أنا أَبُو الْقَاسِمِ ، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ° الْفَقِيهُ ، نا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ النِّجَادُ ° ، نا جَعْفَرٌ الصَّائِغُ ° ، نا فُضَيْلُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ° ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ° ، عَنْ ثَابِتٍ ° ، عَنْ أَنَسٍ ° ، قَالَ : رَكِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسًا لأَبِي طَلْحَةَ ، فَلَمَّا نَزَلَ عَنْهُ ، قَالَ : " وَجَدْتُهُ بَحْرًا " . قَالَ لَنَا أَبُو الْقَاسِمِ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَجَازِ ، لأَنَّهُ شَبَّهَ سُرْعَةَ الْفَرَسِ فِي جِرْيِهِ بِالْبَحْرِ وَجَرَيَانِهِ وَهَوْلِهِ وَعِظَمِهِ ، فَإِذَا وَرَدَ لَفْظٌ حُمِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ بِإِطْلاقِهِ ، وَلا يُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ إِلا بِدَلِيلٍ ، وَقَدْ لا يَكُونُ لَهُ مَجَازٌ ، فَيُحْمَلُ عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ وَأَمَّا الْمَجَازُ فَحَدُّهُ : كُلُّ لَفْظٍ نُقِلَ عَمَّا وُضِعَ لَهُ وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ النَّاسِ الْمَجَازَ فِي اللُّغَةِ ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الأَصْبَهَانِيُّ ، أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَجَازٌ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْعُدُولَ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ ، إِنَّمَا يَكُونُ لِلضَّرُورَةِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى لا يُوصَفُ بِالْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ ، فَلا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي كَلامِهِ مَجَازٌ وَهَذَا غَلَطٌ ، لأَنَّ الْمَجَازَ لُغَةُ الْعَرَبِ وَعَادَتُهَا ، فَإِنَّهَا تُسَمِّي الشَّيْءَ بِاسْمِ الشَّيْءِ إِذَا كَانَ مُجَاوِرًا لَهُ ، أَوْ كَانَ مِنْهُ بِسَبَبٍ ، وَتَحْذِفُ جُزْءًا مِنَ الْكَلامِ طَلَبًا لِلاخْتِصَارِ ، إِذَا كَانَ فِيمَا أُبْقِيَ دَلِيلٌ عَلَى مَا أُلْقِيَ ، وَتَحْذِفُ الْمُضَافَ وَتُقِيمُ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ وَتُعْرِبُهُ بِإِعْرَابِهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ ، وَإِنَّمَا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِأَلْفَاظِهَا وَمَذَاهِبِهَا وَلُغَاتِهَا ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ سورة الكهف آية 77 ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ ضَرُورَةً أَنَّ الْجِدَارَ لا إِرَادَةَ لَهُ
أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلِ بْنِ خَلَفِ بْنِ شَجَرَةٍ الْقَاضِي ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ ، أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ ثَعْلَبٍ ، نا عَلِيُّ بْنُ الْمُغِيرَةِ الأَثْرَمُ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ سورة الكهف آية 77 ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : لَيْسَ لِلْحَائِطِ إِرَادَةٌ وَلا لِلْمَوَاتِ ، وَلَكِنَّهُ إِذَا كَانَ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَهُوَ إِرَادَتُهُ ، وَهَذَا قَوْلُ الْعَرَبِ فِي غَيْرِهِ : يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أَبِي بَرَاءٍ وَيَرْغَبُ عَنْ دِمَاءِ بَنِي عَقِيلٍ أنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأَصَمُّ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ السَّمُرِيُّ ، حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ سورة الكهف آية 77 ، يُقَالُ : كَيْفَ يُرِيدُ الْجِدَارُ أَنْ يَنْقَضَّ ؟ قَالَ الْفَرَّاءُ : وَذَلِكَ مِنْ كَلامِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولُوا : الْجِدَارُ يُرِيدُ أَنْ يَسْقُطَ وَمِثْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ سورة الأعراف آية 154 . وَالْغَضَبُ لا يَسْكُتُ ، إِنَّمَا يَسْكُتُ صَاحِبُهُ ، وَمَعْنَاهُ : سَكَنَ ، وَقَوْلُهُ : فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ سورة محمد آية 21 . إِنَّمَا يَعْزِمُ الأَمْرَ أَهْلُهُ ، وَقَالَ الشَّاعِرُ : إِنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِجَمَلِ لَزَمَانٌ يَهُمَّ بِالإِحْسَانِ وَقَالَ الآخَرُ : شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى صَبْرًا جَمِيلا فَكِلانَا مُبْتَلًى وَالْجَمَلُ لَمْ يَشْكُ ، إِنَّمَا تَكَلَّمَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَطَقَ لَقَالَ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ عَنْتَرَةَ : وَازْوَرَّ مِنْ وَقْعِ الْقَنَا بِلَبَانِهِ وَشَكَا إِلَيَّ بِعَبْرَةٍ وَتَحَمْحُمِ قُلْتُ : وَنَحْوُ مَا ذَكَرْنَا ، قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا سورة يوسف آية 82 . وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ ، أَنَّ الْقَرْيَةَ لا تُخَاطَبُ ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ سورة الدخان آية 29 أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ ، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ الْمُقْرِئُ ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بُكَيْرٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ ، يَقُولُ : " قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قَوْلِ اللَّهِ : فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ سورة الدخان آية 29 . فَذَهَبَ بِهِ قَوْمٌ مَذَاهِبَ الْعَرَبِ فِي قَوْلِهِمْ بَكَتِ الرِّيحُ وَالْبَرْقُ ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ حِينَ أَهْلَكَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ وَأَغْرَقَهُمْ ، وَأَوْرَثَ مَنَازِلَهُمْ وَجَنَّاتِهِمْ غَيْرَهُمْ ، لَمْ يَبْكِ عَلَيْهِمْ بَاكٍ ، وَلَمْ يَجْزَعْ جَازِعٌ ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُمْ فَقْدٌ ، وَقَالَ آخَرُونَ : أَرَادَ فَمَا بَكَا عَلَيْهِمْ أَهْلُ السَّمَاءِ وَلا أَهْلُ الأَرْضِ ، فَأَقَامَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ مَقَامَ أَهْلِهِمَا ، كَمَا قَالَ : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ سورة يوسف آية 82 . أي أهل القرية ، وَقَالَ : حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا سورة محمد آية 4 . أَيْ : يَضَعَ أَهْلُ الْحَرْبِ السِّلاحَ ، قُلْتُ : وَالْمَجَازُ فِي كَلامِ الْعَرَبِ ، يَشْتَمِلُ عَلَى فُنُونٍ : فَمِنْهَا : الاسْتِعَارَةُ ، وَالتَّمْثِيلُ ، وَالْقَلْبُ ، وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ ، وَالْحَذْفُ ، وَالتِّكْرَارُ ، وَالإِخْفَاءُ وَالإِظْهَارُ ، وَالتَّعْرِيضُ ، وَالإِفْصَاحُ ، وَالْكِنَايَةُ ، وَالإِيضَاحُ ، وَمُخَاطَبَةُ الْوَاحِدِ مُخَاطَبَةَ الْجَمِيعِ ، وَمُخَاطَبَةُ الْجَمِيعِ مُخَاطَبَةَ الْوَاحِدِ ، وَخِطَابُ الْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ خَطَّابَ الاثْنَيْنِ ، وَالْقَصْدُ بِلَفْظِ الْخُصُوصِ مَعْنَى الْعُمُومِ ، وَبِلَفْظِ الْعُمُومِ مَعْنَى الْخُصُوصِ ، وَبِجَمِيعِ ذَلِكَ نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى كِتَابَ الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ وَرَسَمَ الْعُلَمَاءَ مِنْ بَعْدِهِ فِي ذَلِكَ كُتُبًا ، عُرِفَتْ وَاشْتَهَرَتْ ، لا يَتَعَذَّرُ وُجُودُهَا عَلَى مَنْ أَرَادَهَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ