7 حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ : " نَزَلَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ حِينَ اضْمَحَلَّ الشِّرْكُ ، وَهُدِمَ مَنَارُ الْجَاهِلِيَّةِ , وَلَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ ، فَذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِكْمَالَ الدِّينِ فِي هَذِهِ الآيَةِ ، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ فِيمَا يُرْوَى قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِحْدَى وَثَمَانِينَ لَيْلَةً " . كَذَلِكَ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ
فَلَوْ كَانَ الإِيمَانُ كَامِلا بِالإِقْرَارِ , وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ فِي أَوَّلِ النُّبُوَّةِ كَمَا يَقُولُ هَؤُلاءِ مَا كَانَ لِلْكَمَالِ مَعْنًى , وَكَيْفَ يُكَمِّلُ شَيْئًا قَدِ اسْتَوْعَبَهُ , وَأَتَى عَلَى آخِرِهِ ؟ فَإِنْ قَالَ لَكَ قَائِلٌ : فَمَا هَذِهِ الأَجْزَاءُ الثَّلاثَةُ وَسَبْعُونَ ؟ قِيلَ لَهُ : لَمْ تُسَمَّ لَنَا مَجْمُوعَةً فَنُسَمِّيَهَا , غَيْرَ أَنَّ الْعِلْمَ يُحِيطُ أَنَّهَا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَتَقْوَاهُ , وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ لَنَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ , وَلَوْ تَفَقَّدْتَ الآثَارَ لَوَجَدْتَ مُتَفَرِّقَةً فِيهَا , أَلا تَسْمَعُ قَوْلَهُ فِي إِمَاطَةِ الأَذَى , وَقَدْ جَعَلَهُ جُزْءًا مِنَ الإِيمَانِ ؟ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ , وَفِي الثَّالِثِ : الْغَيْرَةُ مِنَ الإِيمَانِ , وَفِي الرَّابِعِ : الْبَذَاذَةُ مِنَ الإِيمَانِ , وَفِي الْخَامِسِ : حُسْنُ الْعَهْدِ مِنَ الإِيمَانِ ، فَكُلُّ هَذَا مِنْ فُرُوعِ الإِيمَانِ , وَمِنْهُ حَدِيثُ عَمَّارٍ : ثَلاثٌ مِنَ الإِيمَانِ : الإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ , وَالإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ , وَبَذْلُ السَّلامِ عَلَى الْعَالَمِ ، ثُمَّ الأَحَادِيثُ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ ذِكْرِ كَمَالِ الإِيمَانِ , حِينَ قَالَ : أَيُّ الْخَلْقِ أَعْظَمُ إِيمَانًا ؟ فَقِيلَ : الْمَلائِكَةُ , ثُمَّ قِيلَ : نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ , فَقَالَ : بَلْ قَوْمٌ يَأْتُونَ بَعْدَكُمْ, فَذَكَرَ صِفَتَهُمْ وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُهُ : إِنَّ أَكْمَلَ , أَوْ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : لا يُؤْمِنُ الرَّجُلُ الإِيمَانَ كُلَّهُ حَتَّى يَدَعَ الْكَذِبَ فِي الْمِزَاحِ وَالْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا ، وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , وَابْنِ عُمَرَ 0 ثُمَّ مِنْ أَوْضَحِ ذَلِكَ وَأَبْيَنِهِ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّفَاعَةِ حِينَ قَالَ : فَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ , وَبُرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ , وَمِثْقَالُ ذَرَّةٍ وَإِلا صُولِبَ وَمِنْهُ حَدِيثُهُ فِي الْوَسْوَسَةِ , حِينَ سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ : ذَلِكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ : إِنَّ الإِيمَانَ يَبْدَأُ لُمْظَةً فِي الْقَلْبِ , فَكُلَّمَا ازْدَادَ الإِيمَانُ عِظَمًا ازْدَادَ ذَلِكَ الْبَيَاضُ عِظَمًا فِي أَشْيَاءَ مِنْ هَذَا النَّحْوِ كَثِيرَةٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا تَبَيَّنَ لَكَ التَّفَاضُلُ فِي الإِيمَانِ بِالْقُلُوبِ وَالأَعْمَالِ , وَكُلُّهَا يَشْهَدُ أَوْ أَكْثَرُهَا أَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ مِنَ الإِيمَانِ , فَكَيْفَ تُعَانَدُ هَذِهِ الآثَارُ بِالإِبْطَالِ وَالتَّكْذِيبِ ؟ وَمِمَّا يُصَدِّقُ تَفَاضُلَهُ بِالأَعْمَالِ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِلَى قَوْلِهِ : أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا سورة الأنفال آية 2 - 4 ، فَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِلإِيمَانِ حَقِيقَةً إِلا بِالْعَمَلِ عَلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ , وَالَّذِي يَزْعُمُهُ أَنَّهُ بِالْقَوْلِ خَاصَّةً يَجْعَلُهُ مُؤْمِنًا حَقًّا , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَمَلٌ , فَهُوَ مُعَانِدٌ لِكِتَابِ اللَّهِ وَالسُّنَّةِ ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ تَفَاضُلَهُ فِي الْقَلْبِ , قَوْلُهُ : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ سورة الممتحنة آية 10 أَلَسْتَ تَرَى أَنَّ هَاهُنَا مَنْزِلا دُونَ مَنْزِلٍ ؟ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ سورة الممتحنة آية 10 كَذَلِكَ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ سورة النساء آية 136 فَلَوْلا أَنَّ هُنَاكَ مَوْضِعَ مَزِيدٍ مَا كَانَ لأَمْرِهِ بِالإِيمَانِ مَعْنًى , ثُمَّ قَالَ أَيْضًا : الم { 1 } أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ { 2 } وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ سورة العنكبوت آية 1-3 , وَقَالَ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ سورة العنكبوت آية 10 ، وَقَالَ : وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ سورة آل عمران آية 141 أَفَلَسْتَ تَرَاهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدِ امْتَحَنَهُمْ بِتَصْدِيقِ الْقَوْلِ بِالْفِعْلِ ؟ وَلَمْ يَرْضَ مِنْهُمْ بِالإِقْرَارِ دُونَ الْعَمَلِ , حَتَّى جَعَلَ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ ؟ فَأَيُّ شَيْءٍ يُتَّبَعُ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمِنْهَاجِ السَّلَفِ بَعْدَهُ الَّذِينَ هُمْ مَوْضِعُ الْقُدْوَةِ وَالإِمَامَةِ ؟ فَالأَمْرُ الَّذِي عَلَيْهِ السُّنَّةُ عِنْدَنَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا مِمَّا اقْتَصَصْنَا فِي كِتَابِنَا هَذَا : أَنَّ الإِيمَانَ بِالنِّيَّةِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ جَمِيعًا , وَأَنَّهُ دَرَجَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ , إِلا أَنَّ أَوَّلَهَا وَأَعْلاهَا الشَّهَادَةُ بِاللِّسَانِ , كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي جَعَلَهُ فِيهِ بِضْعَةً وَسَبْعِينَ جُزْءًا , فَإِذَا نَطَقَ بِهَا الْقَائِلُ , وَأَقَرَّ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَزِمَهُ اسْمُ الإِيمَانِ بِالدُّخُولِ فِيهِ بِالاسْتِكْمَالِ عِنْدَ اللَّهِ , وَلا عَلَى تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ , وَكُلَّمَا ازْدَادَ لِلَّهِ طَاعَةً وَتَقْوَى , ازْدَادَ بِهِ إِيمَانًا .