وَاحْتَجُّوا مِنَ الأَثَرِ بِحَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ° ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ° ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ° ، عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " أَلا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا ، وَيَحْيَى مُؤْمِنًا ، وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا ، وَيَحْيَى كَافِرًا ، وَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا ، وَيَحْيَى مُؤْمِنًا ، وَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا ، وَيَحْيَى كَافِرًا ، وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا "
وقد مضى القول فِي إسناد هَذَا الحديث فيما تقدم من هَذَا الباب ، والفطرة عِنْدَ هؤلاء ما قضاه اللَّه وقدره لعباده من أول أحوالهم إِلَى آخرها ، كل ذَلِكَ عندهم فطرة ، وسواء كَانَت عندهم حالا واحدة لا تنتقل ، أو حالا بعد حال ، كقوله عَزَّ وَجَلَّ : لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ سورة الانشقاق آية 19 ، أي : حالا بعد حال ، على ما سبق لهم فِي علم اللَّه ، وَهَذَا القول وإن كَانَ صحيحا فِي الأصل ، فإنه أضعف الأقاويل من جهة اللغة فِي معنى الفطرة ، والله أعلم . فهذا ما انتهى إلينا عَنِ العلماء أهل الفقه والأثر ، وهم الجماعة فِي تأويل حديث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كل مولود يولد على الفطرة " . وأما أهل البدع فمنكرون لكل ما قاله العلماء فِي تأويل قول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ سورة الأعراف آية 172 الآية ، قَالُوا : ما أخذ اللَّه من آدَم ولا من ذريته ميثاقا قط قبل خلقه إياهم وما خلقهم قط إلا فِي بطون أمهاتهم ، وما استخرج قط من ظهر آدَم من ذرية تخاطب ، ولو كَانَ ذَلِكَ لأحياهم ثلاث مرات ، والقرآن قد نطق على أهل النار ، بأنهم قَالُوا ما لم يرده عَزَّ وَجَلَّ عليهم من قولهم : رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ سورة غافر آية 11 ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ تصديقا لذلك : وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا سورة البقرة آية 28 ، يعني فِي حال عدم غير وجود ، فأحياكم ، يريد بخلقه إياكم ، ثُمَّ يميتكم ، ثُمَّ يحييكم ، فجعل الحياة مرتين ، والموت مرتين ، قَالُوا : وكيف يخاطب اللَّه من لا يعقل ؟ وكيف يجيب من لا عقل لَهُ ؟ وكيف يحتج عليهم بميثاق لا يذكرونه ، وهم لا يؤاخذون بما نسوا ، ولا نجد أحدا يذكر أن ذَلِكَ عرض لَهُ ، أو كَانَ مِنْهُ ، قَالُوا : وإنما أراد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بقوله : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ سورة الأعراف آية 172 الآية ، إخراجه إياهم فِي الدنيا ، وخلقه لهم ، وإقامة الحجة عليهم ، بأن فطرهم ، وبناهم فطرة إذا بلغوا وعقلوا ، علموا أن اللَّه ربهم وخالقهم ، وَقَالَ بعضهم : أخرج الذرية قرنا بعد قرن ، وعصرا بعد عصر ، واشهدهم على أنفسهم بما جعل فِي عقولهم مما تنازعهم بِهِ أنفسهم إِلَى الإقرار بالربوبية ، حَتَّى صاروا بمنزلة من قيل لهم : ألست بربكم ؟ قَالُوا : بلى . وَقَالَ بعضهم : قَالَ لهم : ألست بربكم على لسان بعض أنبيائه ؟ وكلهم يَقُول : إن الحديث المأثور ليس بتأويل للأمة ، ثُمَّ اختلف القائلون بهذا كله فِي المعرفة ، هل تقع ضرورة ، أو اكتسابا ، وليس هَذَا موضع ذكر ذَلِكَ ، والحمد لله . وأما اختلاف العلماء فِي الأطفال ، فقالت طائفة : أولاد الناس كلهم ، الْمُؤْمِنِين منهم والكافرين ، إذا ماتوا أطفالا صغارا ، لم يبلغوا فِي مشيئة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يصيرهم إِلَى ما شاء من رحمة ، أو عذاب . وذلك كله عدل مِنْهُ ، وهو أعلم بما كانوا عاملين . وَقَالَ آخرون : وهم الأكثر أطفال المسلمين فِي الجنة ، وأطفال الكفار فِي المشيئة . وَقَالَ آخرون : حكم الأطفال كلهم كحكم آبائهم فِي الدنيا والآخرة ، هم مؤمنون بإيمان آبائهم ، وكافرون بكفر آبائهم ، فأطفال المسلمين فِي الجنة ، وأطفال الكفار فِي النار . وَقَالَ آخرون : أولاد المسلمين وأولاد الكفار إذا ماتوا صغارا جميعا فِي الجنة . وَقَالَ آخرون : أولاد المشركين خدم أهل الجنة . وَقَالَ آخرون : يمتحنون فِي الآخرة . وروت كل طائفة فيما ذهبت إليه من ذَلِكَ آثارا وقفت عندها ، ودانت بها لصحتها لديها ، ونحن نذكر منها ما حضرنا ذكره ، بعون ربنا لا شريك لَهُ ، وبالله التوفيق .