وَقَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ ، أن قَاسِمًا ، حَدَّثَهُمْ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ° , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَمِي الصَّيْرَفِيِّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ سَنَةَ ° مِائَةٍ , قَالَ : كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ° رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى عُمَّالِهِ : أَنْ لا يَشْتَرُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلا مِثْلا بِمِثْلٍ , وَلا الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ إِلا مِثْلا بِمِثْلٍ , وَلا الْحِنْطَةَ بِالْحِنْطَةِ إِلا مِثْلا بِمِثْلٍ , وَلا الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ إِلا مِثْلا بِمِثْلٍ , وَلا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ إِلا مِثْلا بِمِثْلٍ
قَالَ أبو عمر : على هذا مذهب الصحابة , والتابعين , وجماعة فقهاء المسلمين , فلا وجه للإكثار فيه . حدثني خلف بن القاسم بن سهل الحافظ , قَالَ : حدثنا أبو الميمون البجلي عبد الرحمن بن عمر بدمشق , قَالَ : حدثنا أبو زرعة , قَالَ : حدثنا محمد بن المبارك , عن يحيى بن حمزة , عن برد بن سنان , عن إسحاق بن قبيصة بن ذؤيب , عن أبيه , أن عبادة أنكر على معاوية شيئا فقال : لا أساكنك بأرض أنت بها , ورحل إلى المدينة فقال له عمر : ما أقدمك ؟ فأخبره فقال : ارجع إلى مكانك , فقبح الله أرضا لست فيها ولا أمثالك , وكتب إلى معاوية : لا إمارة لك عليه . قَالَ أبو عمر : فقول عبادة : لا أساكنك بأرض أنت بها , وقول أبي الدرداء على ما في حديث زيد بن أسلم يحتمل أن يكون القائل ذلك قد خاف على نفسه الفتنة لبقائه بأرض ينفذ فيها في العلم قول خلاف الحق عنده , وربما كان ذلك منه أنفة لمجاورة من رد عليه سنة علمها من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه , وقد تضيق صدور العلماء عند مثل هذا , وهو عندهم عظيم رد السنن بالرأي وجائز للمرء أن يهجر من خاف الضلال عليه , ولم يسمع منه , ولم يطعه , وخاف أن يضل غيره وليس هذا من الهجرة المكروهة , ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن لا يكلموا كعب بن مالك حين أحدث في تخلفه عن تبوك ما أحدث , حتى تاب الله عليه , وهذا أصل عند العلماء في مجانبة من ابتدع , وهجرته , وقطع الكلام معه . وقد حلف ابن مسعود أن لا يكلم رجلا رآه يضحك في جنازة : أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى , قَالَ : حدثنا أحمد بن سعيد , قَالَ : حدثنا عبد الملك بن بحر , قَالَ : حدثنا موسى بن هارون , قَالَ : حدثنا العباس بن الوليد , قَالَ : حدثنا سفيان , عن عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي , عن رجل من عبس , أن ابن مسعود رأى رجلا يضحك في جنازة , فقال : تضحك وأنت في جنازة , والله لا أكلمك أبدا . وغير نكير أن يجهل معاوية ما قد علم أبو الدرداء , وعبادة , فإنهما جليلان من فقهاء الصحابة وكبارهم . قال أبو عمر : حديث عبادة المذكور في هذا الباب , وإن كانوا قد اختلفوا في إسناده فهو عند جماعة من فقهاء الأمصار أصل ما يدور عليه عندهم معاني الربا , إلا أنهم قد اختلفت مذاهبهم في ذلك , على ما أوضحناه في باب ابن شهاب ، عن مالك بن أوس بن الحدثان من هذا , الكتاب والحمد لله . قَالَ أبو عمر : ولا يوجد عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء ذكر فيه الربا غير هذه الستة الأشياء المذكورة في حديث عبادة , وهي : الذهب , والفضة , والبر , والشعير , والتمر , والملح , فجعلها جماعة علماء المسلمين القائلين بالقياس أصول الربا , وقاسوا عليها ما أشبهها , وما كان في معناها واستدلوا بقوله في الحديث : حتى خص الملح بالملح , فجعلوا الملح أصلا لكل آدام , فحرموا التفاضل في كل آدام , كما حرموا التفاضل في كل مأكول على علل أصولها مستنبطة من هذا الحديث , فذهب العراقيون إلى أن العلة فيها الكيل والوزن , لأن كل ما ذكر من الأنواع الستة لم تخل من كيل أو وزن , وكذلك جاء الحديث به نصا قَالَ في الذهب وفي الورق : وزنا بوزن , وقال غير ذلك : مدى بمدى ونحو ذلك . وسئل الشافعي فقال : العلة في ذلك الأكل لا غير , إلا في الذهب والورق , فلم يقس عليهما غيرهما , لأنهما أثمان المبيعات , وقيم المتلفات , وكذلك قول أصحاب مالك في الذهب والورق , وعللوا الأربعة , بأنها أقوات مدخرة , فأجازوا التفاضل فيما لا يدخر إذا كان يدا بيد , ولا بأس عندهم برمانة برمانتين , وتفاحة بتفاحتين , أو ما كان مثل ذلك يدا بيد وذلك غير جائز عند الشافعي , لأن علته في ذلك الأكل , وسواء عنده ما يدخر , وما لا يدخر . والربا عند جماعة العلماء في الصنف الواحد يدخله من جهتين وهما : النساء , والتفاضل , فَلا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنَ الأَنْوَاعِ السِّتَّةِ بِمِثْلِهِ , إِلا يَدًا بِيَدٍ مِثْلا بِمِثْلٍ , عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ جَازَ فِيهِ التَّفَاضُلُ , وَلَمْ يَجُزْ فِيهِ النَّسَاءُ , لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرَقِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ , وَبِيعُوا الْبُرَّ بِالشَّعِيرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ " . إلا أن مالكا جعل البر , والشعير جنسا واحدا , فلم يجز فيه التفاضل لشيء رواه عن سعد بن أبي وقاص , وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث , وسليمان بن يسار , وخالفه في ذلك جماعة فقهاء الأمصار . وسنذكر هذا المعنى مجودا في باب عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان من كتابنا هذا أن شاء الله . قَالَ أبو عمر : لا ربا عند العلماء في غير هذه الأنواع الستة , وما كان في معناها في عللهم وأصولهم التي ذكرنا , ولا حرام عندهم في شيء من البيوع بعد ما تضمنت أصولهم المذكورة في هذا الباب على ما وصفنا إلا من طريق الزيادة في السلف , والقول بالذرائع عند من قالها , وهم : مالك , وأبو حنيفة وأصحابهما , وكان سعيد بن المسيب , والشافعي , وأبو ثور , وأحمد , وجماعة ذهبوا إلى أن لا ربا إلا في ذهب أو ورق أو ما كان يكال أو يوزن مما يوكل , ويشرب استدلالا ، والله أعلم ، بحديث عبادة المذكور في هذا الباب , وكانوا ينفون القول بالذرائع , ويقولون : لا يحكم على مسلم أو غيره بظن , ولا تشرع الأحكام بالظنون , ولا ينبغي أن يظن المسلم إلا الخير . وروى عن عمر رضي الله عنه أنه قَالَ : إنما الربا على من أراد أن يربى , فهذا ما في السنة من أصول الربا . وأما الربا الذي ورد به القرآن , فهو الزيادة في الأجل يكون بإزائه زيادة في الثمن , وذلك أنهم كانوا يتبايعون بالدين إلى أجل , فإذا حل الأجل قَالَ صاحب المال : إما أن تقضي , وأما أن تربى , فحرم الله ذلك في كتابه , وعلى لسان رسوله , واجتمعت عليه أمته . ومن هذا الباب عند أهل العلم ضع وتعجل , لأنه عكس المسألة ، ومن رخص فيه لم يكن عنده من هذا الباب , وجعله من باب المعروف . وأما من نفى القياس من العلماء , فإنهم لا يرون الربا في غير الستة الأشياء المذكورة في حديث عبادة بن الصامت , وما عداها عندهم فحلال جائز بعموم قول الله تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا وممن روى عنه هذا القول قتادة وما حفظته لغيره ، وهو مذهب داود بن علي ولهذا الباب تلخيص يطول شرحه , ويتسع القول فيه , وفيما ذكرت لك كفاية ومقنع لمن تدبر , وفهم , وبالله التوفيق . وقد ذكرنا منه نكتا موعبة كافية في غير موضع من كتابنا هذا , والحمد لله .