فَأَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَرَوَانَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَارُودِ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَنْ شُعْبَةَ ° ، عَنْ سَيَّارٍ ° ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ° ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ° ، عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " لا تَبَايَعُوا بِإِلْقَاءِ الْحَصَى ، وَلا تَنَاجَشُوا ، وَلا تَبَايَعُوا بِالْمُلامَسَةِ ، وَمَنِ اشْتَرَى مِنْكُمْ مُحَفَّلَةً ، فَكَرِهَهَا فَلْيَرُدَّهَا ، وَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ "
وأما أقاويل الفقهاء فِي هَذَا الباب ، فَقَالَ أَبُو حنيفة وأصحابه : المحفلة عندنا وغيرها سواء ، ومن اشترى عنده وعند أصحابه شاة مصراة ، فحلب لبنها لم يردها بعيب ، ولكنه يرجع بنقصان العيب ، وقالوا : هَذَا الحديث فِي المصراة منسوخ ، واختلفوا فيما نسخه ، فمنهم من قَالَ : نسخه ، وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ سورة النحل آية 126 ، وأنه لا يجب فيمن استهلك شيئا لأحد غيره ، إلا مثله أو قيمته ، ومنهم من قَالَ : نسخه الخراج بالضمان والكالئ بالكالئ ، لأن لبن المصراة دين فِي ذمة المشتري ، وإذا ألزمناه فِي ذمته صاعا من تمر كَانَ الطعام بالطعام نسيئة ، ودينا بدين ، وَهَذَا كله منسوخ بما ذكرنا ، وأكثروا من التشغيب فِي ذَلِكَ بعد إجماعهم ، على أنه منسوخ كما نسخت العقوبات فِي الغرامات ، بأكثر من المثل فِي مانع الزكاة ، أنها تؤخذ مِنْهُ مع شطر ماله ، وفي سارق التمر الجرين غرامة مثليه ، وجلدات نكال ونحو ذَلِكَ ، وَقَالَ ابْن أَبِي ليلى ، وَمَالِك ، والشافعي ، والثوري : هو بخير النظرين إذا احتلبها ووجد حلابها ، بخلاف ما ظهر ، فإن ردها رد معها صاعا من تمر ، ولا يرد اللبن الَّذِي حلب ، وإن كَانَ قائما بعينيه . قَالَ مَالِك ، وأرى لأهل كل بلد أن يعطوا الصاع من عيشهم حنطة ، أو غيرها ، قَالُوا : وإنما تستبين المصراة ويعلم بأنها مصراة ، إذا حلبها المشتري مرتين أو ثلاثا فنقص اللبن فِي كل مرة عما كَانَ عَلَيْهِ فِي الأولى . وَقَالَ مَالِك : إنما يختبر بالحلاب الثاني ، فإذا حلب ما يعلم أنه قد اختبرها بِهِ فهو رضى ، وَقَالَ : روي عَنْ زَيْد بْن الهذيل فِي نوادر تنسب إليه فيمن اشترى شاة مصراة ، قَالَ : هو بالخيار ثلاثا ليحلبها ، فإن شاء ردها ، ورد معها صاعا من تمر ، أو نصف صاع من بر ، قَالَ : وإن اشتراها وليست بمحفلة فاحتلبها ، فليس لَهُ أن يردها ، ولكنه يرجع بنقصان العيب ، لأنا اتبعنا الأثر فِي المحفلة ، فإن حدث فِي المحفلة عيب ، فإنه يرد النقصان إلا أن يرضى البائع أن يأخذها كما هي . قَالَ أَبُو عُمَر : تلخيص اختلاف الفقهاء فِي هَذَا الباب أن نقول : قَالَ مَالِك : من اشترى مصراة فاحتلبها ثلاثا ، فإن رضيها أمسكها ، وإن سخطها لاختلاف لبنها ردها ، ورد معها صاعا من قوت ذَلِكَ البلد ، تمرا كَانَ ، أو برا ، أو غير ذَلِكَ . وبه قَالَ الطبري ، وَقَالَ عِيسَى بْن دينار فِي مذهب مَالِك : لو علم مشتري المصراة أنها مصراة بإقرار البائع فردها قبل أن يحلبها ، لم يكن عَلَيْهِ غرم ، لأنه لم يحلب اللبن الَّذِي من أجله يلزم غرم الصاع . قَالَ أَبُو عُمَر : هَذَا ما لا خلاف فِيهِ ، قَالَ : عِيسَى ولو حلبها مرة ، ثُمَّ حلبها ثانية ، فنقص لبنها ردها ، ورد معها صاعا من تمر الحلبة الأولى ، ولو جاء باللبن بعينه الَّذِي حلبه ، لم يقبل مِنْهُ ، ولزمه غرم الصاع ولو لم يردها للحلبة الثانية ، وظن أن نقص لبنها كَانَ من استنكار الموضع ، فحلبها ثالثة ، فتبين لَهُ صرها ، فأراد ردها ، فإنه يحلف بالله ما كَانَ ذَلِكَ ممن رضي ، ويرد معها الصاع الَّذِي أمر بِهِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . واختلف المتأخرون من أصحاب مَالِك على القولين اللذين قدمنا ذكرهما فِي مشتري عدد من الغنم ، فوجدها كلها مصراة ، فبعضهم قَالَ : يرد عَنْ كل واحدة صاعا من تمر . وَقَالَ بعضهم : بل يرد عَنْ جميعها صاعا واحدا من تمر تعبدا ، لأنه ليس بثمن اللبن ولا قيمته . وَقَالَ الشافعي فِي المصراة : يردها ويرد معها صاعا من تمر ، لا يرد غير التمر . وكذلك قَالَ ابْن أَبِي ليلى ، والليث بْن سَعْد ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو عُبَيْد ، وأبو ثَوْر ، ويجيء على أصولهم ، أن التمر إذا عدم وجب رد قيمته . وقد روي عَنِ ابْن أَبِي ليلى ، وأبي يوسف ، أنهما قَالا : يعطي معهما قيمة اللبن . وَقَالَ زفر : يردها ويرد معها صاعا من تمر ، أو نصف صاع من بر . وَقَالَ أَبُو حنيفة : إذا حلبها لم يردها ، وإنما يرجع بنقصان العيب . قَالَ أَبُو عمر : سواء كَانَ اللبن المحلوب من المصراة حاضرا أو غائبا لا يرد اللبن ، وإنما يرد البدل المذكور فِي هَذَا الحديث ، لأنه قد أمر برد الصاع لا اللبن ، فلو رد اللبن كَانَ قد فعل غير ما أمر بِهِ ، وهو نص لا يجوز خلافه إِلَى القياس ، ومعلوم أنه لا يستبين أنها مصراة إلا بالحلبة الثانية ، وإذا كَانَ ذَلِكَ كذلك علم أن لبن الحلبة الأولى قد فات أو تغير ، فلو ألزموا المبتاع مثله خالفوا ظاهر الخبر إِلَى القياس وذلك غير جائز . وأما أصحابنا فيزعمون أنه لو رد اللبن دخله بيع الطعام قبل أن يستوفى ، لأنه كأنه قد وجب لَهُ الصاع تمرا ، فأخذ فِيهِ اللبن وباعه قبل أن يستوفيه ، ويدخل عليهم مثل ذَلِكَ فِي قولهم : يعطي بدل التمر صاعا من قوته وعيشه ، وبالله التوفيق . قَالَ أَبُو عُمَر : جعل العراقيون والشافعي حديث المصراة من رواية ابْن سيرين ، ومحمد بْن زياد ، ومن تابعهما ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصلا فِي الخيار ، أنه لا يكون أكثر من ثلاثة أيام ، وذهب مَالِك إِلَى أن الخيار لا حد فِيهِ ، وإنما هو على ما شرطه المتبايعان مما يليق ، ويعرف من مدة اختيار مثل تلك السلعة ، وحجته فِي ذَلِكَ عموم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إلا بيع الخيار " . وقد مضى القول فِي الخيار ممهدا فِي باب نَافِع ، والحمد لله رب العالمين .