حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ° ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ° ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ° ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ° ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ "
وفي قوله في حديث مالك : وليسوا على ماء ، وليس معهم ماء دليل على أن الوضوء قد كان لازما لهم قبل نزول آية الوضوء ، وأنهم لم يكونوا يصلون إلا بوضوء ، قبل نزول الآية ، لأن قوله : فأنزل الله آية التيمم ، وهي آية الوضوء المذكورة في سورة المائدة ، أو الآية التي في سورة النساء ليس التيمم مذكورا في غير هاتين الآيتين ، وهما مدنيتان ، والآية ليست بالكلمة ولا الكلمتين ، وإنما هي الكلام المجتمع الدال على الإعجاز الجامع لمعنى مستفاد قائم بنفسه . ومعلوم أن غسل الجنابة لم يفترض قبل الوضوء كما أنه معلوم عند جميع أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم منذ افترضت عليه الصلاة بمكة لم يصل إلا بوضوء مثل وضوئنا اليوم ، وهذا ما لا يجهله عالم ، ولا يدفعه إلا معاند ، وفيما ذكرنا دليل على أن آية الوضوء إنما نزلت ليكون فرضها المتقدم متلوا في التنزيل ، ولها نظائر كثيرة ليس هذا موضع ذكرها ، وفي قوله في حديث مالك فنزلت آية التيمم ، ولم يقل : آية الوضوء ما يتبين به أن الذي طرأ إليهم من العلم في ذلك الوقت حكم التيمم ، لا حكم الوضوء ، والله أعلم . ومن فضل الله ، ونعمته أن نص على حكم الوضوء ، وهيئته بالماء ، ثم أخبر بحكم التيمم عند عدم الماء وقد تقدم القول في فرض الصلاة ، والوضوء في باب ابن شهاب عن عروة والحمد لله وفي قوله أيضا ليسوا على ماء ، وليس معهم ماء ، وإقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع تلك الحال على التماس العقد ، دليل على أنه ليس للمرء أن ينصرف عن سفر لا يجد فيه ماء ، ولا يترك سلوك طريق لذلك ، وحسبه وسلوك ما أباح الله له وأما التيمم فمعناه في اللغة القصد ومعناه في الشريعة القصد إلى الصعيد خاصة للطهارة عند عدم الماء فيضرب عليه من كفيه ، ثم يمسح بهما وجهه ويديه . قال أبو بكر بن الأنباري ، قولهم : قد تيمم الرجل معناه قد مسح التراب على يديه ووجهه ، قَالَ : وأصل تيمم قصد ، فمعنى تيمم قصد التراب فتمسح به قال الله عز وجل : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ سورة البقرة آية 267 ، معناه لا تعمدوا الخبيث ، فتنفقوا منه ، قال الممزق أو المثقب : وما أدري إذا يممت وجها أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي هو يبتغيني يريد قصدت ، واعتمدت وجها ، وقال آخر : وفي الأظعان آنسة لعوب تيمم أهلها بلدا فساروا يعني قصد أهلها بلدا . وقال حميد بن ثور : وما يلبث العصران يوم وليلة إذا طلبا أن يدركا ما تيمما وقال امرؤ القيس : تيممتها من أذرعات وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عال وقال خفاف بن ندية : فإن تك خيلي قد أصيب صميمها فعمدا على عيني تيممت مالكا معناه تعمدت مالكا ، وقال آخر : إني كذلك إذا ما ساءني بلد يممت صدر بعيري غيره بلدا يعني قصدت ، ومثل هذا كثير فمعنى قول الله عز وجل : فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا سورة المائدة آية 6 ، أي اقصدوا صعيدا طيبا ، والصعيد وجه الأرض ، وقيل : التراب الطيب الطاهر ، قال صلى الله عليه وسلم : " جعلت لي الأرض كلها مسجدا وطهورا " وطهور بمعنى طاهر مطهر على ما ذكرنا في غير موضع من كتابنا هذا كما قال الله عز وجل : وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا سورة الفرقان آية 48 ، يعني طاهرا مطهرا . واختلف العلماء في كيفية التيمم ، فقال مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهم ، والثوري ، وابن أبي سلمة ، والليث : ضربتان ضربة للوجه يمسح بها وجهه ، وضربة لليدين يمسحهما إلى المرفقين ، يمسح اليمنى باليسرى ، واليسرى باليمنى ، إلا أن بلوغ المرفقين عند مالك ليس بفرض ، وإنما الفرض عنده إلى الكوعين ، والاختيار عنده إلى المرفقين ، وسائر من ذكرنا معه من الفقهاء يرون بلوغ المرفقين بالتيمم فرضا واجبا ، وممن روي عنه التيمم إلى المرفقين ابن عمر ، والشعبي ، والحسن ، وسالم ، وقال الأوزاعي : التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الكوعين وهما الرسغان . وروي ذلك عن علي بن أبي طالب ، وقد روي عن الأوزاعي ، وهو أشهر عنه أن التيمم ضربة واحدة يمسح بها وجهه ويديه إلى الكوعين ، وهو قول عطاء ، والشعبي في رواية وبه قال أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وداود بن علي ، والطبري ، وهو أثبت ما روي في ذلك من حديث عمار رواه شقيق بن سلمة أبو وائل ، عن أبي موسى ، عن عمار ، فقال فيه : ضربة واحدة لوجهه وكفيه ، ولم يختلف في حديث أبي وائل هذا ، وسائر أحاديث عمار مختلف فيها ، وحديث أبي وائل هذا عند الثوري ، وأبي معاوية ، وجماعة عن الأعمش ، وقال مالك : إن مسح وجهه ويديه بضربة واحدة ، أجزأه ، وإن مسح يديه إلى الكوعين ، أجزاه ، وأحب له أن يعيد في الوقت ، والاختيار عند مالك ضربتان وبلوغ المرفقين ، وحجة من رأى أن التيمم إلى الكوعين جائز ، ولم ير بلوغ المرفقين واجبا ظاهر ، قول الله عز وجل : فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ سورة المائدة آية 6 ، ولم يقل : إلى المرفقين : وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا سورة مريم آية 64 ، فلم يجب بهذا الخطاب إلا أقل ما يقع عليه اسم يد ، لأنه اليقين ، وما عدا ذلك شك ، والفرائض لا تجب إلا بيقين ، وقد قال الله عز وجل : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا سورة المائدة آية 38 ، وثبتت السنة المجتمع عليها أن الأيدي في ذلك أريد بها من الكوع ، فكذلك التيمم إذ لم يذكر فيه المرفقين ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر الآثار في التيمم أنه مسح وجهه ، وكفيه ، وكفى بهذا حجة ، لأنه لو كان ما زاد على ذلك واجبا لم يدعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال أبو حنيفة ، والثوري ، والليث ، والشافعي : لا يجزيه إلا ضربتان ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين ، ولا يجزيه دون المرفقين ، وبه قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، وإليه ذهب إسماعيل بن إسحاق القاضي ، وقال ابن أبي ليلى ، والحسن بن حي : التيمم ضربتان يمسح بكل ضربة منهما وجهه وذراعيه ، ومرفقيه ، ولم يقل ذلك أحد من أهل العلم غيرهما فيما علمت ، وقال الزهري : يبلغ بالتيمم الآباط ، ولم يقل ذلك أحد غيره أيضا ، والله أعلم . فأما ما ذهب إليه ابن شهاب من التيمم إلي المناكب والآباط ، فإنه صار إلى ما رواه في ذلك مع أن اللغة تقضي أن اليد من المنكب .