← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#3785 21 : 173 ☰ حديث سادس لأبي النضر
A− A+

حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ الْفَرَّاءُ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ° ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ ° ، عَنْ بَكِيرِ بْنِ الأَخْنَسِ ° ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ° ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ حَيٌّ كَرِيمٌ يُكَنِّي ، قَالَ : فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ سورة البقرة آية 222 " . فَهَذَا بَابٌ مِنَ الْجِمَاعِ وَقَدْ كَنَّى . وَقَالَ : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ سورة البقرة آية 187 . وَقَالَ : فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ سورة البقرة آية 187 . فَهَذَا بَابٌ مِنَ الْجِمَاعِ وَقَدْ كَنَّى . وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ سورة النساء آية 43 . فَهَذَا بَابٌ مِنَ الْجِمَاعِ وَقَدْ كَنَّى . وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْبَزَّارُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى الْفَرَّاءُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، فَذَكَرَهُ إِلَى آخِرِهِ . وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ أَيْضًا ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ الْمِصِّيصِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، فَذَكَرَهُ

واحتجوا من الأثر المرفوع بما رَوَاهُ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عُرْوَةَ , عَنْ عَائِشَةَ ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَبَّلَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ " . قَالَ : قُلْتُ : مَنْ هِيَ إِلا أَنْتِ ؟ فَضَحِكَتْ وَوَكِيعٌ , عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي رَءُوفٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ عَائِشَةَ ، " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَهَا فَلَمْ يَتَوَضَّأْ " قالوا : ولا معنى لطعن من طعن على حديث حبيب بن أبي ثابت ، عن عروة في هذا الباب ، لأن حبيبا ثقة ، ولا يشك أنه أدرك عروة ، وسمع ممن هو أقدم من عُرْوَة ، فغير مستنكر أن يكون سمع هذا الحديث من عروة ، فإن لم يكن سمعه عنه ، فإن أهل العلم لم يزالوا يروون المرسل من الحديث والمنقطع ، ويحتجون به إذا تقارب عصر المرسل والمرسل عنه ، ولم يعرف المرسل بالرواية عن الضعفاء والأخذ عنهم ، ألا ترى أنهم قد أجمعوا على الاحتجاج بحديث ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجله مراسيل ، والقول في رواية إبراهيم التيمي ، عن عائشة مثل ذلك ، لأنه لم يلق عائشة ، وهو ثقة فيما يرسل ويسند ، قالوا : وقد روي هذا الخبر عن عائشة من وجوه ، وإن كان بعضها مرسلا ، فإن الطرق إذا كثرت قوى بعضها بعضا ، وذكروا ما رَوَى شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : " ذَكَرُوا اللَّمْسَ ، فَقَالَ نَاسٌ مِنَ الْمَوَالِي : لَيْسَ الْجِمَاعُ ، وَقَالَ نَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ : اللَّمْسُ الْجِمَاعُ ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ، فَقُلْتُ : إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمَوَالِي وَالْعَرَبِ اخْتَلَفُوا فِي اللَّمْسِ ، وَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِهِمْ ، فَقَالَ : مَعَ أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ كُنْتَ ؟ قُلْتُ : مَعَ الْمَوَالِي ، قَالَ : غَلَبَ فِريقُ الْمَوَالِي إِنَّ اللَّمْسَ وَالْمُبَاشَرَةِ الْجِمَاعُ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُكَنِّي بِمَا شَاءَ " . قالوا : والكتاب والسنة والقياس والنظر ، كل ذلك يدل على أن الملامسة المقصود إلى ذكرها في آية الوضوء : هي الجماع ، قالوا : فأما الكتاب ، فقول الله عز وجل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ سورة المائدة آية 6 . يريد : وقد أحدثتم قبل ذلك فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ سورة المائدة آية 6 الآية . فأوجب غسل الأعضاء التي ذكرها بالماء ، ثم قال : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا سورة المائدة آية 6 يريد الاغتسال بالماء ، ثم قال : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ سورة المائدة آية 6 ، يريد الجماع الذي يوجب الجنابة ، ولم تجدوا ماء تتوضؤون به من الغائط ، أو تغتسلون به من الجنابة ، كما أمرتكم في أول الآية فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا سورة المائدة آية 6 ، قالوا : فإنما أوجب في آخر الآية التيمم على من كان أوجب عليه الوضوء والاغتسال بالماء في أولها ، قالوا : وقول من خالفنا : إن الله لما ذكر طهارة الجنب في أول الآية ، ذكر الملامسة في آخر الآية موصولا بذكر الغائط ، استدلوا بذلك على أَنَّهُ غير الجنابة ، فليس كما قالوا ، وإنما كان يكون ما قالوا دليلا ، لو كان إنما أوجب على الملامس في آخر الآية الطهارة التي أوجبها على الجنب في أولها ، فكان يكون دليلا على أن اللمس غير الجنابة ، لأنه قد أوجب الطهارة من الجنابة في أول الآية ، فلم يكن لإعادة إيجاب الطهارة منها في آخرها معنى يصح ، ولكنه إنما أوجب عليه في أول الآية الاغتسال بالماء ، وأوجب عليه في آخرها التيمم بدلا من الماء إذا كان مسافرا لا يجد الماء أو مريضا ، قالوا : فهذا المعنى أصح وأشبه بالتأويل مما ذهب إليه من خالفنا . قال أبو عمر : وقال أكثر أهل الحجاز وبعض أهل العراق : اللمس ما دون الجماع مثل القبلة ، والجسة ، والمباشرة باليد ، ونحو ذلك مما دون الجماع ، وهو مذهب مالك وأصحابه ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأصحابه ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، إلا أنهم اختلفوا في معنى اعتبار اللذة على ما نذكره بعد في هذا الباب ، إن شاء الله . وممن روي عنه أن اللمس ما دون الجماع عمر ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وجماعة من التابعين بالمدينة ، والكوفة ، والشام . وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أنه كَانَ يَقُولُ : " قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَجَسُّهَا بِيَدِهِ مِنَ الْمُلامَسَةِ ، فَمَنْ قَبَّلَهَا أَوْ جَسَّهَا بِيَدِهِ ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ " . وَرَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ ، قَالَ : " الْقُبْلَةُ مِنَ اللَّمَمِ فَتَوَضَّئُوا مِنْهَا " . وهذا عندهم خطأ ، وإنما هو عن ابن عمر صحيح لا عن عمر . وَرَوَى الأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ مَسْعُودٍ : " الْقُبْلَةُ مِنَ اللَّمْسِ ، وَمِنْهَا الْوُضُوءُ ، وَاللَّمْسُ مَا دُونَ الْجِمَاعِ " . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ مِثْلَهُ ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِثْلَهُ . وحكى ابن وهب ، عن مالك ، والليث ، وعبد العزيز بن أبي سلمة ، في قبلة الرجل امرأته الوضوء ، وحكى الزعفراني ، والربيع ، والمزني ، عن الشافعي ، أنه قال : من لمس امرأته أو قبلها وجب عليه الوضوء . قال الزعفراني عنه : ولو ثبت حديث معبد ابن نباتة في القبلة لم أر فيها شيئا ولا في اللمس ، فإن مَعْبَدُ بْنُ نُبَاتَةَ ، يَرْوِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ " كَانَ يُقَبِّلُ وَلا يَتَوَضَّأُ " ولكن لا أدري كيف معبد بن نباتة هذا ؟ فإن كان ثقة ، فالحجة فيما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قال أبو عمر : قد استدل أصحابنا على صحة ما ذهبوا إليه في أن الملامسة ما دون الجماع بأدلة يطول ذكرها ، منها أن قالوا : الملامسة لم يرد الله بذكرها في آية الوضوء الجماع ، لأنه أفردها من ذكر الجنابة ، بقوله : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا سورة المائدة آية 6 فجاء بالشرط وجوابه ، ثم استأنف ، فقال : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا سورة المائدة آية 6 . فجاء بالشرط وجوابه ، فدل ذلك على أن الملامسة غير قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا سورة المائدة آية 6 ، وانتفى بذلك أن تكون الملامسة الجماع ، ودخلت في باب الحدث الموجب الوضوء والتيمم ، لأنه جمعها في الذكر مع الغائط ، وجاء بجواب واحد لذلك الشرط ، كما جاء في قوله : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ سورة المائدة آية 6 ، فجاء بالشرط وجوابه ثم استأنف ذكر الجماع بحكم مفرد ، قال : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا سورة المائدة آية 6 ، فجاء بالشرط وجوابه تاما ، قالوا : وهذا هو المفهوم من كلام العرب ، قالوا : ولهذا كان ابن مسعود وعمر يذهبان إلى أن الجنب لا يتيمم ، لأنه أفرد بحكم الغسل ولم يريا الجماع من الملامسة ، وقد ذكرنا وجه قولهما وما يرده من السنة في باب عبد الرحمن بن القاسم من كتابنا هذا ، والحمد لله . وتقدير الآية في مذهب من أنكر أن تكون الملامسة الجماع ممن يرى التيمم للجنب : أن يكون فيها تقديم وتأخير ، كأنه قال عز وجل : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة من النوم أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء ، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ، وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر ولم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ، فامسحوا وجوهكم وأيديكم منه ، لأن القائلين بهذا التقدير في الآية اختلفوا في تيمم الحاضر الصحيح إذا فقد الماء وخشي فوات الوقت ، على ما ذكرنا في غير هذا الموضع ، فدخل في التيمم الجنب وغيره على هذا الترتيب من التقدير والتأخير . قالوا : والتقديم والتأخير في كتاب الله كثير لا ينكره عالم . قال أبو عمر : ثم اختلف القائلون بأن اللمس ما دون الجماع ، فقال بعضهم : إنما اللمس الذي يجب منه الوضوء أن يلمس الرجل المرأة لشهوة ، فإن لمسها لغير شهوة فلا وضوء عليه ، هذا مذهب مالك وأصحابه ، وبه قال أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وروي ذلك عن النخعي ، والشعبي . ورواه شعبة عن الحكم ، وحماد ، واحتج إسحاق ، فقال : مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ ، أَنَّهُ سَمِعَ الْحَسَنَ , يَقُولُ : " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا فِي مَسْجِدٍ فِي الصَّلاةِ فَقَبَضَ عَلَى قَدَمِ عَائِشَةَ غَيْرَ مُتَلَذِّذٍ " . وَضَعَّفَ حَدِيثَ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَلا يَتَوَضَّأُ " . وَقَالَ : لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلا نَظُنُّ أَنَّ حَبِيبًا لَقِيَ عُرْوَةَ ، قَالَ : وَقَدْ يمكن أَنْ يُقَبِّلَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ بِرًّا بِهَا وَإِكْرَامًا لها ورحمة أَلا تَرَى إِلَى مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، " أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَقَبَّلَ فَاطِمَةَ " . وَهَذَا حَدِيثٌ يَرْوِيهِ الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : " فَالْقُبْلَةُ تَكُونُ لِشَهْوَةٍ وَلِغَيْرِ شَهْوَةٍ " . وروى عيسى بن دينار ، عن ابن القاسم ، عن مالك في المريض تغمز امرأته رجليه أو رأسه ، لا وضوء فيه إلا أن يلتذا ، قال : ولا وضوء عليهما ، وإن تماسا إلا أن يلتذا ، قال : والجسة من فوق الثوب ومن تحته سواء ، إن كان للذة . وقال علي بن زياد ، عن مالك ، إن كان الثوب كثيفا فلا شيء عليه ، وإن كان خفيفا فعليه الوضوء ، وجملة مذهب مالك : أن من التذ من الملامسين ، فعليه الوضوء ، المرأة والرجل في ذلك سواء . وقال عبد الملك بن الماجشون : من تعمد مس امرأته بيده لملاعبة فليتوضأ التذ أم لم يلتذ . وقال الشافعي بمصر : إذا أفضى الرجل بيده إلى أمرأته أو ببعض جسده لا حائل بينها وبينه لشهوة ولغير شهوة ، وجب عليه الوضوء ، وكذلك إن لمسته هي وجب عليها وعليه الوضوء ، وسواء في ذلك أي بدنيهما أفضى إلى الآخر إذا مست البشرة البشرة إلا الشعر خاصة ، فلا وضوء على من مس شعر امرأته لشهوة كان أو لغير شهوة ، والشعر مخالف للبشر ، ولو احتاط فتوضأ إذا مس شعرها كان حسنا ، ولو مسها بيده أو مسته بيدها من فوق الثوب فالتذا لذلك أم لم يلتذا لم يكن عليهما شيء حتى يفضيا إلى البشرة ، قال : ولا معنى للذة من فوق الثوب ولا من تحته ، ولا معنى للشهوة في القبلة ، وإنما المعنى للفعل . قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي : فهذا مذهب الشافعي فيمن وافقه من أصحابه ، وهو قول مكحول ، والأوزاعي ، وسعيد بن عبد العزيز ، وجماعة . هكذا حكى المروزي عنهم . وأما الطبري ، فذكر عن الأوزاعي ما تقدم ذكرنا له ، وكذلك ذكر الطحاوي أيضا عن الأوزاعي ، كما حكى الطبري أن لمس المرأة لا وضوء فيه على حال . وقال المروزي : قول الشافعي هذا هو أشبه بظاهر الكتاب ، لأن الله عز وجل ، قال : أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ سورة المائدة آية 6 ، ولم يقل لشهوة ولا من شهوة ، قال : وكذلك الذين أوجبوا في ذلك الوضوء من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يشترطوا الشهوة ، قال : وكذلك عامة التابعين ، قال : وقد احتج بعض من ذهب هذا المذهب بأن قال : قد اجتمعت الأمة أن رجلا لو استكره امرأة فمس ختانه ختانها وهي لا تلتذ بذلك ، أو كانت نائمة فلم تلتذ ولم تشته ، أن الغسل واجب عليهما . قالوا : فكذلك من مس امرأته لشهوة أو لغير شهوة ، أو قبلها لشهوة أو لغير شهوة انتقضت طهارته ، ووجب عليه الوضوء ، لأن المعنى في الجسة واللمس والقبلة للفعل لا للذة . قال أبو عمر : القول الصحيح في هذا الباب ما ذهب إليه مالك والقائلون بقوله ، والله أعلم لأن الصحابة ، رضي الله عنهم ، لم يأت عنهم في معنى الملامسة إلا قولان ، أحدهما : الجماع ، والآخر ما دون الجماع . والقائلون منهم بأنه ما دون الجماع إنما أرادوا ما يلتذ به مما ليس بجماع ، ولم يريدوا من اللمس اللطم ، واللمس بغير لذة ، لأن ذلك ليس من الجماع ولا يشبهه ، ولا يئول إليه ، ولما لم يجز أن يقال إن اللمس أريد به اللطم وغيره ، لتباين ذلك من الجماع لم يبق إلا أن يقال إنه ما وقع به الالتذاذ لإجماعهم على أن من لطم امرأته ، أو داوى جرحها أو المرأة ترضع ولدها ، لا وضوء على هؤلاء ، والله أعلم . قال أبو عبد الله بن نصر : فأما ما ذهب إليه مالك من مراعاة الشهوة واللذة لمن لمس امرأته من فوق الثوب وتلذذ بمسها ، أنه قد وجب عليه الوضوء ، فقد وافقه على ذلك الليث بن سعد . قال المروزي : ولا نعلم أحدا قال ذلك غيرهما ، قال : ولا يصح ذلك في النظر ، لأن من فعل ذلك فهو غير لامس لامرأته ، وغير مماس لها في الحقيقة ، إنما هو لامس لثوبها . وقد أجمعوا أنه لو تلذذ واشتهى دون أن يلمس لم يجب عليه وضوء ، فكذلك من لمس فوق الثوب لأنه غير لامس للمرأة ، هذا جملة ما احتج به المروزي لمذهب الشافعي الذي اختاره في ذلك ، وفي المسألة نظر ، ومن تدبر ما أوردناه اكتفى بما وصفنا ، والله الموفق للصواب ، والهادي إليه لا شريك له . وفي هذا الحديث ما كانوا عليه من ضيق العيش ، والصبر على الإقلال ، ألا ترى أنهم كانت يومئذ بيوتهم دون مصابيح ، وفي قول عائشة رحمها الله : " والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح " ، دليل على أنها إذ حدثت بهذا الحديث كانت بيوتهم فيها المصابيح ، وذلك أن الله فتح عليهم بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الدنيا ، فوسعوا على أنفسهم إذ وسع الله عليهم ، وقولها يومئذ يريد : حينئذ ، لأنا لو جعلنا اليوم النهار على المعهود ، استحال أن تكون المصابيح نهارا في بيوتهم ، فعلمنا أنها أرادت بقولها يومئذ أي حنيئذ ، وهذا مشهور في لسان العرب أنها كانت تعبر باليوم عن الحين والوقت ، كما تعبر به عن النهار ، واليوم وهو النهار ، كما قال الشاعر : أجدك هذا الليل لا يتردد وأي نهار لا يكون له غد يقول : إذا طال عليه الليل أجدى أن يكون ليل لا يتردد ، أو أن يكون يوم لا يكون له غد ، أو ليل لا يكون له غد ، وهذا أشهر عندهم من أن يحتاج فيه إلى الاستشهاد .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
عبد الله بن محمد بن عثمان←سعيد بن عثمان←أحمد بن عبد الله بن صالح←أبو صالح الفراء←أبو إسحاق الفزاري←أبي إسحاق الشيباني←بكير بن الأخنس←سعيد بن جبير←ابن عباس←عبد الوارث بن سفيان←قاسم بن أصبغ←عبيد الله بن عبد الواحد ا…←أبو صالح محبوب بن موسى ال…←أبو إسحاق الفزاري←عبد الوارث←قاسم←ابن وضاح←عبد الملك بن حبيب المصيصي←أبو إسحاق الفزاري←وكيع←الأعمش←حبيب بن أبي ثابت←عروة←عائشة←ووكيع←سفيان←أبي رءوف←إبراهيم التيمي←عائشة←ابن عباس←معبد بن نباتة←محمد بن عمرو بن عطاء←عائشة←محمد بن بكر←ابن جريج←عبد الكريم←الحسن←عروة←عائشة←عروة←الحسين بن واقد←يزيد النحوي←عكرمة
شجرة الإسناد