وَجَدْتُهُ فِي أَصْلِ سَمَاعِ أَبِي ° رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ قَاسِمٍ ° حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ° ، عَنْ سِمَاكٍ ° ، عَنْ عِكْرِمَةَ ° ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنِ ابْتَنَى فَلْيَدْعَمْ جُذُوعَهُ جَارُهُ "
2508 قَالَ أَسَدٌ ° : وَحَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ° ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ دِينَارٍ ° ، عَنْ أَبِي عِكْرِمَةَ الْمَخْزُومِيِّ ° ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ° ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " لا يَحِلُّ لامْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ خَشَبَاتٍ يَضَعُهَا عَلَى جِدَارِهِ " . ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ : لأَضْرِبَنَّ بِهَا بَيْنَ أَعْيُنِكُمْ ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ 2509 قَالَ أَسَدٌ : وَحَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " نَهَى أَنْ يَمْنَعَ الرَّجُلُ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً عَلَى جِدَارِهِ " وزعم الشافعي أنه لم يرو عن أحد من الصحابة خلاف عمر في هذا الباب ، وأنكر على مالك تركه لكل ما أدخل في موطئه من الآثار في باب القضاء بالمرفق ، وقال : جعل في أول باب القضاء بالمرفق من موطئه : 2510 حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ " ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ الأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ ، ثُمَّ أَرْدَفَ ذَلِكَ بِحَدِيثَيْ عُمَرَ الْمَذْكُورِينَ فِي قِصَّةِ ابْنِ مَسْلَمَةَ ، وَقِصَّةِ الْمَازِنِيِّ مَعَ الضَّحَّاكِ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَكَأَنَّهُ جَعَلَ هَذِهِ الأَحَادِيثَ مُفَسِّرَةً لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ " . قَالَ : ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ . قال أبو عمر : أما قول الشافعي إنه لم يرو عن أحد من الصحابة خلاف ما روي عن عمر بن الخطاب في هذا الباب ، فليس كما ظن ، لأن محمد بن مسلمة من كبار الصحابة ، وجلة الأنصار ، وممن شهد بدرا ، قد خالف عمر بن الخطاب في ذلك ، وأبى مما رآه ، وقال : والله لا يكون ذلك . ومعلوم أن محمد بن مسلمة لو كان رأيه ، ومذهبه في ذلك كمذهب عمر ، ما امتنع من ذلك ، ولو علم أن ذلك من قضاء اللَّه ، أو من قضاء رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الإيجاب للجار لما خالفه ، ولكن رآه على الندب خلافا لمذهب عمر . وَإِذَا وُجِدَ الْخِلافُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ وَجَبَ النَّظَرُ ، وَالنَّظَرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ " . يعني أموال بعضكم على بعض ، ودماء بعضكم على بعض ، وأعراض بعضكم على بعض حرام . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنَ الْمُؤْمِنِ دَمَهُ وَمَالَهُ وَعِرْضَهُ ، وَأَنْ لا يَظُنَّ بِهِ إِلا الْخَيْرَ " . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ " . والأصول في هذا كثير جدا ، ولهذه الأصول الجسام ، ولمثلها من الكتاب والسنة ، حمل أهل العلم هذا الحديث على الندب والفضل والإحسان لا على الوجوب ، لتستعمل أخباره وسنته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلها ، وهكذا يجب على العالم ما وجد إلى ذلك سبيلا . وأما قول من قَالَ في حديث أبي هريرة : " لا يحل لامرئ أن يمنع جاره ، ونهى أن يمنع الرجل جاره أن يضع خشبة في جداره ، فليس ممن يحتج بنقله على مثل مالك ، ومن تابعه ، ويحتمل أن يكون لا يحل في حقوق الجار منعه من ذلك ، لأن منع ما لا يضر ليس من أخلاق الكرام من المؤمنين . ومن الدليل أيضا على صحة ما ذهب إليه مالك ، وعلى ، أن الخلاف في هذه المسألة لم يزل من زمن عمر ، قول أبي هريرة : مالي أراكم عنها معرضين ، وذلك في زمن الأعرج والتابعين ، وهذا يدل على أن الناس لم يتلقوا حديثه على الوجه الذي ذهب إليه أبو هريرة من إيجاب ذلك . ومذهب أبي هريرة في هذا كمذهب عمر . وفي المسألة كلام لمن خالفنا وعليهم ، لم أذكره مخافة التطويل . وأما قول عَبْد الملك بن حبيب فاضطرب في هذا الباب ، ولم يثبت فيه على مذهب مالك ، ولا مذهب العراقيين ، ولا مذهب الشافعي ، وتناقض في ذلك ، ولم يحسن الاختيار . قَالَ في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره " . لازم للحاكم أن يحكم به على من أباه ، وأن يجبره عليه بالقضاء ، لأنه حق قضى به رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولأنه أيضا من الضرار أن يدفعه أن يغرز خشب بيته في جداره ، فيمنعه بذلك المنفعة ، وصاحب الجدار لا ضرر عليه في ذلك . قَالَ : ويدخله أيضا قول رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا ضرر ولا ضرار " . وقول عمر : لم تمنع أخاك ما لا يضرك ؟ قَالَ : وقد قضى مالك للجار إذا تغورت بيده أن يسقي نخله وزرعه ببئر جاره حتى يصلح بئره ، وهذا أبعد من غرز الخشبة في جدار الجار , إذا لم يكن ضرر بالجدار إلا أن يخاف عليه أن يوهن الجدار ، ويضر به ، لم يجبر صاحب الجدار ، وقيل لصاحب الخشب : احتل لخشبك . ومثله حديث ربيع عَبْد الرحمن بن عوف في حائط المازني ، قَالَ : والربيع : الساقية ، فأراد عَبْد الرحمن بن عوف أن يحوله إلى موضع من الحائط هو أقرب إلى أرضه ، فمنعه صاحب الحائط ، فقضى عمر لعبد الرحمن بتحويله . قَالَ : وهذا أيضا يجبر عليه بالقضاء من أجل أن مجرى ذلك الربيع كان ثابتا في الحائط لعبد الرحمن ، وقد استحقه ، فأراد تحويله إلى ناحية أخرى هي أقرب عليه ، وأرفق بصاحب الحائط . قَالَ : وأما الحديث الثالث في قصة الضحاك بن خليفة مع محمد بن مسلمة ، فلم أجد أحدا من أصحاب مالك وغيره يرى أن يكون ذلك لازما في الحكم لأحد على أحد ، قَالَ : وإنما كان ذلك تشديدا على محمد بن مسلمة ، ولا ينبغي أن يكون أحد أحق بمال أخيه منه ، إلا برضاه . قَالَ : وليس مثل هذا حكم عمر في ربيع عَبْد الرحمن بن عوف ، لأن هذا لم يكن له في حائط محمد بن مسلمة طريق ، ولا ربيع . قَالَ : وهذا أحسن ما سمعت فيه . قال أبو عمر : هذا كله كلام ابن حبيب ، والخطأ فيه والتناقض أوضح من أن يحتاج إلى الكلام عليه ، وبالله التوفيق .