حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ° ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانٍ ° ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ° ، عَنْ عَائِشَةَ ° ، أن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلا يَعْصِهِ " . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ يَحْيَى ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ حَبِيبٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ° ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانٍ ° ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ° ، عَنْ عَائِشَةَ ° ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ سَوَاءً ، لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الطَّاعَةِ
ومحمد بن أبان هَذَا هو محمد بن أبان المزني اليمامي ، ليس هو محمد بن أبان بن صالح الكوفِي ، ذاك ضعيف عندهم ، وقيل : أن محمد بن أبان هَذَا لم يرو عنه إلا يَحْيَى بن أَبِي كثير ، وهو مجهول ، وقَالَ آخرون : هو مدني معروف ، روى عنه الأوزاعي أيضا ، وله عَنِ الْقَاسِمِ ، وعروة ، وعون بن عَبْدِ اللَّهِ رواية ، وهَذَا هو الصحيح ، وهو شيخ يمامي ثقة ، وحسبك برواية يَحْيَى بن أَبِي كثير ، والأوزاعي عنه ، وفِي هَذَا الحديث من الفقه ما يرد قول العراقيين فِيمن نذر معصية : إن عليه كفارة يمين مع تركها ، لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لم يأمر فِي هَذَا الحديث بكفارة لمن نذر المعصية ، وإنما أمر بترك المعصية لا غير . وأما حَدِيثُ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " لا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ " . فحديث منكر عند جماعة أهل العلم بالحديث ، وإنما انفرد به عَنِ الزُّهْرِيِّ سليمان ابن أرقم ، وسليمان بن أرقم متروك الحديث عند جميعهم وكذلك أيضا حديث عمران بن حصين فِي ذلك لا يصح ، لأنه يدور على محمد بن الزبير الحنظلي ، وهو ضعيف فِي حديثه مناكير ، لا يختلفون فِي ذلك ، وعلى ما ذكرت لك أن لا كفارة على من نذر معصية إلا تركها ، فقهاء الحجازيين منهم : مالك ، والشافعي ، ومن تابعهم ، وفِي هَذَا الحديث من الفقه أن كل من جعل على نفسه نذرا أن يعصي اللَّه كالجاعل عليه إِنَّ اللَّهَ شفى مريضه ، أو رد غائبه ، أو نحو ذلك ، أن يشرب الخمر ، أو يقتل ، أو يزني ، أو يظلم أحدا ، ونحو ذلك من المعاصي صغائرها وكبائرها ، وكالقائل مبتدئا : لِلَّهِ علي أن أقتل فلانا ، أو أشهد عليه بزور ، أو أبغي عليه ، وأشفِي غيظي بأذاه ، وما أشبه ذلك من قليل المعاصي وكثيرها ، فلا يلزمه شيء فِي ذلك كله ، لأنه من خطوات الشيطان وعليه تركه فرضا واجبا ، ولا كفارة عليه غير ذلك بظاهر هَذَا الحديث ، لأنه لم يأمره فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكفارة ، وكذلك من نذر ما ليس بطاعة ، فليس عليه الوفاء به عند مالك ، ولا كفارة عليه ، وقَالَ مالك فِي تأويل هَذَا الحديث : إن حلف أن يمشي إلى الشام ، أو إلى مصر ، وأشباه ذلك مما ليس فِيهِ طاعة ، فليس عليه فِي ذلك شيء ، لأنه ليس لِلَّهِ تعالى فِيهِ طاعة ، وأما قول مالك فِيمن قَالَ : أنا أحمل هَذَا العمود أو غيره إلى مكة ، طلب المشقة : فليحج غير حامل شيئا ، ويهدي ، فقد أنكروا عليه إيجاب الهدي فِي هَذَا ومثله ، وقد مضى القول فِي هذه المسألة ، فِي باب ثور بن زيد ، والحمد لِلَّهِ ، وقد اختلف الصحابة ، والتابعون ، وسائر الفقهاء ، فِي مسائل من هَذَا الباب نحو قول الإنسان : علي نذر أن أنحر ابني عند مقام إبراهيم ، وما أشبه ذلك . واختلف أيضا فِيهِ قول مالك ، والذي يوجبه ظاهر هَذَا الحديث أن لا شيء عليه ، وهو الصواب من القول فِي ذلك ، واللَّه أعلم ، وسنذكر اختلاف العلماء فِي هَذَا الباب ، وحجة كل فرقة منهم إن شاء اللَّه فِي غير هَذَا الموضع ، وأما من نذر شيئا لِلَّهِ فِيهِ طاعة ، فواجب عليه الإتيان به كالصلاة ، والصيام ، والصدقة ، والعتق ، وما أشبه ذلك من طاعة اللَّه ، وهَذَا ما لا خلاف بين علماء المسلمين فِيهِ ، ويشد ذلك قول اللَّه عز وجل : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ سورة المائدة آية 1 ، وتأويل ذلك : العقود التي لا معصية فِيهَا ، لبيان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك ، فمن قَالَ : لِلَّهِ علي نذر إن لم أشرب الخمر ، ولم أقتل فلانا ، فإنما هو رجل نذر نذرا لم يجعل لَهُ مخرجا : إن سلمه اللَّه من قتل فلان أو من شرب الخمر ، فعليه أن يفِي بنذره ، وكل نذر لا مخرج لَهُ ، ولا نية لصاحبه ، فكفارته كفارة يمين ، ثبتت بذلك السنة ، وعلى ذلك جمهور علماء الأمة ، فأغنى عن الإكثار فِيهِ ، وقد ذكرناه مجودا فِي باب ابن شهاب ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بن عَبْدِ اللَّهِ ، والحمد لِلَّهِ ، وقد أثنى اللَّه تعالى على قوم كانوا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ، وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا سورة الإنسان آية 7 ومن نذر ما لا معصية فِيهِ ولا طاعة ، فقد اختلف الفقهاء فِي ذلك : فَقَالَ قوم : واجب عليه الإتيان بذلك ، لأنه مباح ، وقَالَ آخرون : لا يجب عليه من النذر ، إلا ما كان لِلَّهِ فِيهِ طاعة ، وقصة أَبِي إسرائيل من حديث جابر ، وابن عباس ، تدل على صحة هَذَا القول ، وقد ذكرنا ذلك فِي باب ثور بن زيد من كتابنا هَذَا ، وباللَّه تعالى التوفيق . قَالَ أَبُو عمر : لم يفت يَحْيَى بن يَحْيَى فِي الموطأ حديث من أحاديث الأحكام ، مما رواه غيره فِي الموطأ ، إلا حديث طلحة بن عَبْدِ الْمَلِكِ هَذَا ، وسائر ما رواه غيره من الأحاديث فِي الموطأ ، إنما هي أحاديث من أحاديث الجامع ونحوه ، ليست فِي أحكام ، وأكثرها أو كلها معلولة مختلف فِيهَا عَنْ مَالِكٍ ، وقد توبع يَحْيَى ، تابعه جماعة من رواة الموطأ على سقوط كل ما أسقط من تلك الأحاديث من الموطأ ، إلا حديث طلحة هَذَا وحده ، وما عداه فقد تابعه على سقوطه من الموطأ قوم ، وخالفه آخرون ، وقد ذكرنا ذلك فِي آخر هَذَا الباب ، ويَحْيَى آخرهم عرضا ، وما سقط من روايته ، فعن اختيار مالك وتمحيصه ، واللَّه أعلم .
- هدبة بن خالد بن الأسود بن هدبة ثقة