وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا ، مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ° ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُحَنِّسَ ° ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الأَخْنَسِيِّ ° ، عَنْ جَدَّتِهِ حُكَيْمَةَ ° ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ° زَوْجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ ، أَنَّهَا سمعت رَسَولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : " مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَمَا تَأَخَّرَ ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ " . شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ أَيَّهُمَا
قال : واختلف الفقهاء في الرجل المريد للحج والعمرة يجاوز ميقات بلده إلى ميقات آخر أقرب إلى مكة مثل أن يترك أهل المدينة الإحرام من ذي الحليفة حتى يحرموا من الجحفة ، فتحصيل مذهب مالك أن من فعل ذلك فعليه دم ، وقد اختلف في ذلك أصحاب مالك ، فمنهم من أوجب الدم ، ومنهم من أسقطه . وأصحاب الشافعي على إيجاب الدم في ذلك ، وهو قول الثوري ، والليث بن سعد . وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : لو أحرم المدني من ميقاته ، كان أحب إليهم ، فإن لم يفعل ، وأحرم من الجحفة ، فلا شيء عليه ، وهو قول الأوزاعي ، وأبي ثور . وكره أحمد بن حنبل ، وإسحاق مجاوزة ذي الحليفة إلى الجحفة ، ولم يوجب الدم في ذلك . وقد روي عن عائشة أنها كانت إذا أرادت الحج أحرمت من ذي الحليفة ، وإذا أرادت العمرة ، أحرمت من الجحفة . وقال ابن القاسم : قال لي مالك : كل من مر بميقات ليس هو له بميقات ، فليحرم منه مثل أن يمر أهل الشام ، وأهل مصر من العراق قادمين ، فعليهم أن يهلوا من ذات عرق ميقات أهل العراق ، وكذلك إن قدموا من اليمن ، أهلوا من يلملم ، وإن قدموا من نجد ، فمن قرن ، وكذلك جميع أهل العراق ، ومن مر منهم بميقات ليس له ، فليهل من ميقات أهل ذلك البلد ، إلا أن مالكا قال لي غير مرة في أهل الشام ، وأهل مصر : إذا مروا بالمدينة ، فأرادوا أن يؤخروا إحرامهم إلى الجحفة ، فذلك لهم . قال ابن القاسم : لأنها طريقهم . قال مالك : والفضل لهم في أن يحرموا من ميقات أهل المدينة ، واختلفوا فيمن جاوز الميقات ، وهو يريد الإحرام ، فأحرم ، ثم رجع إلى الميقات ، فقال مالك : إذا جاوز الميقات ، ولم يحرم منه ، فعليه دم ، ولا ينفعه رجوعه ، وهو قول أبي حنيفة ، وعبد الله بن المبارك ، وقال مالك : من أراد الحج ، والعمرة ، فجاوز الميقات ، ثم أحرم ، وترك الإحرام من الميقات ، فليمض ، ولا يرجع مراهقا كان مراهق ، وليهرق دما . قال : وليس لمن تعدى الميقات ، فأحرم أن يرجع إلى الميقات فينقض إحرامه . قال إسماعيل : لأنه قد وجب عليه الدم ، لتعديه ما أمر به ، فلا وجه لرجوعه ، وقال مالك : من جاوز الميقات ممن يريد الإحرام جاهلا ، فليرجع إلى الميقات ، إن لم يخف فوات الحج ، ولا شيء عليه ، وإن خاف فوات الحج ، أحرم من موضعه ، وكان عليه دم ، لما ترك من الإحرام من الميقات . وقال الشافعي ، والأوزاعي ، وأبو يوسف ، ومحمد : إذا رجع إلى الميقات ، فقد سقط عنه الدم لبى ، أو لم يلب . وقد روي عن أبي حنيفة أنه إن رجع إلى الميقات ، فلبى ، سقط عنه الدم ، وإن لم يلب ، لم يسقط عنه الدم ، وكلهم يقول : إنه إن لم يرجع ، وتمادى ، فعليه دم . وللتابعين في هذه المسألة أقاويل هذه أحدها : أنه لا شيء على من ترك الميقات ، هذا قول عطاء ، والنخعي . وقول آخر : إنه لا بد له أن يرجع إلى الميقات ، إذا تركه فإن لم يرجع حتى قضى حجه . فلا حج له . هذا قول سعيد بن جبير . وقول آخر ، وهو : إن يرجع إلى الميقات كل من تركه ، فإن لم يفعل حتى تم حجه ، رجع إلى الميقات ، وأهل منه بعمرة . روي هذا عن الحسن البصري ، فهذه الأقاويل الثلاثة شذوذ ضعيفة عند فقهاء الأمصار ، لأنها لا أصل لها في الآثار ، ولا تصح في النظر . واختلفوا في العبد يجاوز الميقات بغير نية إحرام ، ثم يحرم ، فقال مالك أيما عبد جاوز الميقات ، ولم يأذن له سيده في الإحرام ، ثم أذن له بعد مجاوزته الميقات ، فأحرم ، فلا شيء عليه ، وهو قول الثوري ، والأوزاعي . وقال أبو حنيفة : عليه دم ، لتركه الميقات ، وكذلك إن عتق ، واضطرب الشافعي في هذه المسألة ، فمرة قال في العبد : عليه دم ، لتركه الميقات . كما قال أبو حنيفة ، وقال في الكافر : يجاوز الميقات ، ثم يسلم لا شيء عليه ، قال : وكذلك الصبي يجاوزه ، ثم يحتلم ، فيحرم لا شيء عليه ، وقال مرة أخرى : لا شيء على العبد ، وعلى الصبي ، والكافر يسلم الفدية ، إذا أحرما من مكة ، ومرة قال : عليهم ثلاثتهم دم ، وهو تحصيل مذهبه . قال أبو عمر : الصحيح عندي في هذه المسألة أنه لا شيء على واحد منهم ، لأنه لم يخطر بالميقات مريدا للحج وإنما تجاوزه هو غير قاصد الحج ، ثم حدثت له حال بمكة ، فأحرم منها ، فصار كالمكي الذي لا دم عليه عند الجميع . وقال مالك : من أفسد حجته ، فإنه يقضيها من حيث كان أحرم بالحجة التي أفسد ، وهو قول الشافعي ، وهذا عند أصحابهما على الاختيار . واتفق مالك والشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهم ، والثوري ، وأبو ثور على أن من مر بالميقات لا يريد حجا ، ولا عمرة ، ثم بدا له في الحج أو العمرة ، وهو قد جاوز الميقات أنه يحرم من الموضع الذي بدا له منه الحج ، ولا يرجع إلى الميقات ، ولا شيء عليه . وقال أحمد ، وإسحاق : يرجع إلى الميقات ، ويحرم منه ، وأما حديث مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر أهل من الفرع محتملة عند أهل العلم على أنه مر بميقاته لا يريد إحراما ، ثم بدا له ، فأهل منه ، أو جاء إلى الفرع من مكة ، أو غيرها ، ثم بدا له في الإحرام . هكذا ذكر الشافعي ، وغيره في معنى حديث ابن عمر هذا ، ومعلوم أن ابن عمر روى حديث المواقيت ، ومحال أن يتعدى ذلك مع علمه به ، فيوجب على نفسه دما هذا لا يظنه عالم ، والله أعلم . وأجمعوا كلهم على أن من كان أهله دون المواقيت أن ميقاته من أهله حتى يبلغ مكة على ما في حديث ابن عباس ، وفي هذه المسألة أيضا قولان شاذان : أحدهما لأبي حنيفة ، قال : يحرم من موضعه ، فإن لم يفعل ، فلا يدخل الحرم إلا حراما ، فإن دخله غير حرام فليخرج من الحرم ، وليهل من حيث شاء من الحل ، والقول الآخر لمجاهد ، قال : إذا كان الرجل منزله بين مكة ، والميقات ، أهل من مكة .