← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#2580 16 : 221 ☰ حديث ثان لصفوان بن سليم مسند
A− A+

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَامِعٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ مُوسَى بْنِ خلف العمي ° ، قال : حدثنا أبي ° ، عن قتادة ° ، عن موسى بن سَلَمَةَ الْهُذْلِيُّ ° ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ° عَنِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ ، وَقَالَ : " هُمَا الْبَحْرَانِ ، فَلا تُبَالِي بِأَيِّهِمَا تَوَضَّأْتَ "

وفي حديث هَذَا الباب من الفقه إباحة ركوب البحر ، لأن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لو كره ركوبه لنهى عنه الذين قالوا : إنا نركب البحر ، وقولهم هَذَا يدل على أن ذَلِكَ كَانَ كثيرا ما يركبونه لطلب الرزق من أنواع التجارة وغيرها ، وللجهاد ، وسائر ما فِيهِ إباحة أو فضيلة . والله أعلم . فلم ينههم عَنْ ركوبه ، وَهَذَا عندي إنما يكون لمن سهل ذَلِكَ عليه ، ولم يشق عليه ، ويصعب بِهِ كالمائد المفرط الميد ، أو من لا يقدر معه على أداء فروض الصَّلاة ونحوها من الفرائض ولا يجوز عند أهل العلم ركوب البحر فِي حين ارتجاجه ولا في الزمن الَّذِي الأغلب منه عدم السلامة فِيهِ ، والعطب ، والهلاك ، وإنما يجوز عندهم ركوبه فِي زمان تكون السلامة فِيهِ الأغلب ، والله أعلم . وفي قول الله عز وجل : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ سورة يونس آية 22 وقوله تعالى : وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ سورة البقرة آية 164 ما فِيهِ كفاية ودلالة واضحة فِي إباحة ركوب البحر ، إِذَا كَانَ كما وصفنا ، وبالله توفيقنا . وأما ما جَاءَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب ، وعمر بْن عَبْد الْعَزِيزِ ، وغيرهما من السلف أنهم كانوا ينهون عَنْ ركوب البحر ، فإنما ذَلِكَ على الاحتياط ، وترك التغرير بالمهج فِي طلب الاستكثار من الدنيا والرغبة فِي المال ، والله أعلم . وَإِذَا جاز ركوب البحر فِي الْجِهَاد ، وطلب المعيشة فركوبه للحج فِي أداء الفرض أجوز لمن قدر على ذَلِكَ ، وسهل عَلَيْهِ . وقد روي عَنِ الشَّافِعِيّ رحمه الله ، أَنَّهُ قَالَ : ما يبين لي أن أوجب الحج علي من وراء البحر ، ولا أدري كيف استطاعته . قال أَبُو عُمَر : قد أجمع العلماء على أن من بينه وبين مكة من اللصوص ، والفتن ما يقطع الطريق ، ويخاف منه فِي الأغلب ذهاب المهجة ، والمال فليس ممن استطاع إليه سبيلا ، فكذلك أهوال البحر والله أعلم . وفي هَذَا الحديث أيضا من الفقه أن المسافر إِذَا لم يكن معه من الماء إلا ما يكفيه لشربه ، وما لا غنى بِهِ عنه لشفته ، أَنَّهُ جائز لَهُ أن يتيمم ويترك ذَلِكَ الماء لنفسه ، حَتَّى يجد الماء ، وأما قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الحل ميتته " يقال : حل وحلال ، وحرم وحرام ، بمعنى واحد ، فإن العلماء اختلفوا فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ مَالِك : يؤكل ما فِي البحر من السمك ، والدواب وسائر ما فِي البحر من الحيوان ، وسواء اصطيد أو وجد ميتا ، طافيا وغير طاف ، قَالَ : وليس شيء من ذَلِكَ يحتاج إِلَى ذكاة ، لقول رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هُوَ الطهور ماؤه الحل ميتته " وكره مَالِك خنزير الماء من جهة اسمه ، ولم يحرمه . وَقَالَ : أنتم تقولون : خنزير . قَالَ ابْن الْقَاسِم : أنا أتقيه حراما . وَقَالَ ابْن أَبِي ليلى : لا بأس بأكل كل شيء يكون فِي البحر ، من الضفدع ، والسرطان ، وحية الماء ، وغير ذَلِكَ ، وَهُوَ قول الثوري فِي رواية الأشجعي . وروى عنه أَبُو إِسْحَاق الفزاري ، أَنَّهُ قَالَ : لا يؤكل من صيد البحر إلا السمك . وَقَالَ أَبُو حنيفة وأصحابه : لا يؤكل السمك الطافي ، ويؤكل ما سواه من السمك ، ولا يؤكل شيء من حيوان البحر إلا السمك . وَقَالَ الأَوْزَاعِيّ : صيد البحر كله حلال . ورواه عَنْ مجاهد ، وكره الْحَسَن بْن حي أكل الطافي من السمك . وَقَالَ اللَّيْث ابْن سَعْد : ليس بميتة البحر بأس ، قَالَ وكذلك كلب الماء . وترس الماء ، قَالَ : ولا يؤكل إنسان الماء ، ولا خنزير الماء . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : ما يعيش فِي الماء فلا بأس بأكله ، وأخذه ذكاته ، ولا بأس بخنزير الماء . قال أَبُو عُمَر : قَالَ الله عز وجل : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ سورة المائدة آية 96 فروي عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب ، وعبد الله بْن عَبَّاس ، وعبد الله بْن عُمَر ، وزيد بْن ثابت ، وأبي هُرَيْرَةَ ، قالوا : طعامه ما ألقى وقذف . وروي عَنِ ابْن عَبَّاس ، أَنَّهُ قَالَ : طعامه ميتته ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ المعنى . وروي عنه ، أَنَّهُ قَالَ : طعامه مليحه . وروي عَنْ أَبِي بَكْر الصديق ، قَالَ : كل دابة فِي البحر فقد ذبحها الله لكم . ذكر عبد الرزاق ، أَخْبَرَنَا معمر ، عَنْ أَيُّوب ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر ، عَنْ مولى لأبي بَكْر ، عَنْ أَبِي بَكْر ، قَالَ : كل دابة فِي البحر قد ذبحها الله لك ، فكلها . قَالَ : وأخبرنا الثوري ، عَنْ عبد الملك بْن أَبِي بشير ، عَنْ عِكْرِمَة ، عَنِ ابْن عَبَّاس ، قَالَ : أشهد على أَبِي بَكْر ، أَنَّهُ قَالَ : السمكة الطافية حلال لمن أراد أكلها . وروي عَنْ علي بْن أَبِي طَالِب ، أَنَّهُ كره الطافي من السمك . وروي عنه ، أَنَّهُ كره أكل الجري من وجه لا يثبت . وروي عنه ، أَنَّهُ لا بأس بأكل ذَلِكَ كله ، وَهُوَ أصح عنه . ذكر عبد الرزاق ، عَنِ الثور ، عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ علي رضي الله عنه ، قَالَ : الجراد والحيتان ذكي كله ، فعلي مختلف عنه فِي أكل الطافي من السمك ولم يختلف عَنْ جابر أَنَّهُ كره أكل الطافي من السمك ، وَهُوَ قول طاوس ، ومحمد بْن سِيرِين ، وجابر بْن زَيْد ، وأبي حنيفة ، وأصحابه ، واحتج لهم من أجاز ذَلِكَ بما .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
شجرة الإسناد