فَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ° ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى يَعْنِي الْقَطَّانَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ° ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ ° ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ° ، أَنَّ رَسَولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلَّى بِهِمْ صَلاةَ الْخَوْفِ ، فَصَفَّ صَفًّا خَلْفَهُ ، وَصَفًّا مُصَافِّي الْعَدُوَّ ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ، ثُمَّ ذَهَبَ هَؤُلاءِ ، وَجَاءَ أُولَئِكَ ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ، ثُمَّ قَامُوا ، فَقَضَوْا رَكْعَةً رَكْعَةً "
فإن قيل : إن يحيى القطان قد خولف عن شعبة في ذلك ، فالجواب أن الذي خالفه لا يقاس به حفظا ، وإتقانا ، وإمامة في الحديث ، وما اخترناه في هذا الباب ، فهو اختيار أشهب ، وإليه ذهب الأوزاعي ، وقال به بعض أصحاب داود ، والحجة في اختيارنا هذا الوجه من بين سائر الوجوه المروية في صلاة الخوف أنه أصحها إسنادا ، وأشبهها بالأصول المجتمع عليها ، وفي صلاة رَسَول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الخوف بأصحابه ركعة ركعة ، " وأتمت كل طائفة لنفسها " . دليل على أن حديث جابر في قصة معاذ ، وصلاته بقومه بعد صلاته مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلك الصلاة منسوخ ، لأنه لو جاز أن تصلى الفريضة خلف المتنفل ، لصلى بهم رَسَول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ركعتين ركعتين ، والله أعلم . قد احتج بهذا أبو الفرج ، وغيره من أصحابنا ، ومن الكوفيين أيضا ، إلا أنه يعترض عليهم حديث أبي بكرة ، وحديث جابر ، وفي ذلك نظر ، وبالله التوفيق . وقالت طائفة من أهل العلم ، منهم أبو يوسف ، وابن علية : لا تصلى صلاة الخوف بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإمام واحد ، وإنما تصلى بإمامين يصلي كل إمام بطائفة ركعتين ، واحتجوا بقول الله عز وجل : وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ سورة النساء آية 102 . الآية . قالوا : فإذا لم يكن فيهم النبي عليه السلام ، لم يكن ذلك لهم ، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس كغيره في ذلك ، ولم يكن من أصحابه من يؤثر بنصيبه منه غيره ، وكلهم كان يحب أن يأتم به ويصلي خلفه ، وليس أحد بعده يقوم في الفضل مقامه ، والناس بعده تستوي أحوالهم ، أو تتقارب ، فلذلك يصلي الإمام بفريق منهم ، ويأمر من يصلي بالفريق الآخر ، وليس بالناس اليوم حاجة إلى صلاة الخوف ، إذا كان لهم سبيل أن يصلوا فوجا ، فوجا ، ولا يدعوا فرض القبلة ، ولهم إليها سبيل . قال أبو عمر : هذه جملة ما احتج به القائلون بأن لا تصلى صلاة الخوف بإمام واحد لطائفتين بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ومن الحجة عليهم لسائر العلماء أنه لما كان قول الله عز وجل : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً سورة التوبة آية 103 . لا يوجب الاقتصار على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحده ، وأن من بعده يقوم في ذلك مقامه ، فكذلك قوله : وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ سورة النساء آية 102 . سواء ألا ترى أن أبا بكر الصديق في جماعة الصحابة قاتلوا من تأول في الزكاة مثل تأويل هؤلاء في صلاة الخوف . قال أبو عمر : ليس في أخذ الزكاة التي قد استوى فيها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ومن بعده من الخلفاء ما يشبه صلاة من صلى خلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصلى غيره خلف غيره ، لأن أخذ الزكاة فائدتها توصيلها للمساكين ، وليس في هذا فضل للمعطى كما في الصلاة فضل للمصلى خلفه ، وأما مراعاة القبلة للخائف في الصلاة ، فساقطة عنه عند أهل المدينة والشافعي ، إذا اشتد خوفه ، كما يسقط عند النزول إلى الأرض لقول الله عز وجل : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا سورة البقرة آية 239 . قال أبو عمر : مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ، وهذا لا يجوز لمصلي الفرض في غير الخوف ، ومن الدليل على أن ما خوطب به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخلت فيه أمته ، إلا أن يتبين خصوص في ذلك قول الله عز وجل : فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ سورة الأحزاب آية 37 الآية . ومثل ذلك قول الله عز وجل : وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ سورة الأنعام آية 68 . هو المخاطب به ، وأمته داخلة في حكمه ، ومثل هذا كثير ، وبالله التوفيق . وأما قول ابن عمر في حديثه هذا : فإن كان خوفا هو أشد من ذلك ، صلوا رجالا قياسا على أقدامهم ، أو ركبانا مستقبلي القبلة ، وغير مستقبليها ، فإليه ذهب مالك ، والشافعي ، وأصحابهما ، وجماعة غيرهم . قال مالك ، والشافعي : يصلي المسافر ، والخائف على قدر طاقته مستقبل القبلة ، ومستدبرها ، وبذلك قال أهل الظاهر . وقال ابن أبي ليلى ، وأبو حنيفة ، وأصحابه : لا يصلي الخائف ، إلا إلى القبلة ، ولا يصلي أحد في حال المسايفة . وقول الثوري نحو قول مالك . ومن قول مالك ، والثوري : أنه إن لم يقدر على الركوع والسجود ، فإنه يصلي قائما ، ويومئ . قال الثوري : إذا كنت خائفا ، فكنت راكبا أو قائما ، أومأت إيماء حيث كان وجهك ركعتين تجعل السجود أخفض من الركوع ، وذلك عند السلة ، والسلة المسايفة . وقال الأوزاعي : إذا كان القوم مواجهي العدو ، وصلى بهم إمامهم صلاة الخوف ، فإن شغلهم القتال ، صلوا فرادى ، فإن اشتد القتال ، صلوا رجالا وركبانا إيماء حيث كانت وجوههم ، فإن لم يقدروا ، تركوا الصلاة حتى يأمنوا . وقال الشافعي : لا بأس أن يضرب في الصلاة الضربة ، ويطعن الطعنة ، وإن تابع الضرب ، أو الطعن ، أو عمل عملا ، بطلت صلاته . واستحب الشافعي أن يأخذ المصلي سلاحه في الصلاة ، ما لم يكن نجسا ، أو يمنعه من الصلاة ، أو يؤذي أحدا ، قال : ولا يأخذ الرمح ، إلا أن يكون في حاشية الناس ، وأكثر أهل العلم يستحبون للمصلي أخذ سلاحه ، إذا صلى في الخوف ، ويحملون قوله : " وخذوا أسلحتكم على الندب " . لأنه شيء لولا الخوف لم يجب أخذه ، فكان الأمر به ندبا . وقال أهل الظاهر : أخذ السلاح في صلاة الخوف واجب ، لأمر الله به إلا لمن كان به أذى من مطر أو مرض ، فإن كان ذلك ، جاز له وضع سلاحه . قال أبو عمر : الحال التي يجوز فيها للخائف أن يصلي راكبا ، وراجلا مستقبل القبلة ، وغير مستقبلها هي حال شدة الخوف ، والحال الأولى التي وردت الآثار فيها هي غير هذه الحال ، وأحسن الناس صفة للحالين جميعا من الفقهاء الشافعي ، رحمه الله ، ونحن نذكر هنا قوله في ذلك ، لنبين به المراد من الحديث ، وبالله التوفيق . قال الشافعي : لا يجوز لأحد أن يصلي صلاة الخوف ، إلا بأن يعاين عدوا قريباً غير مأمون أن يحمل عليه من موضع يراه ، أو يأتيه من يصدقه بمثل ذلك من قرب العدو منه ، ومسيرهم جادين إليه ، فإن لم يكن واحدا من هذين المعنيين ، فلا يجوز له أن يصلي صلاة الخوف ، فإن صلوا بالخبر صلاة الخوف ، ثم ذهب ، لم يعيدوا . وقال أبو حنيفة : يعيدون ، وقال الشافعي : إن كان بينهم وبين العدو حائل يأمنون وصول العدو إليهم ، لم يصلوا صلاة الخوف ، وإن كانوا لا يأمنونهم ، صلوا . وقال الشافعي : الخوف الذي يجوز فيه الصلاة رجالا وركبانا ، إطلال العدو عليهم ، فيتراءون صفا ، والمسلمون في غير حصن ، حتى تنالهم السلاح من الرمي ، وأكثر من أن يقرب العدو فيه منهم من الطعن والضرب ، فإذا كان هكذا ، والعدو من وجه واحد أو محيطون بالمسلمين ، والمسلمون كثير ، والعدو قليل تستقل كل طائفة وليها العدو بالكر ، وحتى تكون من بين الطوائف التي تليها يليها العدو في غير شدة خوف منهم صلى الذين لا يلونهم صلاة غير شدة الخوف لا يجزئ غير ذلك ، ولغير الشافعي قريب من هذا المعنى في الوجهين جميعا . وقال مالك : إن صلى آمنا ركعة ، ثم خاف ركب ، وبنى ، وكذلك إن صلى ركعة راكبا ، وهو خائف ، ثم أمن نزل ، وبنى ، وهو أحد قولي الشافعي ، وبه قال المزني . وقال أبو حنيفة : إذا افتتح الصلاة آمنا ، ثم خاف ، استقبل ، ولم يبن ، فإن صلى خائفا ، ثم أمن ، بنى . وقال الشافعي : يبني النازل ، ولا يبني الراكب . وقال أبو يوسف : لا يبني في شيء من هذا كله ، وللفقهاء اختلاف فيمن ظن العدو ، أو رآه ، فصلى صلاة خائف ، ثم انكشف له أنه لم يكن عدو في الخوف من السباع ، وغيرها ، وفي الصلاة في حين المسايفة ، وفي أخذ السلاح في الحرب مسائل كثيرة من فرع صلاة الخوف ، لا يجمل بي إيرادها ، لخروجنا بذلك عن تأليفنا ، وفيما ذكرنا من الأصول التي في معنى الحديث ما يستدل به على كثير من الفروع ، وللفروع كتب غير هذه ، وبالله العصمة ، والتوفيق . أخبرنا أحمد بن محمد ، قال : حدثنا أحمد بن الفضل ، قال : حدثنا محمد بن جرير ، قال : حدثنا محمد بن عبد الرحمن الرقي ، قال : حدثنا عمرو بن أبي سلمة ، قال : حدثنا الأوزاعي ، قال : حدثني سابق البربري ، قال : كنت مع مكحول بدانق ، قال : فكتب إلى الحسن يسأله عن الرجل يطلب عدوه ، فلم يبرح حتى جاء كتابه ، فقرأت كتاب الحسن ، إن كان هو الطالب ، نزل ، فصلى على الأرض ، وإن كان هو المطلوب ، صلى على ظهر . قال الأوزاعي : فوجدنا الأمر على غير ذلك . قال شرحبيل بن حسنة لأصحابه لا تصلوا الصبح إلا على ظهر ، فنزل الأشتر ، فصلى على الأرض ، فمر به شرحبيل ، فقال : مخالف خالف الله به ، قال : فخرج الأشتر في الفتنة ، وكان الأوزاعي يأخذ بهذا الحديث في طلب العدو . قال أبو عمر : أكثر العلماء على ما قال الحسن في صلاة الطالب ، والهارب ، وما أعلم أحدا قال بما جاء عن شرحبيل بن حسنة في هذا الحديث ، إلا الأوزاعي وحده ، والله أعلم . والصحيح ما قاله الحسن ، وجماعة الفقهاء ، لأن الطلب تطوع ، والصلاة المكتوبة فرضها أن تصلى بالأرض حيثما أمكن ذلك ، ولا يصليها راكبا ، إلا خائف شديد خوفه ، وليس كذلك حال الطالب ، والله أعلم .