حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ° ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الْحَلَبِيُّ الْقَاضِي ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ الْمُسْتَهِلِّ بْنِ أَبِي جَامِعٍ الْبَصْرِيُّ يُعْرَفُ بِدُرَّانَ ° ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ° ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ° ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، عَنْ جَابِرٍ ° " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ بِالْبَيْتِ ، فَرَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ ثَلاثًا ، وَمَشَى أَرْبَعَةً ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقَرَأَ فِيهِمَا بِـ قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، وَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، ثُمَّ خَرَجَ يُرِيدُ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ ، فَقَالَ : " نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا ، فَرَقَى عَلَيْهِ فَكَبَّرَ ثَلاثًا وَأَهَلَّ وَاحِدَةً ، ثُمَّ هَبَطَ ، فَلَمَّا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ سَعَى حَتَّى ظَهَرَ مِنْ طَرِيقِ الْمَسِيلِ "
وفي هذا الحديث دليل على أن النسق بالواو جائز أن يقَالَ فيه : قبل وبعد ، لقوله صلى الله عليه وسلم " نبدأ بما بدا الله به " فقد أخبر أن الله بدأ بذكر الصفا قبل المروة وعطف المروة عليها إنما كان بالواو . وإذا كان الابتداء بالصفا قبل المروة سنة مسنونة وعملا واجبا ، فكذلك كل ما رتبه الله ونسق بعضه على بعض بالواو في كتابه من آية الوضوء ، وهذا موضع اختلف فيه العلماء وأهل الأمصار وأهل العربية . فمذهب مالك في أكثر الروايات عنه وأشهرها : أن الواو لا توجب التعقيب ولا تعطى رتبة . وبذلك قَالَ أصحابه : وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، والثوري ، والأوزاعي ، والليث بن سعد المزني صاحب الشافعي ، وداود بن علي ، قَالَوا : فيمن غسل ذراعيه أو رجليه قبل أن يغسل وجهه ، أو قدم غسل رجليه قبل غسل يديه ، أو مسح برأسه قبل غسل وجهه ، أن ذلك يجزئه إلا أن مالكا يستحب لمن نكس وضوءه ولم يصل ، أن يستأنف الوضوء على نسق الآية ، ثم يستأنف صلاته . فإن صلى لم يأمره بإعادة الصلاة ، لكنه يستحب له استئناف الوضوء على النسق لما يستقبل ، ولا يرى ذلك واجبا عليه هذا هو تحصيل مذهب مالك . وقد روى علي بن زياد ، عن مالك ، قَالَ : من غسل ذراعيه ثم وجهه ، ثم ذكر مكانه أعاد غسل ذراعيه وإن لم يذكر حتى صلى أعاد الوضوء والصلاة ، قَالَ علي : ثم قَالَ بعد ذلك : لا يعيد الصلاة ويعيد الوضوء لما يستقبل . وذكر أبو مصعب ، عن مالك ، وأهل المدينة ، أن من قدم في الوضوء يديه على وجهه ولم يتوضأ على ترتيب الآية فعليه الإعادة لما صلى بذلك الوضوء . وكل من ذكرناه من العلماء مع مالك يستحب أن يكون الوضوء نسقا والحجة لمالك ومن ذكرنا من العلماء ، أن سيبويه وسائر البصريين من النحويين ، قَالَوا في قول الرجل : أعط زيدا وعمرا دينارا أن ذلك إنما يوجب الجمع بينهما في العطاء ولا يوجب تقدمة زيد على عمرو . فكذلك قول الله عز وجل : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ سورة المائدة آية 6 ، إنما يوجب ذلك الجمع بين الأعضاء المذكورة في الغسل ولا يوجب النسق ، وقد قَالَ الله عز وجل : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ سورة البقرة آية 196 ، فبدأ بالحج قبل العمرة ، وجائز عند الجميع أن يعتمر الرجل قبل أن يحج وكذلك قوله : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ سورة البقرة آية 43 ، جائز لمن وجب عليه إخراج زكاة ماله في حين وقت صلاة أن يبدأ بإخراج الزكاة ، ثم يصلي الصلاة في وقتها عند الجميع ، وكذلك قوله : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ سورة النساء آية 92 ، لا يختلف العلماء أنه جائز لمن وجب عليه في قتل الخطأ إخراج الدية وتحرير الرقبة ويسلمها قبل أن يحرر الرقبة ، وهذا كله منسوق بالواو ، ومثله كثير في القرآن ، فدل على أن الواو لا توجب رتبة . وقد روى عن علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود ، أنهما قَالَا : ما أبالي بأي أعضائي بدأت في الوضوء إذا أتممت وضوئي . وهم أهل اللسان ، فلم يبق لهم من الآية إلا معنى الجمع لا معنى الترتيب ، وقد أجمعوا أن غسل الأعضاء كلها مأمور في غسل الجنابة ولا ترتيب في ذلك عند الجميع ، فكذلك غسل أعضاء الوضوء . لأن المعنى في ذلك الغسل لا التبدية ، وقد قَالَ الله عز وجل : يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ سورة آل عمران آية 43 ، ومعلوم أن السجود بعد الركوع ، وإنما أراد الجمع لا الرتبة ، هذا جملة ما احتج به من احتج للقائلين بما ذكرنا . وأما الذين ذهبوا إلى إبطال وضوء من لم يأت بالوضوء على ترتيب الآية ، وإبطال صلاته إن صلى بذلك الوضوء المنكوس ، منهم : الشافعي وسائر أصحابه ، والقائلين بقوله ، إلا المزني ومنهم أحمد بن حنبل ، وأبو عبيد القاسم بن سلام ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو ثور ، وإليه ذهب أبو مصعب صاحب مالك ذكره في مختصره ، وحكاه عن أهل المدينة ، ومالك معهم . فمن الحجة لهم : أن الواو توجب الرتبة والجمع جميعا ، وحكى ذلك بعض أصحاب الشافعي في كتاب الأصول له ، عن نحوي الكوفة الكسائي والفراء ، وهشام بن معاوية ، أنهم قَالَوا في واو العطف : إنها توجب الجمع ، وتدل على تقدمة المقدم في قولهم : أعط زيدا وعمرا . قَالَوا وذلك زيادة في فائدة الخطاب مع الجمع ، قَالَوا : ولو كانت الواو توجب الرتبة أحيانا ولا توجبها أحيانا ولم يكن بد من بيان مراد الله عز وجل في الآية على ما زعم مخالفونا ، لكان في بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك بفعله ما يوجبه ، لأنه مذ بعثه الله إلى أن مات لم يتوضأ إلا على الترتيب ، فصار ذلك فرضا ، لأنه بيان لمراد الله عز وجل فيما احتمل التأويل من الوضوء ، كتبيينه عدد الصلوات ومقدار الزكوات ، وغير ذلك من بيانه للفرائض المجملات التي لم يختلف أنها مفروضات فمن توضأ على غير ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجزه ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " وبدليل قوله أيضا وقد توضأ على الترتيب : " هذا وضوء لا يقبل الله صلاة إلا به " . قَالَوا : وأما الحديث عن علي وابن مسعود فغير صحيح عنهما ، لأن حديث علي انفرد به عبد الله بن عمرو ابن هند الجملي ، ولم يسمع من علي . والمنقطع من الحديث لا تجب به حجة . قَالَوا : وكذلك حديث عبد الله بن مسعود أشد انقطاعا ، لأنه لا يوجد إلا من رواية مجاهد ، عن ابن مسعود ومجاهد لم يسمع من ابن مسعود ولا رآه ولا أدركه . وهو أيضا حديث مختلف فيه ، لأن عبد الرزاق ، ومحمد بن بكر البرساني روياه ، عن ابن جريج ، عن سليمان الأحول ، عن مجاهد ، عن ابن مسعود ، قَالَ : ما أبالي بأيهما بدأت باليمنى أو باليسرى . ورواه حفص بن غياث ، عن ابن جريج ، عن سليمان بن موسى ، عن مجاهد ، قَالَ : قَالَ عبد الله بن مسعود : لا بأس أن تبدأ بيديك قبل رجليك . قَالَوا : وعبد الرزاق أثبت في ابن جريج من حفص بن غياث ، وقد تابعه البرساني ، وليس في روايتهما ما يوجب تقديما ولا تأخيرا ، لأن اليمنى واليسرى لا تنازع بين المسلمين في تقديم إحداهما على الأخرى ، لأنه ليس فيهما نسق بواو ، وقد جمعهما الله بقوله : وَأَيْدِيَكُمْ سورة المائدة آية 6 ، وهذا لم يختلف فيه فيحتاج إليه ، قَالَوا : وقد روى عن علي بن أبي طالب ، أنه قَالَ : " أنتم تقرؤون الوصية قبل الدين ، وقضى رسول الله بالدين قبل الوصية ، وهو مشهور ثابت عن علي رضي الله عنه ، قَالَوا : فهذا علي قد أوجبت عنده أو التي هي في أكثر أحوالها ، بمعنى الواو القبل والبعد ، فالواو عنده أحرى بهذا وأولى لا محالة ، لأن الواو أقوى عملا في العطف من أو عند الجميع . ومن الحجة لهم أيضا .