← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#4305 23 : 336 ☰ حديث سادس وثلاثون ليحيى بن سعيد
A− A+

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ° ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ ° ، حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ° ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ ° ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ° ، قَالَ : لَمْ نُقَاتِلْ أَهْلَ النَّهْرِ عَلَى الشِّرْكِ . حَدَّثَنَا نعيم ، حَدَّثَنَا وكيع ، عَنِ ابْن أبي خالد ، عَنْ حكيم بْن جابر ، عَنْ علي مثله

حَدَّثَنَا نعيم ، حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد بْن كثير ، حَدَّثَنَا هشام بْن يَحْيَى الغسابي ، عَنْ أبيه ، أن عُمَر بْن عَبْد العزيز ، كتب إليه في الخوارج : إن كان من رأي القوم أن يسيحوا في الأرض من غير فساد على الأئمة ، ولا على أحد من أهل الذمة ولا يتناولون أحدا ، ولا قطع سبيل من سبل المسلمين ، فليذهبوا حيث شاءوا ، وإن كان رأيهم القتال فواللَّه لو أن أبكاري من ولدي خرجوا رغبة عَنْ جماعة المسلمين لأرقت دماءهم ، التمس بذلك وجه اللَّه والدار الآخرة . وذكر ابْن وهب ، عَنْ يُونُس ، عَنِ ابْن شِهَاب ، قَالَ : صاحبت الفتنة الأولى ، فأدركت رجالا ذوي عدد من أصحاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ممن شهد بدرا ، فبلغنا أَنَّهُم كانوا يرون أن يهدر أمر الفتنة ، فلا يقام فيها على رجل قصاص في قتل ولا دم ولا يرون على امرأة سيبت فأصيبت حدا ، ولا يرون بينها وبين زوجها ملاعنة ، ومن رماها جلد الحد ، وترد إلى زوجها بعد أن تعتد من الآخر . قَالَ ابْن شِهَاب : وقَالُوا : لا يضمن مال ذهب إلا أن يوجد شيء بعينه ، فيرد إلى أهله . وقَالَ ابْن القَاسِم : بلغني أن مالكا قَالَ : الدماء موضوعة عنهم ، وأما الأموال فإن وجد شيء بعينه أخذ ، وإلا لم يتبعوا بشيء . قَالَ ذلك في الخوارج ، قَالَ ابْن القَاسِم : وفرق بين المحاربين وبين الخوارج ، لأن الخوارج خرجوا واستهلكوا ، ذلك على تأويل يرون أَنَّهُ صواب والمحاربون خرجوا فسقا مجونا وخلاعة على غير تأويل ، فيوضع عَنِ المحارب إذا تاب قبل أن يقدر عَلَيْهِ حد الحرابة ، ولا توضع عنه حقوق الناس ، يعني في دم ولا مال . قَالَ أبو عُمَر : قَالَ إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق : رأى مالك ، قتل الخوارج وأهل القدر من أجل الفساد الداخل في الدين ، وهو من باب الفساد في الأرض وليس إفسادهم بدون فساد قطاع الطريق والمحاربين للمسلمين على أموالهم ، فوجب بذلك قتلهم ، إلا أَنَّهُ يرى استتابتهم ، لعلهم يراجعون الحق ، فإن تمادوا قتلوا على إفسادهم لا على كفر . قَالَ أبو عُمَر : هَذَا قول عامة الفقهاء الذين يرون قتلهم واستتابتهم ، ومنهم من يقول : لا يتعرض لهم باستتابة ولا غيرها ما استتروا ، ولم يبغوا ويحاربوا ، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما ، وجمهور أهل الفقه ، وكثير من أهل الحديث . قَالَ الشافعي رحمه اللَّه في كتاب قتال أهل البغي : لو أن قوما أظهروا رأي الخوارج ، وتجنبوا جماعة المسلمين ، وكفروهم ، لم تحل بذلك دماؤهم ولا قتالهم ، لأَنَّهُم على حرمة الإيمان حتى يصيروا إلى الحال التي يجوز فيها قتالهم من خروجهم إلى قتال المسلمين ، وإشهارهم السلاح ، وامتناعهم من نفوذ الحق عليهم ، وقَالَ : بلغنا أن علي بْن أبي طالب بينما هو يخطب ، إذ سمع تحكيما من ناحية المسجد ، فَقَالَ : ما هَذَا ؟ فقيل رجل يقول : لا حكم إلا لله ، فَقَالَ علي رحمه اللَّه : كلمة حق أريد بها باطل ، لا نمنعكم مساجد اللَّه أن يذكروا فيها اسم اللَّه ، ولا نمنعكم الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا ، ولا نبدؤكم بقتال ، قَالَ : وكتب عدي إلى عُمَر بْن عَبْد العزيز : أن الخوارج عندنا يسبونك ، فكتب إليه عُمَر : إن سبوني فسبوهم أو اعفوا عنهم ، وإن شهروا السلاح ، فأشهروا عليهم ، وإن ضربوا فاضربوا ، قَالَ الشافعي : وبهذا كله نقول : فإن قاتلونا على ما وصفنا قاتلناهم ، فإن انهزموا لم نتبعهم ولم نجهز على جريحهم . قَالَ أبو عُمَر : قول مالك في ذلك ، ومذهبه عند أصحابه في أن لا يتبع مدبر من الفئة الباغية ، ولا يجهز على جريح ، كمذهب الشافعي سواء ، وكذلك الحكم في قتال أهل القبلة عند جمهور الفقهاء ، وقَالَ أبو حنيفة : إن أَنَّهُزم الخارجي أو الباغي إلى فئة اتبع ، وإن أَنَّهُزم إِلى غير فئة لم يتبع . قَالَ أبو عُمَر : أجمع العلماء على أن من شق العصا ، وفارق الجماعة ، وشهر على المسلمين السلاح ، وأخاف السبيل ، وأفسد بالقتل والسلب ، فقتلهم وإراقة دمائهم واجب ، لأن هَذَا من الفساد العظيم في الأرض ، والفساد في الأرض موجب لإراقة الدماء بإجماع ، إلا أن يتوب فاعل ذلك من قبل أن يقدر عَلَيْهِ ، والانهزام عندهم ضرب من التوبة ، وكذلك من عجز عَنِ القتال لم يقتل إلا بما وجب عَلَيْهِ قبل ذلك ، ومن أهل الحديث طائفة تراهم كفارا على ظواهر الأحاديث فيهم ، مثل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من حمل علينا السلاح فليس منا " ، ومثل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يمرقون من الدين " ، وهي آثار يعارضها غيرها ، فيمن لا يشرك باللَّه شيئا ، ويريد بعمله وجهه ، وإن أخطأ في حكمه واجتهاده ، والنظر يشهد أن الكفر لا يكون إلا بضد الحال التي يكون بها الإيمان ، لأنهما ضدان ، وللكلام في هذه المسألة موضع غير هذا ، وباللَّه التوفيق .

السند · الإسناد بالترتيب
أحمد بن محمد←محمد بن عيسى←بكر بن سهل←نعيم بن حماد←وكيع←مسعر←عامر بن شقيق←أبي وائل←علي←نعيم←وكيع←ابن أبي خالد←حكيم بن جابر←علي
شجرة الإسناد