قَالَ إِسْحَاقُ : وَأَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ° ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، " أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ كَافِرًا ، وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ " . قَالَ إِسْحَاق : فلو ترك النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلامُ الناس ، ولم يبين لهم حكم الأطفال لم يعرفوا الْمُؤْمِنِين منهم من الكافرين ، لأنهم لا يدرون ما جبل كل واحد منهم عَلَيْهِ ، حين أخرج من ظهر آدَم ، فبين لهم النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حكم الطفل فِي الدنيا ، فَقَالَ : " أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه " ، يَقُول : أنتم لا تعرفون ما طبع عَلَيْهِ فِي الفطرة الأولى ، ولكن حكم الطفل فِي الدنيا حكم أبويه ، فاعرفوا ذَلِكَ بالأبوين ، فمن كَانَ صغيرا بين أبوين كافرين ألحق بحكمهما ، ومن كَانَ صغيرا بين أبوين مسلمين ألحق بحكمهما ، وأما إيمان ذَلِكَ وكفره مما يصير إليه ، فعلم ذَلِكَ إِلَى اللَّه ، ويعلم ذَلِكَ فضل الخضر مُوسَى إذ أطلعه اللَّه عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الغلام ، وخصه بذلك العلم
قَالَ أَبُو عُمَر : ما بين رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأحد من أمته حكم الأطفال ، الذين يموتون صغارا بيانا يقطع حجة العذر ، بل اختلفت الآثار عنه فِي ذَلِكَ ، بما سنورده بعد هَذَا إن شاء اللَّه . واحتج إِسْحَاق أيضا بحديث عَائِشَة حين مات صبي من الأنصار بين أبوين مسلمين ، فقالت عَائِشَة : طوبى لَهُ عصفور من عصافير الجنة ، فرد عليها النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلامُ ، فَقَالَ : " مه يَا عَائِشَة ، وما يدريك إن اللَّه خلق الجنة وخلق لها أهلها ، وخلق النار وخلق لها أهلها " . قَالَ إِسْحَاق : فهذا الأصل الَّذِي يعتمد عَلَيْهِ أهل العلم . قَالَ أَبُو عُمَر : أما قول إِسْحَاق ومن قَالَ بقوله فِي تأويل الحديث فِي الفطرة التي يولد عليها بنو آدَم ، إنها المعرفة والإنكار ، والكفر والإيمان ، فإنه لا يخلو من أن يكونوا أرادوا بقولهم ذَلِكَ ، أن اللَّه خلق الأطفال ، وأخرجهم من بطون أمهاتهم ليعرف منهم العارف ، ويعترف فيؤمن ، ولينكر منهم المنكر ما يعرف فيكفر ، وذلك كله قد سبق بِهِ لهم قضاء اللَّه ، وتقدم فِيهِ علمه ، ثُمَّ يصيرون إليه فِي حين تصح منهم المعرفة والإيمان ، والكفر والجحود ، وذلك عِنْدَ التمييز والإدراك ، فذلك ما قلنا ، أو يكونوا أرادوا بقولهم ذَلِكَ : أن الطفل يولد عارفا مقرا مؤمنا ، أو عارفا جاحدا منكرا كافرا فِي حين ولادته ، فهذا ما يكذبه العيان والعقل ، ولا علم أصح من ذَلِكَ ، لأنها شواهد الأصول ودلائل العقول ، وليس فِي قوله عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ سورة الأعراف آية 172 . الآية دليل يشهد لهم بما ادعوه من ذَلِكَ ، ولا فِيهِ رد لما قلنا ، وإنما فِيهِ : أن الخلق يحشرون ويصيرون إِلَى ما سبق لهم فِي علمه ، وَهَذَا ما لا يختلف أهل الحق فِيهِ ، ومعنى الآية والحديث أنه أخرج ذرية آدَم من ظهره ، كيف شاء ذَلِكَ وألهمهم أنه ربهم ، فقالوا : بلى ، لئلا يقولوا يَوْم الْقِيَامَة : إنا كنا عَنْ هَذَا غافلين ، ثُمَّ تابعهم بحجة العقل عند التمييز ، وبالرسل بعد ذَلِكَ ، استظهارا بما فِي عقولهم من المنازعة إِلَى خالق مدبر حكيم ، يدبرهم بما لا يتهيأ لهم ، ولا يمكنهم جحده ، وَهَذَا إجماع أهل السنة ، والحمد لله . وإنما اختلفوا فيمن مات وهو طفل لم يدرك من أولاد الْمُؤْمِنِين والكافرين ، على ما نوضحه بعد الفراغ من القول فِي الفطرة التي يولد المولود عليها ، واختلاف أهل العلم فِي معناها إن شاء اللَّه . وأما الغلام الَّذِي قتله الخضر ، فأبواه مؤمنان لا شك فِي ذَلِكَ ، فإن كَانَ طفلا ولم يكن كما قَالَ بعض أهل العلم : رجلا قاطعا للسبيل ، فمعلوم أن شريعتنا وردت بأن كل أبوين مؤمنين لا يحكم لطفلهما الصغير بحال الكفر ، ولا يحل قتله بإجماع ، وكفى بهذا حجة فِي تخصيص غلام الخضر ، وقد أجمع المسلمون من أهل السنة وغيرهم ، إلا المجبرة أن أولاد الْمُؤْمِنِين فِي الجنة ، فكيف يجوز الاحتجاج بقصة الغلام الَّذِي قتله الخضر ، اليوم فِي هَذَا الباب . وأما حديث عَائِشَة الَّذِي احتج بِهِ إِسْحَاق ، فإنه حديث ضعيف انفرد بِهِ طَلْحَة بْن يَحْيَى ، فأنكروه عَلَيْهِ وضعفوه من أجله ، وقد بينت ذَلِكَ فِي باب ابْن شِهَاب ، عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب ، وقول إِسْحَاق فِي هَذَا الباب لا يرضاه الحذاق الفقهة من أهل السنة ، وإنما هو قول المجبرة ، وفيما مضى كفاية ، والحمد لله . وَقَالَ آخرون : معنى الفطرة المذكورة فِي المولودين ، ما أخذ اللَّه من ذرية آدَم من الميثاق ، قبل أن يخرجوا إِلَى الدنيا يَوْم استخرج ذرية آدَم من ظهره ، فخاطبهم : ألست بربكم ؟ قَالُوا : بلى ، فأقروا جميعا لَهُ بالربوبية عَنْ معرفة منهم بِهِ ، ثُمَّ أخرجهم من أصلاب آبائهم مخلوقين مطبوعين على تلك المعرفة ، وذلك الإقرار ، قَالُوا : وليست تلك المعرفة بإيمان ولا ذَلِكَ الإقرار بإيمان ، ولكنه إقرار من الطبيعة للرب ، فطرة ألزمها قلوبهم ، ثُمَّ أرسل إليهم الرسل ، فدعوهم إِلَى الاعتراف لَهُ بالربوبية والخضوع ، تصديقا بما جاءت بِهِ الرسل ، فمنهم من أنكر وجحد بعد المعرفة ، وهو بِهِ عارف ، لأنه لم يكن اللَّه ليدعو خلقه إِلَى الإيمان بِهِ ، وهو لم يعرفهم نفسه ، إذ كَانَ يكون حينئذ قد كلفهم الإيمان بما لا يعرفون ، قَالُوا : وتصديق ذَلِكَ قوله عَزَّ وَجَلَّ : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ سورة الزخرف آية 87 ، وذكروا ما ذكره السدي ، عَنْ أصحابه ، وعن أَبِي صَالِح ، عَنِ ابْن عَبَّاس ، وعن مرة ، عَنِ ابْن مَسْعُود ، على حسبما ذكرناه قبل هَذَا فِي قول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ سورة الأعراف آية 172 الآية . وذكروا أيضا ما حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيم بْن شاكر ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بْن عُثْمَان ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عُثْمَان ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْد اللَّهِ بْن صَالِح ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر الرازي ، عَنِ الرَّبِيع بْن أَنَس ، عَنْ أَبِي العالية ، عَنْ أبي بن كعب ، فِي قول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ سورة الأعراف آية 172 . إلى قوله : أفتهلكنا بما فعل المبطلون قَالَ : جمعهم جميعا ، فجعلهم أرواحا ، ثُمَّ صورهم ، ثُمَّ استنطقهم ، فَقَالَ : ألست بربكم . قَالُوا : بلى ، شهدنا أن تقولوا يَوْم الْقِيَامَة : لم نعلم هَذَا ، قَالُوا : نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك . قَالَ : فإني أرسل إليكم رسلي ، وأنزل عليكم كتبي ، فلا تكذبوا رسلي ، وصدقوا بوعدي ، وإني سأنتقم ممن أشرك بي ولم يؤمن بي . قَالَ : فأخذ عهدهم وميثاقهم ، ورفع أباهم آدَم ، فنظر إليهم ، فرأى منهم الغني والفقير ، وحسن الصورة وغير ذَلِكَ ، فَقَالَ : يَا رب ، لو سويت بين عبادك ، قَالَ : أحببت أن أشكر ، قَالَ : والأنبياء يومئذ بينهم مثل السرج . قَالَ : وخصوا بميثاق آخر للرسالة أن يبلغوها ، قَالَ : فهو قوله : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ سورة الأحزاب آية 7 ، قَالَ : وهي فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا سورة الروم آية 30 وذلك قوله : وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ سورة الأعراف آية 102 ، وذلك قوله : فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ سورة الأعراف آية 101 ، قَالَ : فكان فِي علم اللَّه من يكذب بِهِ ومن يصدق . قَالَ : وكان روح عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ من تلك الأرواح التي أخذ عهدها ، وميثاقها فِي زمن آدَم ، وذكر تمام الحديث . وسئل حَمَّاد بْن سَلَمَة ، عَنْ قول النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كل مولود يولد على الفطرة " . فَقَالَ : هَذَا عندنا حيث أخذ العهد عليهم فِي أصلاب آبائهم . قَالَ أَبُو عُمَر : القول فيما تقدم قبل هَذَا يغني عَنِ القول هاهنا ، وقد قَالَ هؤلاء : ليست تلك المعرفة بإيمان ، ولا ذَلِكَ الإقرار بإيمان ، ولكنه إقرار من الطبيعة للرب ، فطرة ألزمها قلوبهم ، فكفونا بهذه المقالة أنفسهم ، وَقَالَ آخرون : الفطرة : ما يقلب اللَّه قلوب الخلق إليه مما يريد ويشاء ، فقد يكفر العبد ، ثُمَّ يؤمن فيموت مؤمنا ، وقد يؤمن ، ثُمَّ يكفر ، فيموت كافرا ، وقد يكفر ، ثُمَّ لا يزال على كفره ، حَتَّى يموت عَلَيْهِ ، وقد يكون مؤمنا حَتَّى يموت على الإيمان ، وذلك كله تقدير اللَّه وفطرته لهم .