حدثنا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ° ، قَالَ : حدثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ° ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ° ، قَالَ : حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ° ، قَالَ : حدثنا ابْنُ عُلَيَّةَ ° ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ° ، عَنْ حَفْصَةَ ° ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ° ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ لَهُنَّ فِي غُسْلِ ابْنَتِهِ : " ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا "
قال أبو عمر : تطهير الميت تطهير عبادة ، لا إزالة نجاسة ، وإنما هو كالجنب ، وغسله كغسل الجنب سواء ، فأول ما يبدأ الغاسل به من أمره بعد ستره جهده ، أن يعصر بطنه عصرا خفيفا رفيقا ، فإن الاستنجاء يقدم في الوضوء على كل شيء ، فإن خرج منه شيء تناول غسل أسفله ، وعلى يده خرقة ، ولا يحل له أن يباشر قبله ولا دبره ، إلا وعلى يده خرقة ملفوفة يدخل به يده من تحت الثوب الذي يسجى به الميت ، ويستر به للغسل ، فيغسل فرجيه غسلا ناعما ، ويوالي بصب الماء على يد الغاسل حتى يصح إنقاؤه ، ثم يبتدئ فيوضئه وضوء الصلاة ، قَالَ أبو الفرج حاكيا عن مالك : يجعل الغاسل خرقة على يده يباشر بها فرج الميت إن احتاج إلى ذلك ، وكذلك قَالَ الوقار . قال أبو عمر : اختلف العلماء في مضمضة الميت ، ثم وضوئه ، وفي غسل كلاهما ، ودلك أسنانه ، فرأى ذلك منهم قوم ، وأباه آخرون ، ولا وجه لقول من أبي من ذلك ، فإذا فرغ بوضوئه بدأ بغسل شقه الأيمن من رأسه إلى طرف قدمه اليمنى ، ثم يصرفه برفق على شقه ، فيغسل شقه الأيسر من قرن رأسه إلى طرف قدمه حتى يأتي الغسل على جميعه بالماء القراح ، وإن كان فيه سدر فحسن ، ثم يغسله غسلة ثانية بماء فيه ورق سدر مدقوق أو بسدر يجعله في رأسه ولحيته ويغسله به ، ويبدأ برأسه قبل لحيته ، فإن لم يكن سدر فبالأشنان ، أو بالخطمي ، أو بالحرض ، أو الماء القراح حتى يأتي أيضا على تمام غسله كغسل الجنابة ، وهو في ذلك كله يستره طاقته ، ويغض بصره عن عورته كما يفعل بالحي ، وإن كان به قروح ، أو جراح أخذ عفوه ، ومن أهل العلم من يستحب أن يوضيه في كل غسلة ، ومنهم من يقول : الوضوء في أول مرة يكفي ، ثم يغسل الثالثة بماء الكافور كما غسله في الأولى ، فإذا أكمل غسله جففه ، وحشى داخل إزاره قطنا ، وهو على مغتسله ، ثم شد عليه شدادته من خلفه إلى مقدمه ، ثم حمله رفقا في ثوبه إلى نعشه ، وأدرجه في أكفانه ، ووجه العمل أن يبدأ الغاسل بتهذيب أكفانه ونشرها وتجميرها قبل أخذه في غسله ، والوتر عندهم في الغسلات مستحب غير واجب عند الجميع ، وليس الوتر في غسل الميت ، كالوتر في الاستنجاء بالأحجار ، ثم من أوجب ذلك . ذكرعبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، قَالَ : يغسل الميت وترا ثلاثا ، أو خمسا ، أو سبعا ، كلهن بماء وسدر ، وفي كل غسلة يغسل رأسه مع سائر جسده ، قلت : ويجزئ واحدة . قَالَ : نعم ، إذا أنقوا ، قَالَ : وأخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، وابن سيرين ، قالا : إذا طال مرضه ولم يجدوا سدرا غسلوه بالأشنان إن شاءوا ، ويقال : إن أعلم التابعين بغسل الميت ابن سيرين ، ثم أيوب ، وكلاهما كان غاسلا متوليا لذلك بنفسه ، محسنا ، مجيدا . ذكرعبد الرزاق قَالَ : أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، في الميت يغسل ، قَالَ : توضع خرقة على فرجه ، وأخرى على وجهه ، فإذا أراد أن يوضيه كشف الخرقة عن وجهه فيوضيه بالماء وضوء الصلاة ، ثم يغسله بالماء والسدر مرتين من رأسه إلى قدمه ، يبدأ بميامنه ولا يكشف الخرقة التي على فرجه ، ولكن يلف على يده خرقة إذا أراد أن يغسل فرجه ، ويغسل ما تحت الخرقة التي على فرجه بماء ، فإذا غسله مرتين بالماء والسدر غسله المرة الثالثة بماء فيه كافور ، قَالَ : والمرأة أيضا كذلك ، قَالَ : فإذا فرغ الغاسل اغتسل إن شاء ، أو توضأ . قال أبو عمر : لا غسل ولا وضوء على الغاسل واجبا عند جماعة الفقهاء وجمهور العلماء ، وهو المشهور من مذهب مالك والمعمول به عند أصحابه على حديث أسماء بنت عميس حين غسلت أبا بكر ، وستأتي هذه المسألة في باب ها من هذا الكتاب إن شاء الله . قال أبو عمر : إنما قَالَ ابن سيرين : يضع خرقة على وجهه سترا له ، لأن الميت ربما يتغير وجهه بالسواد ونحوه عند الموت ، وذلك لداء أو لغلبة دم فينكره الجهال . وقد روى عن النبي عليه السلام من مراسل الثقات الشعبي وغيره ، أنه قَالَ : " من غسل ميتا ولم يفش عليه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " . وقال أبو بكر الأثرم : قيل لأحمد بن حنبل : يغطي وجه الميت . قَالَ : لا ، إنما يغطي ما بين سرته إلى ركبته ، وأما قوله في هذا الحديث أعطانا حقوه ، فقال : " أشعرنها إياه " . فالحقو : الإزار ، وقيل : المئزر ، قَالَ منقذ بن خالد الهذلي : مكبلة قد خرق الردف حقوها وأخرى عليها حقوها لم يخرق والحقو مكسور الحاء بلغة هذيل ، وقد قيل : حقوها بالفتح ، وجمعه : حقي ، وأحقاء ، وأحق . وأما قوله : " وأشعرنها إياه " ، فإنه أراد اجعلنه يلي جسدها قبل سائر أكفانها ، ومنه قول عائشة : " كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يصلي في شعرنا ولا لحفنا " ، يعني ما يلي أجسادنا من الثياب ونحن حيض . ومنه الحديث " الأنصار شعار ، والناس دثار " ، فالشعار هاهنا أراد به ما قرب من القلب ، والدثار ما فوق الشعار . وقال ابن وهب في قوله : " أشعرنها إياه " أنه يجعل الإزار شبه المئزر ، ويفضي به إلى جلدها . وذكرعبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قَالَ : قلت لأيوب : ما قوله : " أشعرنها إياه " ، أتوزر ؟ قَالَ : لا أراه إلا قَالَ : ألففنها فيه ، قَالَ : وكذلك كان ابن سرين يأمر بالمرأة أن تشعر لفافة ولا توزر . وقال إبراهيم النخعي : الحقو فوق الدرع ، وخالفه الحسن ، وابن سيرين ، والناس ، فجعلوا الحقو يلي أسفلها مباشرا لها ، وقال ابن علية : الحقو هو النطاق الذي تنطق به الميتة ، وهو سبنية طويلة يجمع بها فخذاها تحصينا لها أن يخرج منها شيء ، كنطاق الحيض ، وهو أحد الخمسة الأثواب التي تكفن بها المرأة ، أحدها درع ، وهو القميص ، ولفافتان ، وخصار ، وهذا النطاق ، لأنه يؤخذ بعد غسلها قطعة كرسف ، فيحشي به أسفلها ، ويؤخذ النطاق فيلف على عجزها ، ويجمع به فخذاها كما يلف النطاق عليها ، ويخرج طرفا السبنية ، مما يلي عجزها يشد به عليها إلى قريب من ركبتها ، وقد قَالَ عيسى بن دينار : يلف على عجزها وفخذيها حتى يسوى ذلك منها بسائر جسدها ، ثم تدرج في اللفافتين ، كما يدرج الرجل قَالَ : ولو لم يكن إلا ثوب واحد كان الخمار أولى من المئزر ، لأنها تصلى في الدرع والخمار ولا تصلى في الدرع والمئزر . قَالَ أبو عمر : كيف ما صنع بها مما يكون تحصينا لأسفلها فحسن ، وليس في ذلك شيء لازم لا يتعدى ، وقد ذكرنا أقاويل العلماء في أكفان الرجال والنساء في باب هشام بن عروة والحمد لله . وفي هذا الحديث ما يدل على أن النساء أولى بغسل المرأة من الزوج ، لأن بنات رسول الله اللواتي توفين في حياته : زينب ، ورقية ، وأم كلثوم ، ولم يبلغنا أن إحداهن غسلها زوجها ، وأجمع العلماء على جواز غسل المرأة زوجها ، وغسلت أسماء بنت عميس زوجها أبا بكر بمحضر جلة من الصحابة ، وكذلك غسلت أبا موسى امرأته ، واختلفوا في غسل الرجل امرأته ، فأجاز ذلك جمهور من العلماء من التابعين والفقهاء ، وهو قول مالك والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وداود ، وحجتهم أن علي بن أبي طالب غسل زوجته فاطمة ، وقياسا على غسلها إياه ، ولأنه كان يحل له من النظر إليها ما لا يحل للنساء . وقال أبو حنيفة ، والثوري ، وروى ذلك عن الشعبي : لا يغسلها ، لأنه ليس في عدة منها ، وهذا ما لا معنى له ، لأنها في حكم الزوجة لا في حكم المبتوتة ، بدليل الموارثة ، والأصل في هذه المسألة ، غسل علي فاطمة رضي الله عنها ، رواه الدراوردي ، عن عمارة بن المهاجر ، عن أم عون بنت عبد الله بن جعفر ، عن جدتها أسماء بنت عميس ، قالت : أوصت فاطمة رضي الله عنها أن نغسلها أنا وعلي ، فغسلتها أنا وعلي . وذكرعبد الرزاق هذا الخبر ، فلم يقم إسناده ، وهو خبر مشهور عند أهل السير . قَالَ عبد الرزاق وأخبرنا الثوري ، قَالَ : سمعت حمادا ، يقول : إذا ماتت المرأة مع القوم ، فالمرأة يغسلها زوجها ، والرجل امرأته . قَالَ سفيان : ونحن نقول لا يغسل الرجل امرأته ، لأنه لو شاء تزوج أختها حين ماتت ، ويقول : تغسل المرأة زوجها ، لأنها في عدة منه . قَالَ عبد الرزاق : وأخبرنا هشام عن الحسن ، قَالَ : إذا لم يجدوا امرأة مسلمة ، ولا يهودية ، ولا نصرانية غسلها زوجها وابنها . قَالَ أبو عمر : قد روى عن ابن عباس ، أنه قَالَ : " أحق الناس بغسل المرأة والصلاة عليها زوجها " . ويحتمل هذا من الرجال ، فذلك جائز ، والنساء أيضا جائز كل ذلك ، والله الموفق للصواب . وأما غسل المرأة زوجها فلم يختلفوا فيه ، وهو أولى ما عمل به . وَروى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، " أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْصَى أَسْمَاءَ أَنْ تَغْسِلَهُ وَكَانَتْ صَائِمَةً ، فَعَزَمَ عَلَيْهَا لَتُفْطِرَنَّ " . وَقال أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ : أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ قَالَ : " إِذَا أَنَا مِتُّ فَاغْسِلِينِي ، وَأُقْسِمُ عَلَيْكِ لَتُفْطِرِنَّ لِيَكُونَ أَقْوَى لَكِ ، وَلْتَغْسِلِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنِي " .