← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#2074 مقبول 13 : 286 ☰ حديث رابع لنافع عن ابن عمر
A− A+

وَقَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ ° ، أَن قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ ° حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ° ، قَالَ : سُئِلَ سَعِيدٌ ° عَنِ الرَّجُلِ يَبِيعُ النَّخْلَ أَوِ الْمَمْلُوكَ ، فَأَخْبَرَنَا عَنْ نَافِعٍ ° ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ° ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ

قَالَ أَبُو عُمَر : هكذا يَقُول جَمَاعَة الحفاظ فِي حَدِيث ابْن عُمَر هَذَا فِي قصة النخل ، وَفِي قصة العبد أَيْضًا : يشترط ، بلا هاء ، لا يقولون : يشترطها ، فِي النخل ، ولا : يشترطه ، فِي العبد ، ومعلوم أَن الهاء لو وردت فِي هذين الحَدِيثين لكانت ضميرا فِي : يشترطها ، عائدا عَلَى ثمرة النخل ، وَفِي : يشترطه ، ضميرا عائدا عَلَى مال العبد ، فكأنه قَالَ : إلا أَن يشترط المبتاع شَيْئًا من ذَلِكَ ، وَفِي سقوط الهاء من ذَلِكَ دليل عَلَى صحة مَا ذهب إِلَيْهِ أشهب فِي قَوْله : جائز لمن ابتاع نخلا قَدْ أبرت أَن يشترط من الثمرة نصفها ، أَوْ جزءا منها ، وَكَذَلِكَ فِي مال العبد ، جائز أَن يشترط نصفه أَوْ يشترط منه مَا شاء لأن مَا جاز اشتراط جميعه جاز اشتراط بعضه ، وَمَا لَمْ يدخل الربا فِي جميعه فأحرى أَن لا يدخل فِي بعضه ، هَذَا قَوْل جمهور الْفُقَهَاء فِي ذَلِكَ ، وكل عَلَى أصله مَا سنوضحه إِن شاء اللَّه . وَقَالَ ابْن القاسم : لا يَجُوز لمبتاع النخل المؤبر أَن يشترط منها جزءا ، وإنما لَهُ أَن يشترط جميعها ، أَوْ لا يشترط شَيْئًا منها . وجملة قَوْل مَالِك ، ومذهب ابْن القاسم فيمن باع حائطا من أصله وفيه ثمرة تؤبر ، فثمره للمشتري وإن لَمْ يشترطه ، وإن كانت الثمرة قَدْ أبرت ، فثمره للبائع إلا أَن يشترطه المبتاع ، فَإِن لَمْ يشترطه المبتاع ، ثُمَّ أراد شراء الثمر قبل بدو صلاحه من بَعْد شراء الأصل بلا ثمره ، فجائز لَهُ ذَلِكَ خاصة ، لأنه كَانَ يَجُوز شراؤها مَعَ الأصل قبل بدو صلاحها ، ولا يَجُوز ذَلِكَ لغيره . وَقَالَ ابْن المواز : اختلف قَوْل مَالِك فِي شراء الثمرة بَعْد شراء الأصول وَقَدْ أبرت الثمرة ، فَقَالَ : لا يَجُوز ، قرب ذَلِكَ أَوْ بَعْد ، وَكَذَلِكَ مال العبد ، وَقَدْ قَالَ فيهما أَيْضًا : إِن ذَلِكَ جائز . قَالَ : والذي أخذ بِهِ ابْن عَبْد الحكم ، والمغيرة ، وابن دِينَار ، أَنَّهُ لا يَجُوز فيهما إلا أَن تكون مَعَ الأصول ومع العبد فِي صفقة واحدة . وَقَدْ رَوَى أشهب ، عَنْ مَالِك ، القولين جميعا ، ولا خلاف عَنْ مَالِك ، وأَصْحَابه فِي مشهور المذهب ، أَن الثمرة إِذَا اشترطها مشتري الأصل ، أَوِ اشتراها بَعْد ، أَنَّهَا لا حصة لَهَا من الثمن ، ولو أجيحت كلها كانت من المشتري ، ولا يَكُون شَيْء من جائحتها عَلَى البائع ، وَكَذَلِكَ كُل مَا جاز استثناؤه فِي الشراء والكراء من الثمار ، لا جائحة فِيهِ ، وإنما تكون الجائحة فيما بيع منفردا من الثمار دُونَ أصل . هَذَا تحصيل المذهب ، وكل رهن فِيهِ ثمرة قَدْ أبرت فَهِيَ رهن عِنْدَ مَالِك وأَصْحَابه مَعَ الرقاب ، وإن كانت لَمْ تؤبر فَهِيَ للراهن . وَأَمَّا الشَّافِعِي رحمه اللَّه ، فقوله فِي بيع النخل بَعْد الأبار وقبله كقول مَالِك سواء ، إلا أَنَّهُ لا يجيز للمبتاع أَن يشتري الثمرة قبل بدو صلاحها إِذَا لَمْ يشترطها فِي حِينَ شرائه النخل ، وَلَمْ يفرق بينه وبين غيره ، لعموم نهي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بيع الثمرة حَتَّى يبدو صلاحها . وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَة ، وأَصْحَابه ، فإنهم ردوا ظاهر هذه السنة ودليلها بتأويلهم ، وردها ابْن أَبِي ليلى ردا مجردا جهلا بِهَا ، والله أعلم ، وسنذكر أقوالهم . وظاهر مذهب مَالِك وأَصْحَابه القول بِهَذَا الْحَدِيث جملة ، ولا يردُونَه ، ويستعملونه فيمن باع نخلا قَدْ أبرت ، أَن ثمرها للبائع إلا أَن يشترطها المبتاع ، قَالُوا : وإذا لَمْ تؤبر الثمرة فَقَدْ جعلها النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمبتاع ، فَإِن اشترطها البائع لَمْ تجز ، وكأن المبتاع باعها قبل بدو صلاحها ، ومن باع عندهم أرضا فِيهَا زرع لَمْ يبد صلاحه فَهُوَ للبائع حَتَّى يشترطه المبتاع ، كمأبور النخل ، وَمَا لَمْ يظهر من الزرع فِي الأَرْض فَهُوَ للمبتاع بغير شرط ، كَمَا لَمْ يؤبر من الثمر ، ولا بأس عندهم ببيع الأَرْض بزرعها وَهُوَ أخضر ، كبيع الأصول بثمرها قبل بدو صلاحها ، لأن الثمر والزرع تبع لأصله . وإذا أبر أَكْثَر الحائط عندهم فَهُوَ للبائع حَتَّى يشترطه المبتاع ، وإن كَانَ المؤبر أقله فَهُوَ كُلهُ للمبتاع ، واضطربوا إِذَا أبر نصفه ، وإلا ظهر من المذهب أَنَّهُ للمبتاع إلا أَن يَكُون النصف مفرزا ، فيكون للبائع حينئذ ، وإلا فَهُوَ للمبتاع ، ومن ابتاع أرضا عندهم وَلَمْ يذكر شجرها فَهِيَ داخلة فِي البيع كبناء الدار ، وَكَذَلِكَ فِي صدقتها ، وَأَمَّا الزرع فَهُوَ للبائع حَتَّى يشترطه المبتاع ، هَذَا كُلهُ تحصيل مذهب مَالِك وأَصْحَابه . وَأَمَّا الشَّافِعِي ، فأخبرنا أَحْمَد بْن مُحَمَّد ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الفضل ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَرِير ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان ، عَن الشَّافِعِي ، قَالَ : فِي حَدِيث النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من باع نخلا بَعْد أَن تؤبر فثمرها للبائع إلا أَن يشترطها المبتاع : فائدتان إحداهما : لا يشكل لأَن الحائط إِذَا بيع وَقَدْ أبر نخله أَن الثمرة للبائع إلا أَن يشترطها المبتاع ، فتكون مِمَّا وقعت عَلَيْهِ صفقة البيع ، ويكون لَهُ حصة من الثمن . وَالثَّانِيَة : أَن الحائط إِذَا بيع وَلَمْ تؤبر نخله ، فثمره للمشتري ، لأن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ حد ، فَقَالَ : إِذَا أبر فثمره للبائع ، فَقَدْ أخبر أَن حكمه إِذَا لَمْ يؤبر غَيْر حكمه إِذَا أبر ، فمن باع حائطا لَمْ يؤبر فالثمرة للمشتري بغير شرط استدلالا بالسنة ، وَهُوَ قَوْل اللَّيْث بْن سَعْد ، وَدَاوُد بْن عَلِي ، وَأَحْمَد بْن حَنْبَل ، والطبري . وَقَالَ الشَّافِعِي : وكل حائط فله حكم نَفْسه ، لا حكم غيره ، فمن باع حائطا لَمْ يؤبر فثمره للمشتري ، وإن أبر غيره ، ومن باع ثمرة لَمْ يبد صلاحها فِي حائط بعينه ، لَمْ يجز ، وإن بدا الصلاح فِي مثلها فِي غيره لأن كُل حائط حكمه بنفسه لا بغيره . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة ، وأَصْحَابه ، والأوزاعي : من باع نخلا فثمرها للبائع إلا أَن يشترط المبتاع ، وسواء أبرت أَوْ لَمْ تؤبر هِيَ للبائع أبدا ، إلا أَن يشترطها المبتاع . وَقَالَ ابْن أَبِي ليلى : الثمرة للمشتري اشترطها أَوْ لَمْ يشترطها كعسف النخل . قَالَ أَبُو عُمَر : أما الكوفيون ، والأوزاعي فلا يفرقون بَيْنَ المؤبر وغيره ، ويجعلون الثمرة للبائع إِذَا كانت قَدْ ظهرت قبل البيع ، ومن حجتهم أَنَّهُ لَمْ يختلف قَوْل من شرط التأبير أَنَّهَا لو لَمْ تؤبر حَتَّى تناهت وصارت بلحا أَوْ بسرا ، ثُمَّ بيع النخل ، أَن الثمرة لا تدخل فِيهِ ، قَالُوا : فعلمنا أَن المعنى فِي ذكر التأبير ظهور الثمرة . قَالَ أَبُو عُمَر : الأبار عِنْدَ أَهْل العلم فِي النخل التلقيح ، وَهُوَ أَن يؤخذ شَيْء من طلع النخل ، فيدخل بَيْنَ ظهراني طلع الإناث ، ومعنى ذَلِكَ فِي سائر الثمار ظهور الثمرة من التين وغيره ، حَتَّى تكون الثمرة مرئية منظورا إِلَيْهَا ، والمعتبر بِهِ عِنْدَ مَالِك وأَصْحَابه فيما يذكر من الثمار التذكير ، وَفَيْمَا لا يذكر أَن يثبت من نواره مَا يثبت ، ويسقط مَا يسقط ، وحد ذَلِكَ فِي الزرع ظهوره من الأَرْض ، قاله مَالِك ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ، أَن أباره أَن يتحبب . قَالَ أَبُو عُمَر : لَمْ يختلف الْعُلَمَاء أَن الحائط إِذَا ، نشق طلع إناثه ، فأخر أباره ، وَقَدْ أبر غيره مِمَّن حاله مثل حاله ، أَن حكمه حكم مَا أبر ، لأنه قَدْ جاء عَلَيْهِ وقت الأبار ، وظهرت ثمرته بَعْد تغيبها فِي الجف ، فَإِن أبر بَعْض الحائط كَانَ مَا لَمْ يؤبر تبعا لَهُ ، كَمَا أَن الحائط إِذَا بدا صلاحه كَانَ سائر الحائط تبعا لِذَلِكَ الصلاح فِي جواز بيعه . وأصل الأبار أَن يَكُون فِي شَيْء منه الأبار ، فيقع عَلَيْهِ اسم أَنَّهُ قَدْ أبر ، كَمَا لو بدا صلاح شَيْء منه ، وَهَذَا كُلهُ قَوْل الشَّافِعِي ، وغيره من الْفُقَهَاء . قَالَ الشَّافِعِي : والكرسف إِذَا بيع أصله كالنخل إِذَا خرج جوزه وَلَمْ يتشقق ، فَهُوَ للمشتري ، وإذا شقق ، فَهُوَ للبائع مثل الطلع قبل الأبار وبعده . قَالَ : ومن باع أرضا فِيهَا زرع ، وَقَدْ خرج من الأَرْض ، فالزرع للبائع إلا أَن يشترطه المبتاع . قَالَ أَبُو عُمَر : وَهُوَ قَوْل مَالِك وأَصْحَابه إِذَا ظهر الزرع واستقل ، فَإِن لَمْ يظهر الزرع ، وَلَمْ يخرج ، وَلَمْ يستقل ، لَمْ يجز لمبتاع الأَرْض استثناؤه واشتراطه ، قَوْل الشَّافِعِي وَمَالِك فِي ذَلِكَ سواء . قَالَ الشَّافِعِي : فَإِن لَمْ يشترط المبتاع الزرع كَانَ للبائع ، فَإِن كَانَ الزرع مِمَّا يبقى لَهُ أصول فِي الأَرْض يفسدها ، فعلى صاحب الزرع نزعها عَنْ رب الأَرْض إِن شاء رب الأَرْض ، قَالَ : وَهَذَا إِذَا باعه أرضا فِيهَا زرع يحصد مرة واحدة ، وَأَمَّا القصب ، فمن باع أرضا فِيهَا قصب قَدْ خرج من الأَرْض ، فليس لَهُ منه إلا جزة واحدة ، وليس لَهُ قلعه من أصله لأنه أصل ، قَالَ : وكل مَا يجز مرارا من الزرع فمثل القصب فِي الأصل والثمرة ، لا يخالفه . قَالَ أَبُو عُمَر : أما أَصْحَاب مَالِك فإنهم يجيزون بيع القصب والموز من عام إِلَى عام إِذَا بدا صلاح أوله ، وَأَمَّا القرط فيباع عندهم إِذَا بدا صلاح أوله عَلَى آخره ، وَكَذَلِكَ قصب السكر ، ويكون للمشتري من القرط أعلاه وأسفله ، ولا يَجُوز أَن يشترط إبقاء خلفته برسما . وتحصيل مذهب مَالِك فيمن حبس حائطا لَهُ بَعْد موته ، أَوْ تصدق بِهِ ، أَوْ أوصى ثُمَّ مَات وَقَدْ أبرت ثمرة الحائط ، فَإِن الثمرة للورثة لأنها كالولادة ، فَإِن مَات قبل أَن تؤبر ، فالثمرة تبع للحبس ، والصدقة ، والوصية ، وَكَذَلِكَ الشفعة فيما قَدْ أبر ، الثمرة للمستشفع منه ، لأنه كبيع حادث ، وإن لَمْ تؤبر فالثمرة للآخذ بالشفعة ، وَفِي هذه المسائل اخْتِلاف بَيْنَ أَصْحَاب مَالِك ، يطول اجتلاب ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَر : قَدْ ذَكَرْنَا مَا للفقهاء فِي بيع النخل المؤبر وغير المؤبر ، واخْتِلافهم فِي معنى هَذَا الْحَدِيث ، والقول بِهِ ، وتصريف وجوهه ، وَأَمَّا مال العبد فليس اخْتِلافهم فِيهِ من جنس اخْتِلافهم فِي اشتراط ثمرة النخل يباع أصله ، ولكنا نذكر مَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ من القول هاهنا ، فَهُوَ أولى المواضع بِهِ من كتابنا هَذَا ، لأن نَافِعا جعل الْحَدِيث فِي مال العبد من قَوْل عُمَر ، فلذلك لا مدخل لَهُ فِي مسند هَذَا الباب ، وبالله توفيقنا . قَالَ مَالِك رحمه اللَّه : الأمر المجتمع عَلَيْهِ عندنا أَن المبتاع إِذَا اشترط مال العبد فَهُوَ لَهُ ، نقدا كَانَ أَوْ دينا أَوْ عرضا ، يعلم أَوْ لا يعلم ، وإن كَانَ للعبد من المال أَكْثَر مِمَّا اشترى بِهِ ، كَانَ ثمنه نقدا أَوْ دينا أَوْ عرضا ، وَذَلِكَ أَن مال العبد لا تجب فِيهِ الزكاة . قَالَ ابْن القاسم : ويجوز لمبتاع العبد أَن يشترط ماله ، وإن كَانَ مجهولا ، من عين أَوْ عرض بِمَا شاء من ثمن ، نقدا أَوْ إِلَى أجل . قَالَ أَبُو عُمَر : هَذَا مَا لا أعلم فِيهِ خلافا عَنْ مَالِك وأَصْحَابه أَنَّهُ يَجُوز أَن يشتري العبد وماله بدراهم إِلَى أجل ، وإن كَانَ ماله دراهم أَوْ دنانير أَوْ عروضا ، وأن ماله كُلهُ تبع كاللغو لا يعتبر إِذَا اشترط مَا يعتبر فِي الصفقة المفردة . وَكَانَ الشَّافِعِي يَقُول ببغداد نَحْو قَوْل مَالِك هَذَا ، وذكر الْحَسَن بْن مُحَمَّد الزعفراني ، عَن الشَّافِعِي فِي الكتاب البغدادي ، أَنَّهُ قَالَ : اشتراط مال العبد جائز بالخبر عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ : حكمه حكم طرق الدار ومسائل مائها ، فيجوز البيع إِذَا كَانَ إِنَّمَا قصد بِهِ قصد البيع للعبد خاصة ، ويكون المال تبعا فِي المعنى لَيْسَ معناه معنى عبدين قصد قصدهما بالبيع ، وَهُوَ قَوْل أَبِي ثور أَيْضًا . قَالَ الشَّافِعِي : فَإِن قيل : كَيْفَ يَجُوز أَن يملك بالعقد مَا لو قصد قصده عَلَى الانفراد لَمْ يجز ؟ فَقَدْ أجازوا بيع الطرق ، والمسابل ، والآبار ، وَمَا سمينا مَعَ الدار ، ولو قصد قصدهما عَلَى الانفراد لَمْ يجزه ، وقول عُثْمَان البتي مثل ذَلِكَ أَيْضًا ، قَالَ : إِذَا باع عبدا وَلَهُ مال ، ألف درهم ، فباعه بألف درهم ، فالبيع جائز إِن كانت رغبة المبتاع فِي العبد لا فِي الدراهم الَّتِي لَهُ . وَقَالَ الشَّافِعِي بمصر فِي كتابه الْمِصْرِي ، ذكره عَنْهُ الرَّبِيع ، والمزني ، والبويطي ، وغيرهم : لا يَجُوز اشتراط مال العبد إِذَا كَانَ لَهُ مال فضة ، فاشتراه بفضة ، أَوْ ذهب فاشتراه بذهب ، إلا أَن يَكُون ماله خلاف الثمن ، أَوْ يَكُون عروضا ، كَمَا يَكُون فِي سائر البيوع : الصرف وغيره ، والمال والعبد بشيء بيعا صفقة واحدة . وَهَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَة وأَصْحَابه . وبيع العبد وماله عندهم كمن باع شَيْئًا لا يَجُوز فِي ذَلِكَ إلا مَا يَجُوز فِي سائر البيوع ، ولا يَجُوز عِنْدَ أَبِي حَنِيفَة وأَصْحَابه بيع العبد بألف درهم ، وَلَهُ ألف درهم ، حَتَّى يَكُون مَعَ الألف زيادة ، ويكون الألف بالألف ، وتكون الزيادة ثمنا للعبد عَلَى أصلهم فِي الصرف ، وبيع الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، إِذَا كَانَ مَعَ أحدهما عرض ، وحجة من قَالَ هَذَا القول ، وذهب هَذَا المذهب ، أَن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يجعل مال العبد للمبتاع إلا بالشرط ، فكان ذَلِكَ عندهم كبيع دابة ومال غيرها . والعبد عِنْدَ الشَّافِعِي فِي قَوْله بمصر ، وعند أَبِي حَنِيفَة ، وأَصْحَابه ، ولا يملك شَيْئًا ، ولا يَجُوز لَهُ التسري فيما بيده ، أذن لَهُ مولاه أَوْ لَمْ يأذن ، لأنه لا يصح لَهُ ملك يمين مَا دام مملوكا ، لأنه يستحيل أَن يَكُون مالكا مملوكا فِي حال . وَقَالَ مَالِك ، وأَصْحَابه : يملك ماله كَمَا يملك عصمة نكاحه ، وجائز لَهُ التسري فيما ملك ، وحجتهم قَوْل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : من باع عبدا وَلَهُ مال ، فأضاف المال إِلَيْهِ ، وَقَالَ اللَّه عز وجل : فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ سورة النساء آية 25 ، فأضاف أجورهن إليهن إضافة تمليك ، وَهَذَا كُلهُ قَوْل دَاوُد أَيْضًا وأَصْحَابه ، إلا أَن دَاوُد يجعله مالكا ملكا صحيحا ، ويوجب عَلَيْهِ زكاة الفطر والزكاة فِي ماله ، ومن الحجة لمالك أَيْضًا أَن عَبْد اللَّهِ بْن عُمَر كَانَ يأذن لعبيده فِي التسري فيما بأيديهم ، ولا مخالف لَهُ من الصَّحَابَة ، ومحال أَن يتسرى فيما لا يملك ، لأن اللَّه لَمْ يبح الوطء إلا فِي نكاح أَوْ ملك يمين . وجعل الشَّافِعِي ، والعراقيون ، ومن قَالَ بقولهم إضافة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مال العبد إِلَى العبد كإضافة ثمر النخل إِلَى النخل ، وكإضافة بَاب الدار إِلَى الدار ، بدليل قَوْله : فماله للبائع ، أي فماله للبائع حقيقة ، قَالُوا : والعرب تقول : هَذَا سرج الدابة ، وغنم الراعي ، ولا توجبه هذه الإضافة تمليكا ، فَكَذَلِكَ إضافة مال العبد إِلَيْهِ عندهم . ومن الحجة أَيْضًا الإجماع عَلَى أَن للسيد انتزاع مال عبده من يده ، فلو كَانَ ملكا صحيحا لَمْ ينتزع منه ، وإجماعهم عَلَى أَن ماله لا يورث عَنْهُ ، وأنه لسيده . والحجة لكلي القولين تكثر وتطول ، وَقَدْ أَكْثَر الْقَوْم فِيهَا وطولوا ، وَفَيْمَا ذَكَرْنَا ولوحنا وأشرنا إِلَيْهِ كفاية . ولا يجيز هَؤُلاءِ للعبد أَن يتسرى ، ولا يحل لَهُ عندهم وطء فرج إلا بنكاح صحيح . وَقَالَ الْحَسَن ، والشعبي : مال العبد تبع لَهُ أبدا فِي البيع والعتق جميعا ، لا يحتاج مشتريه فِيهِ إِلَى اشتراط ، وَهَذَا قَوْل مردود بالسنة ، لا يعرج عَلَيْهِ . وَقَالَ مَالِك ، وابن شهاب ، وأكثر أَهْل الْمَدِينَة : إِذَا أعتق العبد تبعه ماله ، وَفِي البيع لا يتبعه ماله ، وَهُوَ لبائعه . وروي بنحو هَذَا القول فِي العتق أَيْضًا خبر مرفوع إِلَى النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، من حَدِيث ابْن عُمَر ، ولكنه خطأ عِنْدَ أَهْل العلم بالنقل . وَرَوَى أصبغ ، عَن ابْن القاسم ، قَالَ : إِذَا وهب الرجل عبده لرجل ، أَوْ تصدق بِهِ عَلَيْهِ ، فمال العبد للواهب والمتصدق ، قَالَ : وإذا أوصى بعبده لرجل ، فماله للموصى لَهُ . قَالَ أصبغ : بَل كُل ذَلِكَ واحد ، وَهُوَ للموهوب لَهُ ، والمتصدق بِهِ عَلَيْهِ ، ولا يَكُون المال للسيد إلا فِي البيع وحده ، لأن الصدقات تشبه العتق ، لأن فِي ذَلِكَ كُلهُ قربان ، وَلَمْ يختلف قَوْل مَالِك وأَصْحَابه فِي العبد يعتق بأي وجه عتق ، أَن ماله تبع لَهُ ، لَيْسَ لسيده منه شَيْء ، إلا أَن ينتزعه منه قبل ذَلِكَ ، وسواء كَانَ العتق بتلا ، أَوْ إِلَى أجل ، أَوْ من وصية ، أَوْ عتق بالحنث ، أَوْ بالنسب مِمَّن يعتق عَلَى مالكه ، أَوْ عتق بالمثلة ، كُل ذَلِكَ يتبع العبد فِيهِ ماله ، وَكَذَلِكَ المدبر . واتفق ابْن القاسم ، وابن وهب فِي العبد يمثل بِهِ مولاه ، وَهُوَ محجور عَلَيْهِ سفيه ، أَنَّهُ يعتق عَلَيْهِ ، واختلفا فِي مال ذَلِكَ العبد ، فَقَالَ ابْن القاسم : لا يتبعه ماله . وَقَالَ ابْن وهب : يتبعه ماله . وَبِهِ قَالَ أصبغ . وَقَالَ الشَّافِعِي بمصر ، والكوفيون : إِذَا عتق العبد أَوْ بيع لَمْ يتبعه ماله ، ولا مال لَهُ ، ولا ملك ، إلا مجازا واتساعا ، لا حقيقة .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناد حسن
شجرة الإسناد