيت المريض للعيادة ، ويكره أن يبيع ، ويشتري . وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : لا يخرج المعتكف لجنازة ، ولا لعيادة مريض ، وله أن يتحدث ، ويبيع ، ويشتري في المسجد ، ويتشاغل بما لا يأثُمَّ فيه ، ويزوج ، ويتزوج ويشهد في النكاح ، ويتطيب . وقال الشافعي : لا يعود المعتكف مريضا ، ولا يشهد جنازة ، ولا يفارق موضع اعتكافه بعيدا ، إلا لحاجة الإنسان ، وكلما يفعله غير المعتكف في المسجد ، فعله المعتكف ، ولا يقعد بعد الفراغ من أكله في بيته . قَالَ أبو عمر : معاني الشافعي ، وأبي حنيفة في هذا الباب واحدة ، ومعاني مالك متقاربة ، والحجة لمن ذهب مذهبهم أن عائشة كانت لا تعود المريض من أهلها ، وهي معتكفة الإمارة . وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ° ، أَنَّهَا قَالَتْ : " السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لا يَعُودَ مَرِيضًا ، وَلا يَشْهَدَ جِنَازَةً ، وَلا يَمَسَّ امْرَأَةً ، وَلا يُبَاشِرَهَا ، وَلا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إِلا مَا لا بُدَّ لَهُ مِنْهُ ، وَلا اعْتِكَافَ إِلا بِصَوْمٍ ، وَلا اعْتِكَافَ إِلا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ " . ولم يقل أحد في حديث عائشة هذا السنة إلا عبد الرحمن بن إسحاق ، ولا يصح هذا الكلام كله عندهم ، إلا من قول الزهري في صوم المعتكف ، ومباشرته ، وسائر الحديث والحجة لمذهب الثوري ، ومن تابعه أن علي بن أبي طالب ، قَالَ " إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة ، وليعد المريض ، وليحضر الجنازة ، وليأت أهله ، وليأمرهم بالحاجة ، وهو قائم " . وأجاز علي البيع والشراء للمعتكف وذكر الحسن الحلواني ، قَالَ : حَدَّثَنَا محمد بن عيسى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أبو إسحاق الفزاري ، عن أبي إسحاق الشيباني ، عن سعيد بن جبير ، قَالَ : اعتكفت في مسجد الحي فأرسل إلي عمرو بن حريث يدعوني ، وهو أمير على الكوفة ، فلم آته ، فعاد ، ثُمَّ عاد ، فأتيته ، فقال : ما منعك أن تأتينا ؟ قلت : إني كنت معتكفا ، قَالَ : وما عليك ؟ أن المعتكف يشهد الجمعة ، ويعود المريض ، ويمشي مع الجنازة ، ويجيب الإمام . قَالَ أبو عمر : أجمع العلماء أن المعتكف لا يباشر ، ولا يقبل ، واختلفوا فيما عليه إذا فعل ذلك ، فقال مالك ، والشافعي : إن فعل شيئا من ذلك ، فسد اعتكافه قَالَ المزني وقال الشافعي في موضع آخر من مسائل الاعتكاف لا يفسد الاعتكاف من الوطئ إلا ما يوجب الحد ، واختاره المزني قياسا على أصله في الصوم والحج ، وقال أبو حنيفة : إن فعل ، فأنزل بطل اعتكافه . وأجمعوا أن المعتكف لا يدخل بيتا ، ولا يستظل بسقف إلا في المسجد الذي يعتكف فيه ، أو يدخل لحاجة الإنسان ، أو ما كان مثل ترجيله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ومسائل الاعتكاف ونوازله يطول ذكرها ، ويقصر الكتاب عن تقصي أقاويل العلماء فيها ، والاعتلال لها . وقد ذكرنا من ذلك ما في معنى حديثنا ، وذكرنا الأصول التي عليها مدار الاعتكاف ، وسنذكر حكم الاعتكاف بصوم ، وبغير صوم ، واختلاف العلماء في ذلك عند ذكر حديث ابن شهاب عن عمرة من هذا الكتاب على ما رواه يحيى عن مالك في ذلك إن شاء الله وبالله التوفيق .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده متصل ، رجاله ثقات
إسناده حسن رجاله ثقات عدا عبد الوارث بن سفيان وهو صدوق حسن الحديث
شجرة الإسناد — 4 الطرق
◈ المدار: قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف … · ×2
↗ افتح شجرة الإسناد كاملة