أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ ° ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ° ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ° ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ° ، حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّانُ ° ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ° ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، عَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رَخَصَّ لِلرِّعَاءِ فِي الْبَيْتُوتَةِ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَالْيَوْمَيْنِ الَّذَيْنِ بَعْدَهُ يَجْمَعُونَهَا فِي أَحَدِهِمَا "
قَالَ أَبُو عُمَر : هذا هو الصحيح فِي إسناد هذا الحديث ، وأما ألفاظه فلم يذكر فيه فِي البيتوتة عَنْ منى ، ومعلوم أَنَّهُ إنما رخص لهم فِي البيتوتة عَنْ منى بمكة ، هذا ما لا شك فيه رخص لهم فِي ذلك ، ولمن ولي السقاية من آل العباس ، وفي رواية القطان هذه ما يدل عَلَى أن الرعاء رخص لهم فِي جمع رمي اليومين فِي اليوم الواحد ، قدموا ذلك أو أخروه . ومالك لا يرى لهم التقديم ، إنما يرى لهم تأخير رمي اليوم الثاني إلى الثالث ، ثم يرمون فِي الثالث ليومين ؛ لأنه لا يقضي عنده شيء من ذلك حتى يجب . وغيره يَقُولُ : لا بأس بذلك كله ؛ لأنها رخصة رخص لهم فيها كما رخص لمن نفر ، وتعجل فِي يومين ، وعند مالك : أن الرعاء إذا رموا فِي اليوم الثالث ، وهو الثاني من أيام التشريق لذلك اليوم ، ولليوم الذي قبله ، نفروا إن شاءوا فِي بقية ذلك اليوم ، فإن لم ينفروا ، وبقوا إلى الليل لم ينفروا اليوم الثالث من أيام التشريق حتى يرموا فِي وقت الرمي بعد الزوال ، وإنما لم يجز مالك للرعاء تقديم الرمي ؛ لأن غير الرعاء لا يجوز لهم أن يرموا فِي أيام التشريق شيئا من الجمار قبل الزوال ، ومن رماها قبل الزوال أعادها ، فكذلك الرعاء ليس لهم التقديم ، وإنما رخص لهم فِي تأخير رمي اليوم الثاني إلى الثالث ، فقف عَلَى ذلك . قَالَ أَبُو عُمَر : لم يقل القطان فِي حديثه هذا عَنْ مَالِكٍ ، ثم يرمون يوم النفر ، وهو فِي الموطأ ، وأجمع العلماء عَلَى أن أيام التشريق كلها أيام رمي ، وهي الثلاثة الأيام بعد يوم النحر ، وأجمعوا أن يوم النحر لا يرمى فيه غير جمرة العقبة قبل الزوال ، ووقتها من طلوع الشمس إلى الزوال ، وكذلك أجمعوا أن وقت رمي الجمرات فِي أيام التشريق الثلاثة التي هي أيام منى بعد يوم النحر وقت الرمي فيما بعد زوال الشمس إلى غروب الشمس ، واختلفوا فِي حكم من ترك الرمي فِي اليوم الثاني من أيام التشريق ، فَقَالَ مالك : من نسي رمي الجمار حتى يمسي ، فليرم أية ساعة ذكر من ليل أو نهار كما يصلي أية ساعة ذكر غير أَنَّهُ إذا مضت أيام منى ، فلا رمي ، فإن ذكر بعد أن يصدر ، وهو بمكة ، أو بعد ما يخرج منها ، فعَلَيْهِ الهدي . قَالَ ابن وهب : فقلت لمالك : أفرأيت الذي ينسى أو يجهل فِي غير يوم النحر فِي أيام منى ، فلا يرمي حتى الليل ؟ قَالَ : يرمي ساعتئذ ، ويهدي أحب إلي ، وهو أخف عندي من الذي يفوته الرمي يوم النحر حتى يمسي . وَقَالَ أَبُو حنيفة : إذا ترك رمي الجمار كلها يومه إلى الليل ، وهو فِي أيام الرمي رماها بالليل ، ولا شيء عَلَيْهِ ، وإن ترك الرمي حتى ينشق الفجر رمى ، وعَلَيْهِ دم . قَالَ : وإن ترك من جمرة العقبة يوم النحر ثلاث حصيات إلى الغد رماهن ، وعَلَيْهِ صدقة نصف صاع لكل حصاة ، وإن ترك أربع حصيات ، فما فوقهن كَانَ عَلَيْهِ دم ، ورماهن إذا لم يرم حتى طلع الفجر من الغد . وَقَالَ أَبُو يُوسُف ، وَمُحَمَّد : يرمي ما ترك من الغد ، ولا شيء عَلَيْهِ . وَقَالَ الشافعي : أيام منى أيام للرمي ، فمن أخر ونسي شيئا قضى فِي أيام منى ، فإن مضت أيام منى ، ولم يرم أهراق لذلك دما إن كَانَ الذي ترك ثلاث حصيات ، وإن كَانَ أقل ، ففي كل حصاة مد يتصدق به ، وهو قول أَبِي ثَوْر . قَالَ أَبُو عُمَر : أجمع العلماء عَلَى أن من فاته رمي ما أمر برميه من الجمار فِي أيام التشريق حتى غابت الشمس من آخرها ، وذلك اليوم الرابع من يوم النحر ، وهو الثالث من أيام التشريق ، فقد فاته وقت الرمي ، ولا سبيل لَهُ إلي الرمي أبدا ، ولكن يجبره بالدم ، أو بالطعام عَلَى حسب ما للعلماء فِي ذلك من الأقاويل ، فمن ذلك أن مالكا قَالَ : لو ترك الجمار كلها ، أو ترك جمرة منها ، أو ترك حصاة من جمرة حتى خرجت أيام منى ، فعَلَيْهِ دم . وَقَالَ أَبُو حنيفة : إن ترك الجمار كلها كَانَ عَلَيْهِ دم ، وإن ترك جمرة واحدة كَانَ عَلَيْهِ لكل حصاة من الجمرة إطعام مسكين نصف صاع حنطة إلى أن يبلغ دما ، فيطعم ما شاء إلا جمرة العقبة ، فمن تركها ، فعَلَيْهِ دم . وكذلك قَالَ الأوزاعي ، إلا أَنَّهُ قَالَ : إن ترك حصاة تصدق بشيء ، وَقَالَ الثوري : يطعم فِي الحصاة ، والحصاتين ، والثلاث ، فإن ترك أربعا ، فصاعدا فعَلَيْهِ دم . وَقَالَ الليث : عَلَيْهِ فِي الحصاة الواحدة دم . وَقَالَ الشافعي : فِي الحصاة الواحدة مد من طعام ، وفي حصاتين مدان ، وفي ثلاث حصيات دم . ولقول آخر مثل قول الليث ، والأول أشهر عنه . قَالَ أَبُو عُمَر : وقد ذكرنا الرتبة فِي أوقات رمي الجمرات ، وذلك لمن لم يرخص لَهُ من سائر الحاج كلهم ، ورخص لرعاء الإبل ، ولأهل سقاية العباس فِي المبيت بمكة عَنْ منى ، وكذلك رخص لهم فِي جمع رمي يومين فِي يوم واحد عَلَى ما جاء فِي الآثار المذكورة فِي هذا الباب .