وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ , سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ ، يَقُولُ : " الْعِلْمُ طَبِيبُ هَذِهِ الأُمَّةِ ، وَالْمَالُ دَاؤُهَا ، فَإِذَا كَانَ الطَّبِيبُ يَجُرُّ الدَّاءَ إِلَى نَفْسِهِ ، فَكَيْفَ يُعَالِجُ غَيْرَهُ ؟ "
وَرُوِيَ في الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ : " لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةٌ ، وَفِتْنَةِ أُمَتِّي الْمَالُ " . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمَالُ الْمَذْمُومُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ ، وَالْمَأْخُوذُ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ ، وَالآثَارُ الْوَارِدَةُ بِذَمِّ الْمَالِ نَحْوَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ أَهْلَكَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، وَإِنَّهُمَا مُهْلِكَاكُمْ " ، وَنَحْوَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ : " مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا فِي حَظِيرَةِ غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حُبِّ الْمَرْءِ لِلْمَالِ وَالشَّرَفِ " ، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْوهُ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : " مَا فَتَحَ اللَّهُ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ ، أوَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ، عَلَى قَوْمٍ إِلا سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ ، وَقَطَّعُوا أَرْحَامَهُمْ " مِمَّا رُوِيَ عَنْهُ ، وَعَنْ غَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، فَوَجْهُ ذَلِكَ كُلِّهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ فِي الْمَالِ الْمُكْتَسَبِ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ ، وَلَمْ يُبِحْهَا وَفِي كُلِّ مَالٍ مَا لَمْ يُطِعِ اللَّهَ جَامِعُهُ فِي كَسْبِهِ ، وَعَصَى رَبَّهُ مِنْ أَجَلِهِ وَبِسَبَبِهِ ، وَاسْتَعَانَ بِهِ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَغَضَبِهِ ، وَلَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ وَفَرَائِضَهُ فِيهِ وَمِنْهُ ، فَذَلِكَ هُوَ الْمَالُ الْمَذْمُومُ وَالْكَسْبُ الْمَشْئُومُ ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَالُ مُكْتَسَبًا مِنْ وَجْهِ مَا أَبَاحَ اللَّهُ وَتَأَدَّتْ مِنْهُ حُقُوقُهُ وَتَقَرَّبُ فِيهِ إِلَيْهِ بِالإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِهِ وَمَرْضَاتِهِ ، فَذَلِكَ الْمَالُ مَحْمُودٌ مَمْدُوحٌ كَاسِبُهُ وَمُنْفِقُهُ ، لا خِلافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ، وَلا يُخَالِفُ فِيهِ إِلا مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى إِنْفَاقِ الْمَالِ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ ، وَمُحَالٌ أَنْ يُنْفِقَ مَا لا يَكْتَسِبُ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى سورة البقرة آية 262 الآيَةَ ، وَقَالَ : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً سورة البقرة آية 274 وَقَالَ : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ سورة الحديد آية 10 ، وَقَالَ : الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ سورة الأنفال آية 72 الآيَةَ ، وَقَالَ : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ سورة آل عمران آية 92 وَقَالَ : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ سورة البقرة آية 276 وَقَالَ : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ سورة البقرة آية 245 الآيَةَ ، وَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ جِدًّا ، وَكَذَلِكَ السُّنَنُ الصِّحَاحُ كُلُّهَا تَنْطِقُ بِهَذَا الْمَعْنَى ، وَهُوَ الثَّابِتُ عَنِ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ " ، وَقَالَ : " الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُعْطِيَةُ وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ " ، وَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ : " لأَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً إِلا أُجِرْتَ فِيهَا " الْحَدِيثَ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَفْضَلُ دِرْهَمٍ دِرْهَمٌ تُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِكَ " ، وَالآثارُ فِي هَذَا مُتَوَاتِرَةٌ جِدًّا ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : " هَلْ لَكَ أَنْ أُرْسِلَكَ فِي جَيْشٍ يُغْنِمُكَ اللَّهُ وَيُسْلِمُكَ ، وَأَرْغَبُ لَكَ مِنَ الْمَالِ رَغْبَةً صَالِحَةً فَنِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ " ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : " مَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ ، وَلا أَعَزُّ عَلَيَّ فقرًا بَعْدِي مِنْكِ " ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَّخِرُ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ صَفَايَاهُ مِنْ فَدَكٍ وَغَيْرِهَا قُوتَ سَنَةٍ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ ، وَيَجْعَلُ الْبَاقِي فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلاحِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهَذِهِ آثَارٌ مَشْهُورَةٌ كَرِهْتُ سِيَاقِهَا بِأَسَانِيدِهَا خَشْيَةَ التَّطْوِيلِ "