قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ° ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي غَالِبٍ ° حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَدْرٍ الْبَاهِلِيُّ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا رِزْقُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ الْيَشْكُرِيُّ ° ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ° ، عَنِ الأَعْرَجِ ° ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ° ، عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " إِذَا أَحَدُكُمْ تَوَضَّأَ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ثُمَّ يَسْتَنْثِرْ "
قَالَ أَبُو عُمَر : فِي هَذَا الحديث الأمر بالاستنثار بالماء عِنْدَ الوضوء ، وذلك دفع الماء بريح الأنف بعد الاستنشاق ، والاستنشاق أخذ الماء بريح الأنف من الكف ، والاستنثار دفعه ، ومحال أن يدفعه من لم يأخذه ، ففي الأمر بالاستنثار أمر بالاستنشاق فافهم ، وعلى ما وصفت لك فِي الاستنشاق والاستنثار جمهور العلماء ، وأصل هَذِهِ اللفظة فِي اللغة : القذف ، يقال : نثر ، واستنثر بمعنى واحد ، وذلك إذا قذف من أنفه ما استنشق مثل الامتخاط ، ويقال : الجراد نثرة حوت ، أي : قذف بِهِ من أنفه ، وقد رَوَى ابْن الْقَاسِم ، وابن وَهْب ، عَنْ مَالِك ، قَالَ : الاستنثار أن يجعل يده على أنفه ويستنثر ، قيل لمالك : أيستنثر من غير أن يضع يده على أنفه ؟ فأنكر ذَلِكَ ، وَقَالَ : إنما يفعل ذَلِكَ الحمار . وسئل مَالِك عَنِ المضمضة والاستنثار مرة أم مرتين أم ثلاثا ؟ فَقَالَ : ما أبالي أي ذَلِكَ فعلت ، وكل ذَلِكَ جائز عِنْدَ مَالِك وجميع أصحابه ، أن يتمضمض ويستنثر من غرفة واحدة . قَالَ أَبُو عُمَر : أما لفظ الاستنشاق ، فلا يكاد يوجد الأمر بِهِ إلا فِي رواية همام ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وفي حديث أَبِي رزين العقيلي ، واسمه لقيط بْن صبرة ، ويوجد أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تمضمض واستنشق من حديث عُثْمَان ، وعلي ، وعائشة ، وغيرهم من وجوه . وأما لفظ الاستنثار ، فمحفوظ الأمر بِهِ من حديث ابْن عَبَّاس ، ومن طريق أَبِي هُرَيْرَةَ من رواية أَبِي إدريس الخولاني ، والأعرج ، وعيسى بْن طَلْحَة ، وغيرهم ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وقد ذكرنا خبر أَبِي إدريس الخولاني فِي باب ابْن شِهَاب من كتابنا هَذَا ، وذكرنا هناك الحكم فِي الاستجمار ، وما للعلماء فِي ذَلِكَ من الوجوه والاختيار ، وذكرنا أقوالهم فِي الاستنثار فِي باب زَيْد بْن أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاء بْن يسار ، عَنِ الصنابحي من كتابنا هَذَا ، ونزيد القول هاهنا بيانا فِي ذَلِكَ إن شاء اللَّه .