167 ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : " إِنْ مَاتَتِ الشَّاةُ نَزَحُوا مِنْهَا أَرْبَعِينَ دَلْوًا , فَإِنْ تَفَسَّخَتْ نَزَحُوا كُلَّهَا أَوْ مِئَةَ دَلْوٍ "
, قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَإِلَى مِثْلِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ يَذْهَبُ الْكُوفِيُّونَ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَإِنْ كَانُوا يُفَارِقُونَ مَنْ سَمَّيْنَا فِي الْعَدَدِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ , فَإِنَّهُ طَرِيقُهُمُ الَّذِي بِهِ يُعنونَ مِنَ الأُدلَى الْمُسَمَّاةِ وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : فَإِنَّ الَّذِي عِنْدَنَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ : أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِمَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ : لأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ فِي الْفَأْرَةِ بِنَزْحِ الْمَاءِ كُلِّهِ , وَهَؤُلاءِ إِنَّمَا يَأْمُرُونَ بِنَزْحِ دِلا مَعْدُودَةٍ , مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ مُرْسَلٌ لا يُعْلَمُ أَنَّ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ سَمِعَ مِنْ عَلِيٍّ وَلا رَآهُ , وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَكْثَرُ فِي الإِرْسَالِ وَأَبْعَدُ , فَإِنْ كَانَ صَحَّ عَنْهُمَا , فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى نَجَاسَةِ الْجَمعِ لا عَلَى التَّبْعِيضِ فَأَمَّا تَسْمِيَةُ الدِّلاءِ الْمَعْلُومَةِ الَّذِي يُسْتَقَى مِنْهَا كَذَا وَكَذَا دَلْوًا , وَيُتْرَكُ سَائِرُ الْمَاءِ فَإِنَّا لَمْ نَسْمَعْ بِهَذَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ وَلا سَقِيمٍ , إِنَّمَا تَكَلَّمَ بِهِ التَّابِعُونَ الَّذِينَ رَوَيْنَا عَنْهُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ , وَإِنْ كَانُوا أَئِمَّةً فِي الْعِلْمِ , وَلَقَدْ رَأَيْتُ فِي حُجَّتِهِمْ , فَجُلُّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ مُخْتَلِفَةٌ , فَبَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ وَأَقَلُّ , وَقَالُوا : إِنَّمَا يُسْتَقَى مِنَ الْبِئْرِ بِعَدَدِ مَبْلَغِهَا فِيهِ , وَمَثَّلْتُ ذَلِكَ لَهُمْ : بِالْقَطْرَةِ مِنَ الدَّمِ يَقَعُ فِي الْمَاءِ , فَأَنْتَ تَرَى حُمْرَتَهَا تَنْفُشُ فِيهِ وَتَتَفَرَّقُ , ثُمَّ لا تَلْبَثُ أَنْ تَنْمَحِيَ , وَيَنْقَطِعَ أَثَرُهَا لِضَعْفِهَا وَقِلَّتِهَا , فَإِنْ كَانَتْ قَطْرَتَيْنِ كَانَ أَكْثَرُ لِتَفَرُّقِهِمَا وَأَقْوَى ثُمَّ كَذَلِكَ مَا زَادَ , قَالُوا : فَهَكَذَا نَجَاسَةُ الْبَوْلِ , وَالْمَاءُ الَّذِي يُمَاتُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ لا يُرَى كَرُؤْيَةِ الدَّمِ فَهُوَ مِثْلُهُ , يَقُولُونَ : فَإِذَا نُزِحَ بِقَدْرِ مَا يَرَوْنَ أَنَّ النَّزْحَ قَدْ أَتَى عَلَى النَّجَاسَةِ , كَانَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ طَاهِرًا وَلَمْ يَكُنْ بِهِمْ حَاجَةٌ إِلَى اسْتِقَائِهِ , هَذَا فِيمَا نَرَى أَحْسَنُ لِلْقَوْمِ , وَقَالَ الآخَرُونَ الَّذِينَ يُقَارِبُونَهُمْ أَوْ مَنْ قَالَهُ عَنْهُمْ : هَذَا أَمْرٌ لا يُحَاطُ بِهِ , وَلا يُوقَفُ عَلَى حَدِّهِ , لأَنَّ الْمَاءَ إِذَا حُرِّكَ بِالاسْتِقَاءِ يُدَافَعُ , وَلَحِقَ بَعْضُهُ بَعْضًا لِرِقَّتِهِ وَسُرْعَةِ امْتِزَاجِهِ , فَكَيْفَ يُعْرَفُ طَاهِرُ هَذَا مِنْ نَجَسِهِ , فَهُوَ إِمَّا أَنْ يَطْهُرَ كُلُّهُ , وَإِمَّا أَنْ يَنْجُسَ كُلُّهُ , وَكِلا الْفَرِيقَيْنِ لَهُ مَقَالٌ وَمَذْهَبٌ , غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ لا يَنْجُسُ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ , لأَنَّهُ لا يُوقَفُ عَلَيْهِ , وَلا يُحَاطُ بِهِ , وَأَصْلُنَا فِيهِ السُّنَّةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا قَبْلَ هَذَا فِي الْحَدِّ الْمُوَقَّتِ فِي الْقُلَّتَيْنِ , فَمَا كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ فَهُوَ الطَّاهِرُ كُلُّهُ إِلا أَنْ يَصِيرَ مَغْلُوبًا , وَمَا كَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَهُوَ النَّجِسُ كُلُّهُ إِذَا خَالَطَهُ مِنَ الأَنْجَاسِ شَيْءٌ , وَلا نَرَى التَّبْعِيضَ فِي ذَلِكَ , وَلا نَأْخُذُ بِهِ , فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي زَمْزَمَ فَإِنَّهُ يُنْكَرُ مِنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ مِنْهَا : أَنَّهُ إِنَّمَا يُحَدِّثُُ بِهِ عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلا , وَأَدْنَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاحِدٌ , وَمِنْهَا : أَنَّ عَطَاءً كَانَ يُخْبِرُ بِتِلْكَ الْفُتْيَا عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ , وَهُوَ أَعْلَمُ بِأَمْرِ مَكَّةَ وَمَا فِيهَا مِنْ قَتَادَةَ , وَأَكْبَرُ مِنْ هَذِهِ الْحُجَّةِ أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ رَأْيِ ابْنِ عَبَّاسٍ التَّوَسُّعُ فِي الْمَاءِ , أَلَسْتَ تَرَى أَنَّهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الْمَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ " , ثُمَّ كَذَلِكَ كَانَتْ فُتْيَاهُ , وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الشَّعْبِيُّ أَنَّهُ قَالَ : لا يَخْبُثُ الْمَاءُ , وَرَوَى عَنْهُ أَبُو عُمَرَ الْبَهْرَانِيُّ فِي الْحَمَّامِ يَدْخُلُهُ الأَجَنَابُ أَنَّ ذَلِكَ لا يُنَجِّسُهُ , ثُمَّ مَعَ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يُنْكِرُونَ نَزْحَ زَمْزَمَ وَلا يَعْرِفُونَهُ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوا لِلآثَارِ الَّتِي جَاءَتْ فِي نَعْتِهَا , أَنَّهَا لا تُنْزَحُ وَلا تُرَمُّ , لِسَقْيِ الْحَجِيجِ الأَعْظَمِ , فَكَيْفَ تُنْزَحُ وَهَذِهِ حَالُهَا وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الأَثَرِ يَقُولُونَ : إِنْ كَانَ لِنَزْحِهَا أَصْلٌ , فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : أَنَّ الْمَاءَ قَدْ تَغَيَّرَ طَعْمُهُ وَرِيحُهُ مِنْ مَوْتِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ