أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ° ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بَحْرٍ ° ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ ° ، حَدَّثَنَا سُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ ° ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ° ، عَنْ سُفْيَانَ ° ، عَنِ الأَعْمَشِ ° ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ° ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ° ، قَالَ : " لَوْ قَرَأْتُ : فَاسْعَوْا سورة الجمعة آية 9 ، لَسَعَيْتُ حَتَّى يَسْقُطَ رِدَائِي وَكَانَ يَقْرَأُ : فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ " ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهِيَ قِرَاءَةُ عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وروي عن ابن مسعود ، أنه قال : أحق ما سعينا إليه : الصلاة ، رواه عنه ابنه أبو عبيدة ، ولم يسمع منه . وروي عن الأسود بن يزيد ، وعبد الرحمن بن يزيد ، وسعيد بن جبير ، أنهم كانوا يهرولون إلى الصلاة ، فهؤلاء كلهم ذهبوا إلى أنه من خاف الفوت سعى ، ومن لم يخف مشى على هيئته
وَرَوَى وَكِيعٌ ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قال : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : " إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَائْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا " . وَرَوَى الْمَسْعُودِيُّ أَيْضًا ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَإِنَّا لَنُقَارِبُ بَيْنَ الْخُطَى . وروى أبو الأشهب جعفر بن حيان ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك ، قال : " خرجت مع زيد بن ثابت إلى المسجد ، فأسرعت في المشي فحبسني " . وروى محمد بن مسلم ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي نضرة ، عن أبي ذر ، قال : " إذا أقيمت الصلاة فامش إليها كما كنت تمشي ، فصل ما أدركت ، واقض ما سبقك " . قال أبو عمر : قد اختلف السلف في هذا الباب كما ترى وعلى القول بظاهر حديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب جمهور العلماء ، وجماعة الفقهاء ، وقد روى ابن القاسم في سماعه ، قال : سئل مالك ، عن الإسراع في المشي إلى الصلاة إذا أقيمت ؟ قال : لا أرى بذلك بأسا ما لم يسع أو يخب . قال : وسئل عن الرجل يخرج إلى الحرس ، فيسمع مؤذن المغرب في الحرس ، فيحرك فرسه ليدرك الصلاة ، قال مالك : لا أرى بذلك بأسا . وقال إسحاق : إذا خاف فوات التكبيرة الأولى فلا بأس أن يسعى . قال أبو عمر : معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما زجر عن السعي من خاف الفوت ، قال : فما أدركتم فصلوا ، فالواجب أن يأتي الصلاة من خاف فوتها ومن لم يخف ذلك فالوقار والسكينة ، وترك السعي وتقريب الخطى ، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، وهو الحجة صلى الله عليه وسلم . وأما قوله : وما فاتكم فأتموا على ما روى مالك وغيره ممن تقدم ذكره في هذا الباب ، ففيه دليل على أن ما أدرك المصلي مع إمامه فهو أول صلاته ، وهذا موضع اختلف فيه العلماء ، فأما مالك ، فاختلفت الرواية عنه فيما أدرك المصلي من صلاة الإمام : هل هو أول صلاته أو آخرها ؟ فروى سحنون عن جماعة من أصحاب مالك ، منهم : ابن القاسم ، عنه أن ما أدرك فهو أول صلاته ، ولكنه يقضي ما فاته بالحمد وسورة ، وهذا هو المشهور من المذهب . وقال ابن خواز بنداد : وهو الذي عليه أصحابنا ، وهو قول الأوزاعي ، والشافعي ، ومحمد بن الحسن ، وأحمد بن حنبل ، والطبري ، وداود بن علي . وروى أشهب وهو الذي ذكره ابن عبد الحكم عن مالك ، ورواه عيسى عن ابن القاسم عن مالك : أن ما أدرك فهو آخر صلاته ، وهو قول أبي حنيفة ، والثوري ، والحسن بن حي . قال أبو عمر : هكذا حكى ابن خواز بنداد عن مالك وأصحابه ، عن محمد بن الحسن ، وذكر الطحاوي ، عن محمد ، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة ، أن الذي يقضيه أول صلاته ، وكذلك يقرأ فيها ، ولم يحك خلافا ، ولا خلاف عن مالك وأصحابه أن من أدرك مع الإمام ركعتين أنه يقرأ فيها بأم القرآن وحدها معه في كل ركعة ، ثم يقوم إذا سلم الإمام فيقرأ بأم القرآن وسورة فيما يقضي في كل ركعة ، وهذا قول الشافعي أيضًا ، فكيف يصح مع هذا المذهب الدعوى على من قال بهذا القول أن ما أدرك فهو أول صلاته ، بل الظاهر الصحيح على ما ذكرنا أن ما أدرك آخر صلاته ، وأما البناء فلا أعلم خلافا فيه بين العلماء ، أن المصلي يبني فيه على صلاة نفسه ، ولا يجلس إلا حيث يجب له إذا قام لقضاء ما عليه ، وقد صرح الشافعي بأن قال : ما أدرك فهو أول صلاته ، وقوله في القضاء والقراءة كقول مالك سواء ، وكذلك صرح الأوزاعي بأن ما أدرك من صلاة الإمام فهو أول صلاته ، وأظنهم راعوا الإحرام ، لأنه لا يكون إلا في أول الصلاة ، والتشهد والتسليم لا يكون إلا في آخرها ، فمن هاهنا قالوا : إن ما أدرك فهو أول صلاته ، والله أعلم . وقال الثوري : يصنع فيما يقضي مثل ما يصنع الإمام فيه . وقال الحسن بن حي : فيهما ذكر الطحاوي : أول صلاة الإمام أول صلاتك ، وآخر صلاة الإمام آخر صلاتك إذا فاتك بعض صلاته . وأما المزني ، وإسحاق ، وداود ، فقالوا : ما أدرك فهو أول صلاته ، يقرأ فيه مع الإمام بالحمد لله وسورة إن أدرك ذلك معه ، وإذا قام للقضاء قرأ بالحمد لله وحدها ، فيما يقضي لنفسه لأنه آخر صلاته ، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ، فهؤلاء أطرد على أصلهم قولهم وفعلهم . وأما السلف رضي الله عنهم ، فروي عن عمر ، وعلي ، وأبي الدرداء ، بأسانيد ضعاف ، ما أدركت فاجعله آخر صلاتك . وثبت عن سعيد بن المسيب ، والحسن البصري ، وعمر بن عبد العزيز ، ومكحول ، وعطاء ، والزهري ، والأوزاعي ، وسعيد بن عبد العزيز : ما أدركت فاجعله أول صلاتك . والذي يجيء على أصولهم إن لم يثبت عنهم نص في ذلك : ما قاله المزني ، وإسحاق ، وداود . وروي عن ابن عمر أنه قال : ما أدركت فاجعله آخر صلاتك ، وعن مجاهد ، وابن سيرين مثل ذلك . وذكر ابن المنذر أن مالكا ، والثوري ، والشافعي ، وأحمد ، بهذا يقولون : قال أبو عمر : ظن ذلك من أجل قولهم في القراءة في القضاء والله أعلم . واحتج القائلون بأن ما أدرك هو أول صلاته بقوله صلى الله عليه وسلم : وما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا . قالوا : والتمام هو الآخر . واحتج الآخرون بقوله : وما فاتكم فاقضوا . قالوا : والذي يقضيه هو الفائت ، والحجج متساوية لكلا المذهبين من جهة الأثر والنظر ، إلا أن رواية من روى : فأتموا أكثر . وأما من جعل ما أدرك مع الإمام أول صلاته فليس يطرد فيه ويستقيم إلا ما قاله ابن أبي سلمة ، والمزني ، وإسحاق ، وداود . والله أعلم . وبه التوفيق والسداد لا شريك له . وقد زعم بعض المتأخرين من أصحابنا أن من ذهب مذهب ابن أبي سلمة والمزني في هذا المسألة ، أسقط سنة الجهر في صلاة الليل ، وسنة السورة مع أم القرآن ، وهذا ليس بشيء ، لأن إمامه قد جاء بذلك ، وحصلت صلاته على سنتها في سرها وجهرها ، وغير ذلك من أحكامها ، وإنما هذا كرجل أحرم والإمام راكع ثم انحنى ، فلا يقال له : أسقطت سنة الوقوف والقراءة ، وكرجل أدرك مع إمامه ركعة ، فجلس معه في موضع قيامه أو انفرد ، فلا يقال له أسأت أو أسقطت شيئا ، وحسبه إذا أتم صلاته أن يأتي بها على سنة آخرها ، ولا يضره ما سبقه إمامه في أولها ، لأنه مأمور باتباع إمامه ، وإنما جعل الإمام ليؤتم به . وقال أبو بكر الأثرم : قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل : أرأيت قول من قال : يجعل ما أدرك مع الإمام أول صلاته ، ومن قال : يجعله آخر صلاته ، أي شيء الفرق بينهما ؟ قال : من أجل القراءة فيما يقضي ، قلت له : فحديث النبي صلى الله عليه وسلم على أي القولين يدل عندك ؟ قال : على أنه يقضي ما فاته ، قال صلى الله عليه وسلم : صلوا ما أدركتم ، واقضوا ما سبقكم . وقد احتج داود وغيره من القائلين بأن من أدرك الإمام يوم الجمعة في التشهد صلى ركعتين بهذا الحديث ، قوله صلى الله عليه وسلم : " ما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا أو فاقضوا " قالوا : فالذي فاته ركعتان لا أربع ، فإنما عليه أن يقضي ما فاته ويتم صلاته . قال أبو عمر : ولعمري إن هذا لوجه لو لم يكن هناك ما يعارضه وينقضه ، لكن لما قَالَ : صلى الله عليه وسلم مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ ، كَانَ في هذا القول دليل كالنص على أن من لم يدرك ركعة من الصلاة فلم يدرك الصلاة ، ومعلوم أن من لم يدرك الجمعة يصلي أربعا ، على أن داود قد جعل مثل هذا الدليل أصلا جاريا في الأحكام ، وترك الاستدلال به هاهنا لما ذكرنا والله المستعان . وقد ذكرنا هذه المسألة في باب ابن شهاب ، عن أبي سلمة من هذا الكتاب والحمد لله .