← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#2370 15 : 96 ☰ حديث سابع وأربعون لنافع عن ابن عمر
A− A+

وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى ° ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ° ، أَنَّ ثَوْرَ بْنَ زَيْدِ الْكِنَانِيَّ ° ، حَدَّثَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، قَالَ : " إِذَا حَاضَتِ الْمُطَلَّقَةُ الْحَيْضَةَ الثَّالِثَةَ فَقَدْ بَانَتِ مِنْ زَوْجِهَا ، إِلا أَنَّهَا لا تَتَزَوَّجُ ، حَتَّى تَطْهُرَ "

وهذه الزيادة قوله : " إلا أنها لا تتزوج حتى تطهر " . ضعيفة في النظر ، فإن صحت ، احتمل أن يكون استحبابا من ابن عباس ، أن لا يعقد على الحائض أحد خوف أن تدعوه الشهوة إلى الوطء في حيضها ، وهي عندي زيادة منكرة ، وحسبه أنه قد أخرجها من العدة بقوله : " فقد بانت من زوجها " . وإذا خرجت من العدة ، فالنكاح لها مباح في الأصول كلها ، وأما حجة من احتج بأن الله قال : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ سورة البقرة آية 228 . فوجب أن تكون ثلاثة كاملة ، وقال في قوله : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ سورة البقرة آية 197 . فجائز أن تكون شهرين ، وبعض الثالث ، وفرق بين ذلك بذكر العدد ، فلا وجه لما قال ، لأن المبتغى من الأقراء ما يبرأ به الرحم ، وهو خروج المرأة من الطهر إلى الدم ، فذلك الوقت هو المبتغى ، والمراعى ، وقد حصل منه ثلاثة . أوقات كاملة بدخولها في الدم من الحيضة الثالثة ، ودليل آخر ، وهو أن الطهر مذكر ، فهو أشبه بقول الله عز وجل : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ سورة البقرة آية 228 . لإدخاله الهاء في ثلاثة ، وهي لا تدخل إلا في العدد المذكر ، والحيضة مؤنثة ، فلو أرادها ، لقال : ثلاث قروء وقد احتج أصحابنا بهذا ، وهذا عندي ليس بشيء ، لأن التذكير في العدد إنما جاء على لفظ القرء ، وهي مذكرة ، وأما احتجاجهم بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمستحاضة : " اقعدي أيام أقرائك ، وانظري إذا أتاك قرؤك ، فلا تصلي " . ونحو هذا فليس فيه حجة ، لأن الحيض قد يسمى قرءا ، ولسنا ننازعهم في ذلك ، ولكنا ننازعهم أن يكون الله عز وجل أراده بقوله : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ سورة البقرة آية 228 . على أن هذا الحديث قد ضعفه أهل العلم ، لأنه يروي عن عائشة ، وعائشة لم يختلف عنها في أن الأقراء الأطهار ، فيبعد عن عائشة أن تروي عن النبي عليه السلام أنه ، قال : للمستحاضة دعي الصلاة أيام أقرائك ، وتقول : الأقراء الأطهار ، فإن صح عن عائشة ، فهو حجة عليهم ، لأن عائشة تكون حينئذ أخبرت بأن القرء الذي يمنع من الصلاة ليس هو القرء الذي تعتد به من الطلاق ، وكفى بتفرقة عائشة بين هذين حجة ، وأما حديث فاطمة ابنة أبي حبيش ، فلم يذكر فيه هشام بن عروة من رواية مالك ، وغيره القرء ، إنما قال فيه : إذا أقبلت الحيضة ، فدعي الصلاة ، لم يقل : إذا أتاك قرؤك ، وهشام أحفظ من الذي خالفه في ذلك ، ولو صح ، كان الوجه فيه ما ذكرنا عن عائشة ، والله أعلم . وقد أجمعوا على أن الطلاق للعدة أن يطلقها طاهرا من غير جماع لا حائضا ، وأجمعوا على أن كل معتدة من طلاق أو وفاة تحسب عدتها من ساعة طلاقها ، أو وفاة زوجها ، وذلك دليل على أن الأقراء الأطهار ، إلا الحيض ، لأن القائلين بأنها الحيض ، يقولون : إنها لا تعتد إلا بالحيض المقبلة بعد الطهر الذي طلقت فيه ، فجعلوا عليها ثلاثة قروء ، وشيئا آخر ، وذلك خلاف الكتاب والسنة ، ويلزمهم أن يقولوا : إنها قبل الحيضة في غير عدة ، وحسبك بهذا خلافا لظاهر قول الله عز وجل : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ سورة الطلاق آية 1 . ولقول النبي عليه السلام : " فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء " . وأما حجتهم بأن أم الولد عدتها حيضة بإجماع ، وأنها لا يحل لها النكاح حتى تطهر من حيضتها ، وذلك دليل على أن القرء الحيضة ، فليس هو كما ظنوا ، وجائز لها عندنا أن تنكح إذا دخلت في الحيضة ، واستيقنت أن دمها دم حيض ، وقد قال هذا إسماعيل بن إسحاق ليحيى بن أكثم حين أدخل عليه في مناظرته إياه ما أدخله محمد بن الحسن على مناظرة عن أهل المدينة في كتابه ، فقال له : أتحل أم الولد للأزواج إذا دخلت في الدم من الحيضة ؟ فقال له إسماعيل : نعم تحل للأزواج ، لأن ظهور الدم براءة لرحمها في الأغلب المعمول به . قال أبو عمر : الأصل في هذا الباب ، والمعتمد عليه فيه حديث ابن عمر عن النبي عليه السلام في قوله : " إذا طهرت إن شاء طلق ، وإن شاء أمسك " . لم يخص أول الطهر من آخره ، ولو كان بينهما فرق ، لبينه ، لأنه المبين عن الله مراده ، وقد بلغ ، وما كتم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
شجرة الإسناد