حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ° ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ° ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحٌ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ° ، عَنْ قَتَادَةَ ° ، عَنِ الْحَسَنِ ° ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ° ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " لا أَرْكَبُ الأُرْجُوَانَ ، وَلا أَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ ، وَلا أَلْبَسُ الْقَمِيصَ الْمُكَفَّفَ بِالْحَرِيرِ " ، قَالَ : وَأَوْمَأَ الْحَسَنُ إِلَى جَيْبِ قَمِيصِهِ
وَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلا وَطِيبُ الرِّجَالِ رِيحٌ لا لَوْنَ لَهُ ، أَلا وَطِيبُ النِّسَاءِ لَوْنٌ لا رِيحَ لَهُ " قَالَ سعيد : أراه ، قَالَ إنما حملوا قوله في طيب النساء على أنها إذا أرادت أن تخرج فأما إذا كانت ثم زوجها فلتطيب بما شاءت . قَالَ أبو عمر : احتج بحديث عمران بن حصين ، هذا من كره الخلوق للرجال لأن لونه ظاهر ، فهذا ما بلغنا في الخلوق للرجال من الآثار المرفوعة ، وقد ذكرنا مذاهب الفقهاء في ذلك ، وأما المعصفر المقدم المشبع وغيره ، فسيأتي ذكره وما للعلماء فيه من الرواية والمذاهب في باب نافع من هذا الكتاب إن شاء الله عند نهيه صلى الله عليه وسلم عن تختم الذهب ، ولبس القسي ، ولبس المعصفر ، وقراءة القرآن في الركوع ، وفي هذا الحديث دليل على أن من فعل ما يجوز له فعله دون أن يشاور السلطان خليفة كان أو غيره ، فلا حرج ولا تثريب عليه ، ألا ترى أن عبد الرحمن بن عوف تزوج ولم يشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أعلمه بذلك ، ولم يكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه إنكار ولا عتاب ، وكان على خلق عظيم من الحلم والتجاوز صلى الله عليه وسلم . وأما قوله حين أخبره أنه تزوج : " كم سقت إليها " . قَالَ : زنة نواة من ذهب . فالنواة فيما قَالَ أهل العلم : اسم لحد من الأوزان ، وهو خمسة دراهم ، كما أن الأوقية أربعون درهما ، والنش عشرون درهما ولا أعلم في شيء من ذلك كله خلافا إلا في النواة ، فالأكثر أنها خمسة دراهم ، وقَالَ أحمد بن حنبل : وزن النواة ثلاثة دراهم وثلث ، وقَالَ إسحاق : بل وزنها خمسة دراهم ، وقد قيل : أن النواة المذكورة في هذا الحديث نواة التمرة ، وأراد وزنها ، وهذا عندي لا وجه له لأن وزنها مجهول . وأجمعوا أن الصداق لا يكون إلا معلوما لأنه من باب المعاوضات ، وقَالَ بعض المالكيين : وزنة النواة بالمدينة ربع دينار . واحتج بحديث يروى عن الحجاج بن أرطأة ، عن قتادة ، عن أنس أن عبد الرحمن بن عوف تزوج امرأة من الأنصار وأصدقها زنة نواة من ذهب ، قومت ثلاثة دراهم وربعا " . وهذا حديث لا تقوم به حجة لضعف إسناده . وأجمع العلماء على أنه لا تحديد في أكثر الصداق ، لقول الله تعالى : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا سورة النساء آية 20 ، واختلفوا في أقل الصداق ، فقَالَ مالك : لا يكون الصداق أقل من ربع دينار ذهبا أو ثلاثة دراهم كيلا . واعتل بعض أصحابنا لذلك بأنها أقل ما بلغه في الصداق ، فلم يتعده ، وجعله حدا إذا لم يكن فيه بد من الحد ، لأنه لو ترك الناس وقليل الصداق كما تركوا وكثيره لكان الفلس والدانق ثمنا للبضع ، وهذا لا يصلح لأنه لا يسمى طولا ولا يشبه الطول ، قَالَ الله عز وجل : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ سورة النساء آية 25 الآية ، ولو كان الطول فلسا ونحوه لكان كل أحد مستطيعا له ، وفي الآية دليل على منع استباحة الفروج باليسير ، ثم جاء حديث عبد الرحمن بن عوف في وزن النواة ، فجعله حدا لا يتجاوز لما يعضده من القياس ، لأن الفروج لا تستباح بغير بدل ، ولم يكن بد من الصداق المقدر ، كالنفس التي لا تستباح بغير بدل فقدرت ديتها وكان أشبه الأشياء بذلك : قطع اليد ، لأن البضع عضو ، واليد عضو يستباح بمقدر من المال ، وذلك ربع دينار فرد مالك البضع قياسا على اليد ، وقَالَ : لا يجوز صداق أقل من ربع دينار ، لأن اليد لا تقطع عنده من السارق في أقل من ربع دينار . قَالَ أبو عمر : قد تقدمه إلى هذا أبو حنيفة ، فقاس الصداق على قطع اليد ، واليد عنده لا تقطع إلا في دينار ذهبا أو عشرة دراهم كيلا ولا صداق عنده أقل من ذلك ، وعلى ذلك جماعة أصحابه وأهل مذهبه ، وهو قول أكثر أهل بلده في قطع اليد لا في أقل الصداق ، وقد قَالَ الدراوردي لمالك رحمه الله : إذ قَالَ لا صداق أقل من ربع دينار ، تعرقت فيها يا أبا عبد الله أي سلكت فيها سبيل أهل العراق ، وقَالَ جمهور أهل العلم من أهل المدينة وغيرهم : لا حد في قليل الصداق ، كما لا حد في كثيره . وممن قَالَ ذلك : سعيد بن المسيب ، والقاسم بن محمد ، وسليمان بن يسار ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وربيعة ، وأبو الزناد ، ويزيد بن قسيط ، وابن أبي ذيب ، وهؤلاء أئمة أهل المدينة ، قَالَ سعيد بن المسيب : لو أصدقها سوطا حلت ، وأنكح ابنته من عبد الله بن وداعة بدرهمين . وقَالَ ربيعة : يجوز النكاح بصداق درهم ، وقَالَ أبو الزناد : ما تراضى به الأهلون ، وقَالَ يحيى بن سعيد : الثوب والسوط والنعلان صداق إذا رضيت به ، وأجاز الصداق بقليل المال ، وكثيره من غير حد الحسن البصري ، وعمرو بن دينار ، وعثمان البتي ، وابن أبي ليلى ، وسفيان الثوري ، والليث بن سعد ، والأوزاعي ، والشافعي وأصحابه ، والحسن بن حي ، وعبيد بن الحسن ، وجماعة أهل الحديث ، منهم : وكيع ، ويحيى بن سعيد القطان ، وعبد الله بن وهب صاحب مالك ، كانوا يجيزون النكاح بدرهم ونصف درهم ، وكان ابن شبرمة لا يجيز أن يكون الصداق أقل من خمسة دراهم ، ولا تقطع اليد عنده في أقل من ذلك ، قَالَ الشافعي وأصحابه : ما جاز أن يكون لشيء أو ثمنا له ، جاز أن يكون صداقا قياسا على الإجارات لأنها منافع طارئة على أعيان باقية وأشبه الأشياء بالإجارات : الاستمتاع بالبضع ، قَالَوا : وهذا أولى من قياسه قطع اليد . قَالَوا : ولا معنى لمن شبه المهر اليسير بمهر البغي ، لأن مهر البغي لو كان قنطارا لم يجز ولم يحل ، لأن الزنى ليس على شروط النكاح بالشهود ، والولي ، والصداق المعلوم ، وما يجب للزوجات من حقوق العصمة وأحكام الزوجية ، وأنشد بعضهم لبعض الأعراب : يقولون تزويج وأشهد أنه هو البيع إلا أن من شاء يكذب . وسنزيد هذا الباب بيانا في باب أبي حازم عند قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " التمس ولو خاتما من حديد " . إن شاء الله . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالا : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دُلَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ شَيْبَةَ ، يَقُولُ : كَانَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ يَرَى التَّزْوِيجَ بِدِرْهَمٍ ، قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ : وَكَانَ ابْنُ وَهْبٍ يَرَى التَّزْوِيجَ بِدِرْهَمٍ . وروى في هذا الباب عن سعيد بن جبير وإبراهيم اضطراب ، منهم من قَالَ : أربعون درهما أقل الصداق ، ومنهم من قَالَ : خمسون درهما . وهذه الأقاويل لا دليل عليها من كتاب ولا سنة ولا اتفاق ، وما خرج من هذه الأصول ومعانيها ، فليس بعلم وبالله التوفيق وفي هذا الحديث دليل على أن الوليمة من السنة لقوله صلى الله عليه وسلم : " أولم ولو بشاة " . وقد اختلف أهل العلم في وجوبها فذهب فقهاء الأمصار إلى أنها سنة مسنونة وليست بواجبة ، لقوله : " أولم ولو بشاة " . ولو كانت واجبة ، لكانت مقدرة معلوم مبلغها كسائر ما أوجب الله ورسوله من الطعام في الكفارات وغيرها ، قَالَوا : فلما لم يكن مقدرا خرج من حد الوجوب إلى حد الندب ، وأشبه الطعام لحادث السرور ، كطعام الختان والقدوم من السفر ، وما صنع شكرا لله عز وجل . وقَالَ أهل الظاهر : الوليمة واجبة فرضا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بها وفعلها وأوعد من تخلف عنها ، وقد أوضحنا هذا المعنى في باب ابن شهاب عند قوله صلى الله عليه وسلم : " شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ، ويترك المساكين ، ومن لم يأت الدعوة ، فقد عصى الله ورسوله " . والحمد لله .