← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#1392 مقبول 8 : 337 ☰ حديث خامس عشر لابن شهاب عن عروة
A− A+

وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ° ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ° ، عَنْ قَتَادَةَ ° ، عَنْ أَنَسٍ ° ، " أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا رَأَتْ ذَلِكَ ، فَأَنْزَلَتْ ، فَعَلَيْهَا الْغُسْلُ ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : كَيْفَ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ مَاءُ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ ، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ وَعَلا ، أَشْبَهَ الْوَلَدُ "

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ نِسَاءُ ذَلِكَ الزَّمَانَ مِنَ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ دِينِهِمْ ، وَالسَّؤَالِ عَنْهُ ، وَهَذَا يَلْزَمُ كُلَّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ إِذَا جَهِلَ شَيْئًا مِنْ دِينِهِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ " . وَقَالَتْ عَائِشَةُ : " رَحِمَ اللَّهُ نِسَاءَ الأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَسْأَلْنَ عَنْ أَمْرِ دِينِهِنَّ " . وأم سليم من فاضلات نساء الأنصار ، وقد ذكرناها في كتابنا في الصحابة ، فأغنى عن ذكرها هاهنا ، وكل امرأة عليها فرضا أن تسأل عن حكم حيضتها ، وغسلها ووضوئها ، وما لا غناء بها عنه من أمر دينها ، وهي والرجل فيما يلزمها من فرائضهما سواء ، وفيه أيضا دليل على أن ليس كل النساء يحتلمن ، ولهذا ما أنكرت عائشة ، وأم سلمة سؤال أم سليم ، وقد يوجد عدم الاحتلام في بعض الرجال إلا أن ذلك في النساء أوجد ، وأكثر منه في الرجال ، وقد قيل أن إنكار عائشة لذلك ، إنما كان لصغر سنها ، وكونها مع زوجها ، فلذلك لم تعرف الاحتلام ، لأن الاحتلام لا تعرفه النساء ، ولا أكثر الرجال إلا عند عدم الجماع بعد المعرفة به ، فإذا فقد النساء أزواجهن ربما احتلمن ، والوجه الأول عندي أصح ، لأن أم سلمة قد فقدت زوجها ، وكانت كبيرة عالمة بذلك ، فأنكرت منه ما أنكرت عائشة على ما مضى في حديث قتادة ، عن أنس في هذا الباب وإذا كان في الرجال من لا يحتلم ، فالنساء أحرى بذلك ، والله أعلم . وفيه جواز الإنكار والدعاء بالسوء على المعترض فيما لا علم له به ، وفيه أن الشبه في بني آدم إنما يكون من غلبة الماء ، وسبقه ، ونزوله والله أعلم . ومن هاهنا قالوا : إذا غلب ماء المرأة أشبه الرجل أخواله ، وأمه ، وإن غلب ماء الرجل أشبه الولد أباه ، وأعمامه وأجداده ، وأما قوله في الحديث : " أف لك " . فقال أبو عبيدة : تجر وترفع وتنصب ، بغير تنوين ، وهو ما غلظ من الكلام ، وقبح ، وقال غيره : يجوز صرفها ، وترك صرفها ، ومعناها أن تقال جوابا لما يستثقل من الكلام ، ويضجر منه ، قَالَ : والأف والتف بمعنى واحد . وقال غيره : الأف وسخ الأذن ، والتف وسخ الأظفار ، وأما قوله : " تربت يمينك " . ففيه قولان : أحدهما أن يكون أراد استغنت يمينك كأنه تعرض لها بالجهل لما أنكرت ، وأنها كانت تحتاج أن تسأل عن ذلك ، فكأنه خاطبها بالضد تنبيها كما تقول لمن كف عن السؤال عما لا يعلم : أما أنت فاستغنيت عن أن تسأل أي لو أنصفت نفسك ، ونصحتها لسألت ، وقال غيره : هو كما يقال للشاعر إذا أجاد : قاتله الله وأخزاه لقد أجاد ، ومنه قوله : ويل أمه مسعر حرب ، وهو يريد مدحه ، وهذا كله عند من قَالَ هذا القول ، فرارا من الدعاء على عائشة ، وأن ذلك عنده غير ممكن من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأنكر أكثر أهل العلم باللغة ، والمعاني أن تكون هذه اللفظة بمعنى الاستغناء ، وقالوا : لو كان بمعنى الاستغناء ، لكانت أتربت يمينك ؟ لأن الفعل منه رباعي ، تقول : أترب الرجل إذا استغنى ، وترب ، إذا افتقر ، وقالوا : معنى هذا افتقرت يمينك من العلم بما سألت عنه أم سليم ونحو هذا . قَالَ أبو عمر : أما تربت يمينك فمن دعاء العرب بعضهم على بعض معلوم مثل قاتله الله ، وهوت أمه ، وثكلتك أمك ، وعقرى حلقي ، ونحو ذلك ، وأما الشبه ففيه لغتان : إحداهما كسر الشين وتسكين الباء ، والثانية فتح الشين والباء جميعا مثل المثل والمثل والقتب والقتب .

السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده متصل ، رجاله ثقات
شجرة الإسناد