← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#378 2 : 260 ☰ حديث ثالث لحميد بن قيس مرسل
A− A+

حدثنا إبراهيم بن الحجاج ، حدثنا عبد العزيز بن المختار ، عن موسى بن عقبة ، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر ، أن أباه كان يكره الطيب عند الإحرام ، وكان يعلم أن عائشة كانت تفتي بأنه لا بأس بالطيب عند الإحرام

قَالَ إسماعيل : وجاء عن عمر بالأسانيد الصحاح ، أنه كره الطيب عند الإحرام وبعد رمي الجمرة قبل الطواف بالبيت وأمر معاوية أن تغسل أم حبيبة عنه الطيب . وقَالَ في خطبته بعرفة : " إذا رميتم الجمرة ونحرتم ، فقد حل لكم ما حرم عليكم ، إلا النساء والطيب ، لا يمس أحد طيبا ولا نساء ، حتى يطوف بالبيت " وهذا بمحضر جماعة الصحابة ، فما رد قوله ذلك عليه أحد ، ولا أنكره منكر ، وجاء عن عثمان في ذلك مثل مذهب عمر ، وعن ابن عمر مثل ذلك ، ولا يقع في القلب أنهم جهلوا ما روت عائشة ، ولا أنهم يقصدون لخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه يمكن أن يكون علموا نسخ ذلك ، وإذا كان ذلك ممكنا فالاحتياط التوقف ، فمن اتقى ذلك فقد احتاط لنفسه ، قَالَ : وأما التابعون فاختلفوا في ذلك أيضا ، فذهبت جماعة منهم إلى ما روى عن عائشة ، وجماعة إلى ما روى عن عمر ، وقَالَ أبو ثابت : قلت لابن القاسم : هل كان مالك يكره أن يتطيب إذا رمى جمرة العقبة قبل أن يفيض ؟ قَالَ : نعم ، قلت : فإن فعل ، أترى عليه الفدية ؟ قَالَ : لا أرى عليه شيئا لما جاء فيه . وقَالَ مالك : لا بأس أن يدهن المحرم قبل أن يحرم وقبل أن يفيض بالزيت والبان غير المطيب مما لا ريح له . قَالَ أبو عمر : لا معنى لمن قاس الطيب على الثياب والصيد لأن السنة قد فرقت بين ذلك ، فأجازت التطيب عند الإحرام بما يرى بعد الإحرام في المفارق والشعر ، ويوجد ريحه من المحرم ، وحظرت على المحرم أن يحرم وعليه شيء من المخيط ، أو بيده شيء من الصيد ، ومن جعل الطيب قياسا على الثياب والصيد ، فقد جمع بين ما فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر المسلمين بينه ، وقد شبه بعض الفقهاء الطيب قبل الإحرام بالواطئ قبل الفجر ، يصبح جنبا بعد الفجر ، ولم يكن له أن ينشئ الجنابة بعد الفجر وهو قياس صحيح إن شاء الله ولكن إنكاره للمحرم أن يشم الطيب بعد إحرامه ، إذا أجاز التطيب قبل الإحرام مناقض تارك للقياس ، لأن الاستمتاع من رائحة الطيب لمن تطيب قبل إحرامه أكثر من شمه من غيره والله أعلم . وهم لا يجيزون مس الطيب اليابس ، ولا حمله في الخرق إذا ظهر ريحه وهذا كله دليل على صحة قول من كره الطيب للمحرم وهو الاحتياط وبالله التوفيق . واختلف الفقهاء فيمن تطيب بعد إحرامه جاهلا أو ناسيا ، فكان مالك يرى الفدية على كل من قصد إلى التطيب بعد إحرامه عامدا أو ناسيا أو جاهلا ، إذا تعلق بيده أو ببدنه شيء منه ، والطيب : المسك ، والكافور ، والزعفران ، والورس ، وكل ما كان معروفا عند الناس بأنه طيب لطيب رائحته ، وأما شم الرياحين ، والمرور في سوق الطيب ، وإن كان ذلك مكروها عنده ، فإنه لا شيء على من وصل إليه رائحته إذا لم يعلق بيديه أو بدنه منه شيء . وقَالَ الشافعي : إن تطيب جاهلا أو ناسيا فلا شيء عليه ، وإن تطيب عامدا فعليه الفدية ، قَالَ : والفرق في التطيب بين الجاهل والعامد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأعرابي وقد أحرم وعليه خلوق ، بنزع الجبة وغسل الصفرة ، ولم يأمره بفدية ، ولو كانت عليه فدية لأمره بها كما أمره بنزع الجبة لم يختلف قول الشافعي في الجاهل ، واختلف قوله في الناسي يلبس أو يتطيب ناسيا ، فمرة أوجب عليه الفدية ، ومرة لم ير عليه فدية . وفي هذا الحديث رد على من زعم من العلماء أن الرجل إذا أحرم وعليه قميص كان عليه أن يشقه . وقَالَوا : لا ينبغي أن ينزعه كما ينزع الحلال قميصه ، لأنه إذا فعل ذلك غطى رأسه ، وذلك لا يجوز له . فلذلك أمر بشقه ، وممن قَالَ بهذا من العلماء الحسن ، والشعبي ، والنخعي ، وأبو قلابة ، وسعيد بن جبير ، على اختلاف عنه . ذكر سعيد بن منصور ، قَالَ : حدثنا هشيم ، قَالَ : أخبرنا يونس ، عن الحسن ، قَالَ هشيم : وأخبرني مغيرة ، عن إبراهيم ، والشعبي ، أنهم قَالَوا : إذا أحرم الرجل وعليه قميصه ، فليخرقه حتى يخرج منه . وروى شعبة ، عن المغيرة ، عن إبراهيم ، قَالَ : إذا أحرم الرجل وعليه قميص ، فليخرقه ، قَالَ أحدهما : يشقه ، وقَالَ الآخر : يخلعه من قبل رجليه . وذكر الطحاوي ، قَالَ : حدثنا روح بن الفرج ، قَالَ : حدثنا يوسف بن عدي ، قَالَ : حدثنا شريك ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير ، قَالَ : يخرقه ولا ينزعه . هكذا قَالَ وهو عندي خطأ . لأن الثوري روى ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير ، قَالَ : ينزع ثيابه ولا يخرقها وهو الصحيح إن شاء الله . عن سعيد بن جبير ، ذكره عبد الرزاق وغيره ، عن الثوري ، وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، قَالَ : إن أحرم في قميص شقه . قَالَ أبو عمر : احتج من ذهب إلى هذا المذهب بما رواه عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة ، أنه سمع ابني جابر يحدثان ، عن أبيهما : " بينا النبي صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه شق قميصه حتى خرج منه ، فقيل له : فقَالَ : واعتدهم يقلدون هديي اليوم فنسيت " ذكره عبد الرزاق ، عن داود بن قيس ، عن عبد الرحمن بن عطاء ورواه أسد بن موسى ، عن حاتم بن إسماعيل ، عن عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة ، عن عبد الملك بن جابر ، عن جابر بن عبد الله ، قَالَ : " كنت النبي صلى الله عليه وسلم جالسا ، فقد قميصه من جيبه حتى إذا أخرجه من رجليه ، فنظر القوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقَالَ : إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم وتشعر على كذا وكذا ، فلبست قميصي ونسيت ، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي " . وكان بعث ببدنه وأقام بالمدينة وقَالَ جمهور فقهاء الأمصار : ليس على من نسى فاحرم وعليه قميصه أن يخرقه ولا يشقه . وممن قَالَ ذلك : مالك وأصحابه ، والشافعي ومن سلك سبيله ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، والثوري ، وسائر فقهاء الأمصار ، وأصحاب الآثار ، حديث عطاء ، عن صفوان بن يعلى بن أمية ، عن أبيه في قصة الأعرابي الذي أحرم وعليه جبة ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزعها وهو الحديث المذكور في هذا الباب ولا خلاف بين أهل العلم بالحديث أنه حديث ثابت صحيح ، وحديث جابر الذي يرويه عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة عندهم حديث ضعيف لا يحتج به ، وهو عندهم أيضا مع ضعفه مردود بالثابت ، عن عائشة ، أنها قَالَت : كنت أفتل قلائد هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم يقلده ويبعث به ، فلا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي ، وإن كان جماعة العلماء ، قَالَوا : إذا أشعر هديه أو قلده فقد أحرم . وقَالَ آخرون : إذا كان يريد بذلك الإحرام . وسنذكر هذا المعنى مجردا في باب عبد الله بن أبي بكر إن شاء الله . ذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، عن صفوان بن يعلى بن أمية ، عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ لرجل أحرم في قميص : " أنزع عنك القميص ، واغسل عنك الطيب ، حسبته قَالَ : ثلاث مرات " قَالَ قتادة : فقلت لعطاء : أن ناسا يقولون : إذا أحرم في قميصه فليشقه ، قَالَ : لا لينزعه ، إن الله لا يحب الفساد . وروى سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن عطاء بإسناده مثله سواء . وذكر عبد الرزاق ، قَالَ : أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، قَالَ : من أحرم في قميص فلينزعه ولا يشقه . قَالَ أبو عمر : ليس نزع القميص بمنزلة اللباس في أثر ولا نظر ، فأما الأثر ، فقد ذكرناه في قصة الأعرابي ، وأما النظر ، فإن المحرم لو حمل على رأسه شيئا لم يعد ذلك معد لبس القلنسوة . وكذلك من تردى بإزار وحلل به بدنه لم يحكم له بحكم لباس المخيط ، وفي هذا دليل على أنه إنما نهى عن لباس الرأس القلنسوة في حال الإحرام اللباس المعهود ، وعن لباس الرجل القميص اللباس المعهود ، وعلم أن النهي إنما وقع في ذلك وقصد به إلى من قصد ، وتعمد فعل ما نهى عنه من اللباس في حال إحرامه اللباس المعهود في حال إحلاله ، فخرج بما ذكرنا ما أصاب الرأس من القميص المنزوع ، هذا ما يوجب النظر إن شاء الله . وأما قوله : " وافعل في عمرتك ما تفعل في حجك " . فكلام خرج على لفظ العموم ، والمراد به الخصوص . وقد تبين ذلك في سياقة ابن عيينة له عن عمرو بن دينار حيث قَالَ : فقَالَ له النبي عليه السلام : " ما كنت تصنع في حجك ؟ قَالَ : كنت أنزع هذه ، يعنى : الجبة ، وأغسل هذا الخلوق ، فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك " . أي من هذا الذي ذكرت من نزع القميص وغسل الطيب . فخرج كلامه صلى الله عليه وسلم في حديث مالك وما كان مثله على جواب السائل فيما قصده بالسؤال عنه ، وهذا إجماع من العلماء أنه لا يصنع المعتمر عمل الحج كله ، وإنما عليه أن يتم عمل عمرته ، وذلك الطواف والسعي والحلاق والسنن كلها ، والإجماع يدلك على أن قوله في هذا الحديث : " وافعل في عمرتك ما تفعل في حجك " . كلام ليس على ظاهره ، وأنه لفظ عموم أريد به الخصوص على ما وصفنا من الاقتصار به على جواب السائل في مراده وبالله التوفيق .

السند · الإسناد بالترتيب
إبراهيم بن الحجاج←عبد العزيز بن المختار←موسى بن عقبة←عبد الله بن عبد الله بن ع…←عائشة←عبد الرحمن بن عطاء بن أ…←ابني جابر←أبيهما←عبد الرزاق←داود بن قيس←عبد الرحمن بن عطاء←أسد بن موسى←حاتم بن إسماعيل←عبد الرحمن بن عطاء بن أبي…←عبد الملك بن جابر←جابر بن عبد الله←عطاء←صفوان بن يعلى بن أمية←أبيه←عبد الرزاق←معمر←قتادة←صفوان بن يعلى بن أمية←أبيه